هل يعقل أن يكون “اللسان العربي” في القرآن غير لسان العرب؟ وهل يمكن فهم “النساء” على أنها “الموضة” ولحم الخنزير على أنه اللحم الفاسد فقط؟
هذه ليست دعابة، بل هي الأطروحة الزائفة التي ترعاها منصة “مجتمع” تحت اسم “آلية اللسان العربي المبين”، وإليك تفنيدها الكامل في المقال التالي.
فكرة الشحارير الجدد
هناك فكرة سخيفة اجتمع عليها الشحارير الجدد، تقول إنّ “اللسان العربي” في كتاب الله ليس هو “لسان العرب”، بل يعني لسانًا فطريًا هو أوضح طريق بين الدال والمدلول أو ما شابه من عبارات. وهذه هي الفكرة الأولى التي يروّج لها الشحارير الجدد الآن بمختلف أصنافهم، تحت اسم “آلية اللسان العربي المبين”، برعاية منصة “مجتمع”.
شبهة نفي القومية ومغالطة استمالة القلوب
ويستخدمون من أجل ذلك دعوى مفادها أنّ العربية ليست لسانًا قوميًّا، وأن القرآن ليس مخصوصًا بقوم بعينهم، وذلك بهدف استمالة القلوب النافرة من العنصرية. وهي مغالطة مفضوحة؛ ذلك أنّ كون العربية لسان العرب لا يجعلها شأنًا قوميًّا لا يمكن أن يتعلّمه غير العرب عرقًا. وقد برع في العربية وعلومها علماء من العَجَم، فكان بعضهم عربيّ اللسان أكثر من بعض العرب عرقًا، ولكنه لم يصبح كذلك إلا بمعرفة لسان العرب وأصوله في كلامهم وأشعارهم وخطبهم. بل هؤلاء العجم من علماء العربية هم أكبر ردّ على شبهة “العنصرية القومية” المزعومة، فهم أنفسهم كتبوا من منطلق أن العربية هي لسان العرب، واستشهدوا بكلام العرب وشعرهم لمعرفة معاني القرآن، وهم في الوقت نفسه عجم من جهة العِرق.
الهدف المكشوف: التحرر من جدار كلام العرب
ولعل سائلًا يسأل: ما الهدف من الزعم بأنّ “اللسان العربي” ليس “لسان العرب” في عصر الرسول صلى الله عليه وسلّم؟
الهدف واضح جدًا: للتمكّن من تحريف مفاهيم القرآن وإعادة فهمه مع التحرّر من إلزامات كلام العرب التي تقف جدارًا منيعًا أمام هذه التحريفات. حتى يتمكّن أحدهم مثلًا من القول بأنّ “النساء” ليس ما نعرف، بل من “النسيء” أي “الموضة”! وحتى يقول الآخر إنّ لحم الخنزير المحرّم ليس لحم الحيوان المعروف، بل هو كل لحم “تخنزَرَ” وفسَد، وبأنّ الإيمان لا يتضمّن التصديق والاطمئنان والانقياد للشريعة، بل هو مجرد منح الأمن للناس حتى لو خلا من التصديق والانقياد للشريعة.. وهكذا.
هدم الفكرة في ثلاث نقاط قرآنًا وعقلًا وواقعًا
والواقع أن هذه الفكرة سخيفة، وهدمها في ثلاث نقاط مبنية على القرآن والعقل والواقع:
أولًا: من القرآن – آية “لسان قومه” وكشف تأويل يوسف أبو عواد
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم: 4)، وهي وحدها كافية. ومعظمهم يهرب من هذه الآية، وبعضهم يؤوّلها، وأسخف تأويل لها وجدته هو تأويل يوسف أبو عواد، فقد عارضها بعالمية الدعوة في مثل قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107)، فزعم أنّ الجمع بين الآيتين يقتضي أنّ العالم كلّه هو قوم الرسول صلى الله عليه وسلّم! وهذا مما يُكتفى بحكايته لبيان فحشه، ولكنه نسي أنّه يبطل معنى “قوم” في القرآن إذ غدتْ كلمةً بلا معنى وإضافة بلا قيمة! ونسي أنّ العالم لا يوجد له “لسان” واحد كما يعلم الأطفال! كما أنّه لا تعارض بين أن يكون لسان القرآن هو أحد الألسنة الموجودة في العالم (لسان العرب) وأن يكون موجّهًا لجميع العالم، فالعالم وقتذاك واليوم لم يكن على لسان واحد، ولا يوجد لسان واحد يمكن مخاطبة الناس جميعًا به بمختلف لغاتهم فيفهمونه، فاقتضت حكمة الله اختيار لسان العرب، أي باللسان الذي يفهمه قوم الرسول صلى الله عليه وسلّم ابتداءً، فلم يوصف غيره بالعربي، ثم تبلّغه الأمة للعالمين بكل الوسائل. فالعالمية تتعلق بجهة الخطاب والرسالة، لا بكون اللسان منزوعًا من تاريخه وأهله. والقرآن عالمي الرسالة عربي اللسان، ولا تناقض بين الأمرين.
ثانيًا: من الواقع والعقل – تجربة ثلاثة أشخاص
لو جئنا بثلاثة أشخاص: أحدهم إنجليزي لا يعرف شيئًا من لسان العرب، والثاني يتحدث عامّية من بلد عربي لكنه لم يدخل المدرسة ولا يعرف القراءة والكتابة ولا يستمع إلى العربية الفصيحة، والثالث تعلّم لسان العرب منذ الطفولة في المدرسة وبرع فيه وأحبه وشُغف بقراءة الشعر العربي وكُتب العربية الفصيحة. هل يشكّ عاقل أن الثالث أقدرهم على فهم كتاب الله تعالى حين يطالعه بشكل ذاتي؟ (وإنْ لم يكن هذا كافيًا فتلك نقطة أخرى لوجود السياق وأسباب النزول وبسط الأحكام كالصلاة وغيرها). هل يشكّ عاقل أنّ المرء كلما كان أعلم بلسان العرب كان أعلم بكتاب الله؟ وكلما كان أجهل بلسان العرب كان أجهل بكتاب الله؟ حتى إذا جهل لسان العرب تمامًا (كالإنجليزي) انغلق عليه كتاب الله إلّا بترجمة.. هل يشكّ بهذا الواقع المجرّب عاقل يحمل دماغًا سليمًا في جمجمته؟!
ثالثًا: من الإلزام العملي – عجزهم عن فهم آية دون الرجوع إلى لسان العرب
هؤلاء أنفسهم عاجزون عن فهم كلمة واحدة في كتاب الله تعالى دون الرجوع إلى لسان العرب، إمّا من خلال المعاجم العربية القديمة المبنية على لسان العرب كمعجم “مقاييس اللغة” لابن فارس أو “مفردات ألفاظ القرآن” للراغب أو “المحكم والمحيط الأعظم” لابن سيده أو “لسان العرب” لابن منظور وغيرها، أو من شواهد كلام العرب المنقولة عبر علماء الأمة جيلًا بعد جيل.
وإنْ كنتَ تريد تجربة ذلك، فاطلب من أحدهم أن يشرح {الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين} دون الرجوع إلى أي مصدر، فإن ضحك واستسهل فاطلب منه المرجع في شرحه لكل مفردة ولعمل المفردات معًا، فلا يمكن للعامية المعاصرة المدخولة أن تكون مرجعًا. ثم قدِّم شرحًا آخر وقل له: لمَ لا يكون هذا؟ ثم ثالثًا وقل له: ولمَ لا يكون هذا؟ فلا فكاك له إلا بالعودة إلى المراجع التراثية المستندة إلى “لسان العرب” لا شيء غيره، والتي تخبره بمعاني هذه المفردات وبقواعد النحو والصرف المبنية على كلام العرب ولسانهم، ولا طريقة أخرى غير هذه سوى العبث وأن يكون هناك مليون قول.
حفظ هذه النقاط الثلاث
فهذه ثلاثة احفظوها كلما وجدتم شحروريًّا أعجميًّا يتحدث عن “آلية اللسان العربي المبين” ثم يعزلها عن لسان العرب معاندةً للقرآن والعقل والواقع!
المصدر
صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا.


