في عالمٍ تمور فيه الفتن، وتتسارع فيه النوازل، وتختلط فيه الأصوات، ويضطرب الناس في مواقفهم، يبرز سؤال منهجي خطير: كيف يقرأ المسلم الأحداث؟ وكيف يزن النوازل بميزان الكتاب والسنة؟ وكيف يفرق بين سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين؟ وكيف يحسن القصد ويجرد النية من الهوى؟ ثم كيف يقرأ علامات الساعة دون أن ينتقي النصوص ويُهمل السنن؟ وكيف يفرق بين الظن والجزم، وبين ما يصلح للتطبيق وما لا يصلح؟ هذا المقال يقدم المنهجية الإسلامية في قراءة الفتن والنوازل، من قواعد الفهم الصحيح إلى فقه العلامات، مرورًا بأقسام الناس في النوازل، وتحذيرًا من أخطر مزالق الفهم.
قواعد الفهم الصحيح
الأصلان الكبيران: العلم بسبيل المؤمنين وسبيل المجرمين
الفهم الصحيح لهذا الدين يقوم على أصلين كبيرين:
الأول: علم وفهم لسبيل المؤمنين؛ والذي يقوم على العلم بالله عز وجل وبأسمائه الحسنى، وما يقتضي هذا العلم من توحيده سبحانه ومحبته ورجائه والخوف منه وتعظيمه، وعلم بأمره وحدوده وحرماته، وتعظيمها والتسليم لها. وهذا العلم هو أصل الدين، ومنه تنبع الأعمال الصالحة، وبه يُعرف الحق ويُتبع.
الثاني: علم وفهم لسبيل المجرمين؛ القائم على الكفر والنفاق والفسوق والعصيان، وعلم بكيد المجرمين ومكرهم وضلالاتهم وتلبيساتهم ومفاهيمهم الضالة المنحرفة. وهذا العلم ضروري لأن العبد إذا لم يعرف سبيل المجرمين وقع في شباكهم من حيث لا يشعر، وقلدهم في أقوالهم وأفعالهم، ولبس عليهم دينهم.
لماذا هذان الأصلان؟
وبدون الفهم والعلم بهذين السبيلين يحصل الضلال والانحراف، وتتلوث المفاهيم، وتضطرب الموازين في النوازل، ويلتبس على العبد السبيلان، وينطلي عليه استخفاف المجرمين الذين لا يوقنون؛ قال الله عز وجل عن سبيل المؤمنين: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:115]. وقال سبحانه عن سبيل المجرمين: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:55].
فتأمل كيف أمر الله ببيان سبيل المجرمين كما بيّن سبيل المؤمنين، لأن معرفة الباطل جزء من معرفة الحق، والفرقان لا يحصل إلا بمعرفة الطريقين.
مصدر العلم: الكتاب والسنة
ومصدر العلم بسبيل المؤمنين وسبيل المجرمين وعدم التباس أحدهما بالآخر هو كتاب الله عز وجل، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن ابتغى العلم في غيرهما فقد ضل وأضل؛ قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه».
ومن جعل هذين المصدرين المعصومين آخيّته التي يدور عليها، ومنبعه الذي يستقي منه سَلِم من التخبط والاضطراب، وآتاه الله عز وجل نورًا يفرق به بين الحق والباطل، ولا يلتبسان عليه كما يلتبسان على مَن أعرض عن أنوار الكتاب والسنة واستعاض عنهما بآراء الرجال وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
“فمن كان أعظم اتباعًا لكتابه الذي أنزله ونبيه الذي أرسله كان أعظم فرقانًا، ومن كان أبعد من اتباع الكتاب والرسول كان أبعد عن الفرقان؛ فيشتبه عليه الحق بالباطل”.
حسن القصد والتجرد من الهوى
ولا يحصل الفرقان حتى ينضم إلى ما سبق حسن قصد وتجرد من الهوى، ولا يحصل ذلك كله إلا لمن جعل الوحيين وفهم السلف مصدره في التلقي. والعبد قد يتبين له الحق في قضية أو نازلة ما إذا كان منطلقه الكتاب والسنة؛ ولكن إذا كان عنده سوء نية وقصد وإيثار للدنيا وهوى متبعًا فإنه قد يكتم الحق الذي عرفه، أو يلبسه بالباطل؛ كما كان هذا شأن اليهود الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:70-71].
فكم من عالم عرف الحق لكنه كتمه خوفًا أو طمعًا، وكم من داعية أدرك الصواب لكنه لبسه بالباطل هوى ومصلحة. فالعلم وحده لا يكفي، بل لا بد من قلب سليم ونية صادقة.
أقسام الناس في النوازل
وبناء على صحة الفهم وحسن القصد وجودًا وعدمًا يتفاوت الناس في مواقفهم من النوازل؛ ومنها: الصلح والتطبيع مع اليهود؛ وذلك حسب الأقسام التالية:
القسم الأول: من عنده فهم صحيح وحسن قصد
أ. مَن عنده صحة فهم للدين وأحكامه، وصحة فهم للواقعة وسبيل المجرمين ومخططاتهم، مع تجرد وحسن قصد وانقياد للحق؛ ومثل هذا يُوفَّق للموقف الصحيح وللقسطاس المستقيم في الحكم على النازلة؛ وهو الرفض والبراءة منها ومن عاقديها والمعقود عليه.
القسم الثاني: من عنده فهم للدين لكنه يجهل الواقع
ب. مَن عنده فهم للدين وأحكامه، مع جهل أو ضعف شديد بحقيقة الواقعة، وماهية هذا الصلح والتطبيع، ومَن هم أطرافه؟ وما هي البنود المعقود عليها؟ وهذا في الغالب لا يُوفَّق للحق؛ لأنه سيُنزِل الأحكام التي يعرفها من الدين في غير محلها ومناطها فيُضَل ويَضِل، ومثله يَسْهُل استخفافه من قبل المجرمين المغرضين، بل يسهل استخدامه في تمرير هذه الخيانات والولاءات لأعداء الدين.
القسم الثالث: من يفهم الواقع لكنه يضعف في الشرع
ج. مَن عنده فهم لواقع الأعداء وخبثهم وكيدهم، وعنده تفصيل لسبيل المجرمين؛ ولكن فهمه للدين وأحكامه وقواعده ضعيف؛ ومثل هذا أيضًا لا يُوفَّق للموقف الحق من النازلة؛ لأنه قد يستدل على هذه القضية بأدلة من الشرع لا تصلح للاستدلال؛ حيث يجمع بين متفرقين، أو يفرق بين متماثلين؛ وذلك لجهله أو ضعف علمه بالشريعة وقواعدها، وقد يكون منطلقه في الرفض منطلقًا قوميًا (يهود وعرب) وليس دينيًا.
القسم الرابع: من يعرف الحق لكن هواه يمنعه
د. مَن عنده فهم لأحكام الدين وقواعده، وعلم بسبيل المجرمين وكيدهم، وفهم للواقعة وأطراف العقد فيها والمعقود عليه؛ وبناء على ذلك يحصل عنده حكم صحيح على هذه النازلة، ولكن سوء قصده وتغلُّب الهوى عليه وإيثاره الدنيا جعله يكتم هذا الحق، أو يقول بخلافه، أو يلبسه بالباطل بتأويلات واستدلالات باطلة.
القسم الخامس: أرذل الأقسام
هـ. من لا علم عنده بالشرع وأحكامه، ولا علم عنده بسبيل المجرمين وحقيقة ما يجري مع اليهود، وقد ينقصه التجرد ويغلب عليه الهوى؛ فهذا أرذل الأقسام السابقة، وهذا هو الغالب على طغام الناس وعامتهم؛ الذين هم تبع لمن غلب وإمعات لمن لبَّس ودلَّس؛ يطيرون كل مطير، ويسارعون مع كل ناعق.
فقه العلامات: بين الظن والجزم
تحذير مهم: لا تنتقوا النصوص وتهملوا السنن
بعض الناس أساءوا فهم علامات الساعة لأنهم استبعدوا… نظروا إلى الواقع لكنهم استبعدوا جانب السنن الإلهية. ركزوا فقط على النصوص المتعلقة بعلامات الساعة وأرادوا تطبيقها على أي واقع. هذه مشكلة. النصوص المتعلقة بعلامات الساعة تتطلب فهم الواقع، وما إذا كان هذا الواقع يناسب هذا النص أم لا. على سبيل المثال، كما ذكرت بشأن المهدي، المهدي لا يأتي فجأة.
المهدي لا يظهر فجأة خارج السنن
الناس يسيئون فهم المهدي. يعتقدون أن الأمة الإسلامية ستُظلم وتُهزم، ثم فجأة، من خلف جدار أو لا أعرف من أين، أو من خلف جبل، أو كهف، أو مغارة، يظهر شخص اسمه المهدي فيحرر العالم. لا يوجد شيء من هذا. في سنن الله، لا يوجد شيء من هذا.
حتى الأنبياء، كما ترى، لم يأت أحدهم فجأة فيغير كل شيء. النبي ﷺ… الله يصقله ويربيه ويعدّه. ثم ينزل الوحي، فيذهب به إلى الناس. يواجه التكذيب كقاعدة طبيعية، ويعاني، ويصبر، ويتحمل. يعطي، ويعلّم، ويربي، ويبني، وهكذا، حتى… يتحقق النصر، أو قد لا يتحقق. ففكرة… إخراج المهدي من سنن الله خاطئة. لا يوجد… شيء كأننا نائمون وفجأة يظهر المهدي. لا يوجد شيء من هذا في سنن الله. سيظهر ضمن منظومة السنن الإلهية، التي… تشمل حمل الدين وحمايته وما إلى ذلك.
قتال اليهود في آخر الزمان
ثانيًا، فيما يتعلق بالبيت المقدس وارتباطه بأحداث آخر الزمان. لدينا عدة أمور تتطلب تفكرًا عميقًا. منها المعركة التي تحدث عنها النبي ﷺ… مع اليهود في آخر الزمان.
إنه حديث صحيح في البخاري ومسلم. رواية مسلم تقول: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلونهم. يقتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهودي خلف الحجر والشجر. يقول الحجر والشجر: “يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله”، إلا شجر الغرقد. هذا الحديث في البخاري ومسلم لا يحدد المنطقة. يخبر فقط أن المعركة ستكون بين المسلمين واليهود. هذه المنطقة ستكون فلسطين، والدليل من وجهين.
- الدليل الأول: روايات أخرى تحدد الزمان والمكان
الأول أن عدة روايات… من أحاديث النبي ﷺ خارج الصحيحين ذكرت أن… هذا القتال سيكون في زمن عيسى مع الدجال، حيث يقول الحجر والشجر: “يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله.” روايات واضحة تبين أن هؤلاء اليهود سيكونون مع الدجال. لدينا روايات أخرى تبين أن الدجال سيُقتل في فلسطين. سيُقتل في فلسطين، أي سيكون هناك قتال مع اليهود والدجال تحديدًا في فلسطين. ذلك واحد.
- الدليل الثاني: هذا الحديث من علامات النبوة
الثاني، هذا الحديث في الواقع من علامات النبوة، كما نرى بوادره الآن. يعني، كما تعلمون، قبل العصر الحديث، لم يكن اليهود كتلة موحدة ذات دولة قوية ذات سيادة مرتبطة بالواقع الإسلامي يمكن قتالها، صحيح؟ طوال التاريخ الإسلامي، كان القتال مع النصارى، مع الصليبيين، ولاحقًا مع التتار، على سبيل المثال. لكن القتال لم يحدث قط مع اليهود.
الآن، بعد 1400 سنة، يأتي اليهود إلى أرضنا، ويحتلوها، ويقيمون كيانًا له قوة وسلاح، وهناك جهاد بدأ في العصر الحديث في فلسطين. إذن، هذا أمر غريب جدًا. إنه غريب حقًا، يعني تخيل لو كنا قبل قرن أو قرن ونصف نسمع هذا الحديث: “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود.” تسأل، يا رب، كيف ومتى؟ اليهود مشتتون في هذه الأرض، موزعون في هذه البلاد. لا، قدر الله أن يأتوا إلى هذا المكان ويتجمعوا في نقطة واحدة. كل شيء يجعلك تدرك أن الأمر مفهوم حقًا. فهذه مقدمة، والله أعلم، لتلك المعركة.
الملاحم الكبرى لا تنطبق على زماننا
إذا تأملت الواقع ومجموعة النصوص، تجد أن الملاحم الكبرى لا يمكن أن تكون الآن. لماذا؟ سأعطيك أمثلة. من الواضح أن سمات مرحلة الملاحم تختلف عن المرحلة التي نعيشها الآن.
السمة الأولى: المدينة قاعدة للجيوش
على سبيل المثال، المدينة المنورة ستكون، في زمن الملاحم الكبرى، قاعدة كبرى للجيوش الإسلامية. الجيش الرئيسي الذي سيقاتل في الملحمة سيخرج من المدينة. والدليل حديث صحيح في مسلم: “لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق. فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خير أهل الأرض يومئذ.” حسنًا. بالطبع، المدينة — بعض العلماء فسروا المدينة بدمشق. قالوا يعني البلد. مدينة دمشق وما إلى ذلك، لكن هذا تفسير للأصل.
السمة الثانية: تغير معادلة الحدود الدولية
حسنًا. هناك سمة أخرى، وهي أنه بوضوح في زمن الملاحم الكبرى، ستختلف معادلة الحدود الدولية عن اليوم. الدليل؟ في صحيح مسلم، أيضًا من حديث ابن مسعود، عندما ذكر الملاحم والقتال لثلاثة أيام، قال عن النبي ﷺ: “حتى إذا كان اليوم الرابع، نهض بقية أهل الإسلام إليهم.” اليوم، لا يمكن لبقية أهل الإسلام أن يأتوا وينضموا إلى المعركة بأنفسهم. هذا يعني أن الوضع تغير.
حتى الحديث السابق عن المدينة يعني أنه من المدينة إلى الأعماق أو دابق، التي قرب حلب، العالم مفتوح والناس يتحركون. هل ترى الفكرة؟ هذا غير منطقي الآن. هذا غير منطقي الآن. إذن، هناك فرق. عندما تقرأ عن زمن الملاحم الكبرى، الفكرة أن هذا الزمن لن يحدث إلا بعد أن يكون للمسلمين قوة عظيمة تخشاها الروم.
السمة الثالثة: الملحمة الكبرى لا تحدث إلا بعد هدنة
الملحمة الكبرى لن تحدث إلا بعد هدنة، صحيح؟ نعم، بناءً على حديث في البخاري. نستخدم أحاديث صحيحة. نعم، حديث البخاري، حديث عوف بن مالك: “اعدد ستًا قبل الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم.” ذكر السادسة: “ثم تكون هدنة بينكم وبين بني الأصفر.” الهدنة لا تأتي إلا بعد قتال. “فيغدرون ويأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا.” يعني الجيش الإجمالي… الصليبي أو الرومي أو البيزنطي الذي سيأتي إلى الشام لقتال المسلمين بما يقرب من مليون جندي.
هذه المعادلة تشير إلى وجود طرف آخر قوي جدًا يملك قدرات هائلة، يجبر الروم على حشد هذا العدد الكبير.
السمة الرابعة: جيش ضخم ينقسم ثلاثة أثلاث
ثالثًا، هناك حديث صحيح عن ذي مخبر الحبشي، رواه أبو داود والإمام أحمد. قال النبي ﷺ: ستصالحون الروم صلحًا آمنًا. ستقاتلون أنتم وهم عدوًا من ورائكم؛ فتنتصرون وتغنمون وتسلمون. ثم ذكر خلافًا بين كتيبة من المسلمين والنصارى رفعوا الصليب وقالوا… قال: ثم يغدر الروم ويجمعون للملحمة الكبرى. هذا يعني أن الجيش الموجود هناك غير قادر على هزيمة الجيش الإسلامي. يجب أن يذهبوا ويجمعوا قوة هائلة ضد المسلمين.
أيضًا، في صحيح مسلم، حديث عن أبي هريرة يقول إن الجيش الذي يخرج من المدينة لقتال النصارى سينقسم ثلاثة أثلاث. ثلث يفر؛ لا يغفر الله لهم أبدًا. وثلث يُقتل؛ هم أفضل الشهداء. وثلث يفتح، لا يُفتنون أبدًا. سيفتحون القسطنطينية. إذن، ثلث الجيش الذي يقاتل في الملحمة الكبرى هو الذي سيفتح القسطنطينية.
جيش كامل، جيش ضخم جدًا. إذا كان ثلثه فقط يفتح القسطنطينية، فكم حجم هذا الجيش؟ لا يوجد أي من هذه العوامل الآن.
لا تطبق النصوص بجزئية
لذلك، إذا حاول أحد تطبيق النص الآن برؤية جزئية، إذا لم تفهم وتستوعب السمات العامة المذكورة في النص، لن تستطيع تطبيقها بشكل صحيح. بينما أحاديث المهدي أقرب إلى أزمنتنا الحالية، بخلاف أحاديث المهدي، فهي ليست تلك التي تتضمن معارك الجيوش الكبرى. لا، هي الأحاديث التي تتضمن مرحلة من الظلم والاضطراب والقهر والعدوان.
ومن الواضح أيضًا من النصوص النبوية أن بداية دعوة المهدي أو حركته، كما ترى، ليس معه أحد، ولا جيوش، ولا… الدليل؟ الدليل أنه يلجأ إلى البيت، المسجد الحرام. لماذا لجأ إلى المسجد الحرام؟ لماذا لم يقاتل؟ لأنه لا توجد قدرة. في الواقع، في صحيح مسلم وصحيح البخاري: “يلجأ إلى البيت قوم لا منعة لهم ولا عدة.” ثم يُرسل جيش من الشام ضد المهدي وهو لاجئ في الحرم. ماذا يحدث لهذا الجيش؟ يُخسف به الأرض. لماذا؟ لم تحدث معركة لأنه لا توجد قدرة. هذا مثل ما حدث مع فرعون عندما انفلق البحر لموسى وغرق جيش فرعون. لم تكن هناك قدرة على القتال، ولا تكافؤ. هذا الآن أقرب إلى طبيعة الحياة التي نعيشها اليوم.
المهدي ومرحلة الظلم والاضطراب
إلى أي مدى نحن قريبون من هذا؟ الله أعلم، لكن لا شك أن من أقرب الأزمنة التي تنطبق عليها أحاديث المهدي هي الأزمنة التي ينتشر فيها الظلم الشديد والعدوان الشديد. نحن نعيش بعضًا من هذا، إن لم نكن نعيش أعلى درجاته. مرحلة ظلم. لاحظ أن النبي ﷺ… عندما وصف الواقع، الوصف الرئيسي لزمن المهدي: تُملأ الأرض ظلمًا وعدوانًا. لاحظ أن… تُملأ الأرض ظلمًا وعدوانًا. هذا مفتاح.
كما ذكرت، من أهم ما سيجلب المهدي هو القسط والعدل، في مقابل الظلم والعدوان الذين كانا موجودين. بالطبع، الظلم له أشكال كثيرة، واليوم نعيش حالة من الظلم المروع والشديد بأشكال متعددة. ليس شكلًا واحدًا. لذلك، حتى الأحاديث التي ذكرتها تقول لا عدد، ولا عدة، ولا منعة. وفي مرحلة خلاف، رغم أن سند الحديث فيه بعض الضعف، جاء عن طريق المعلى بن زياد، عن العلاء بن بشير، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: “أبشركم بالمهدي؛ يخرج في اختلاف من الناس.” يعني مرحلة خلاف واضطراب وضعف وذل وظلم. وكأننا نتحدث عن اليوم. عن يومنا.
القاعدة في التعامل مع نصوص الفتن
القاعدة في التعامل مع مثل هذه النصوص ألا يجزم أحد بالتوقيت، ولا يبني مشاريع إصلاحية على الانتظار وما شابه. بل الأهم أنها تبعث التفاؤل، وأن نعلم أن التغيير الحقيقي الذي سيحدث في الأمة سيكون على يد المهدي. المهدي لن ينزل من السماء. لن يخرج من كهف، بل سيكون من يحمل هم هذا الدين، ويعيش به، ويعمل من خلاله، وله الصفات التي ذكرها النبي ﷺ.
المقصود أننا لا نستطيع فقط رسم — كما ترى، كثير ممن يتحدثون في هذا الأمر، مع كل الاحترام، يتحدثون بشكل سطحي. يأخذون نصًا ويبنون عليه شيئًا، ثم يأخذون نصًا ثانيًا ويربطونه، ثم نصًا ثالثًا ويربطونه، ثم يرسمون لك صورة وكأنها أمر 1-2-3، بعيدًا عن السنن الإلهية وبعيدًا عن فهم السمات.
على سبيل المثال، التمييز بين زمن المهدي والملاحم الكبرى واضح في مجموع النصوص.
المهدي وعيسى: مسألة خلافية
بالطبع، قد يقول أحدهم: “ألم يُقل إن المهدي هو من يؤم عيسى في الصلاة؟” وعيسى سيكون هناك بعد الملحمة الكبرى. هذا يعني… نقول قد يكون هذا في نهاية زمن المهدي، بعد عقود من العمل الذي يغير الواقع، ليؤدي إلى تلك المرحلة. هذا إذا ثبت، رغم أن صحة هذا المعنى محل نقاش. الدليل على أن المهدي هو من يؤم عيسى في الصلاة محل نقاش وبحث. إنها مسألة مفصلة. بعضهم فهم من قول النبي ﷺ: “كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟” أن الإمام هو المهدي، لكن لا يوجد نص صريح. هناك رواية في مسند الحارث بن أبي أسامة. قال ابن القيم إن سنده جيد، لكن فيه بعض… فيما يتعلق بالسند، الخلاصة أن النظرة الشمولية ضرورية، وكذلك فهم الواقع والسنن الإلهية، حتى نتمكن من تطبيق هذه النصوص وفهمها بشكل صحيح.
الخاتمة
هكذا تتضح المنهجية الإسلامية في قراءة الفتن والنوازل:
أولًا: قواعد الفهم الصحيح القائمة على العلم بسبيل المؤمنين وسبيل المجرمين، وحسن القصد والتجرد، ومصدر العلم هو الكتاب والسنة.
ثانيًا: أقسام الناس في النوازل تتفاوت حسب صحة الفهم وحسن القصد، وأرذل الأقسام من لا علم عنده ولا تجرد.
ثالثًا: فقه العلامات الذي يقتضي النظر إلى مجموعة النصوص مع فهم الواقع والسنن الإلهية، لا انتقاء نص وتطبيقه جزئيًا، ولا الجزم بالتوقيت، ولا بناء المشاريع على الانتظار. بل نستلهم منها التفاؤل، ونعلم أن التغيير الحقيقي سيكون على يد المهدي، وليس بانتظاره.
فاللهم فقهنا في دينك، وبصرنا بسبيل المؤمنين وسبيل المجرمين، وأحسن قصدنا، واجعلنا من أهل الفرقان الذين لا يلتبس عليهم الحق بالباطل. آمين.
المصدر
جسر بودكاست، “من صناعة اليقين في الطوفان إلى الصراع آخر الزمان”، أحمد السيد، بتصرف .
من صناعة اليقين في الطوفان إلى الصراع آخر الزمان | أحمد السيد | جسر بودكاست
اقرأ أيضا
القواعد الشرعية للمسلم تجاه القضايا العامة .. خطورة الفتن وطُرق الهداية


