لماذا سمى الله غزوة بدر “يوم الفرقان”؟ وما هي القوانين الربانية والمادية التي وضعتها سورة الأنفال لتكون منهاجًا للأمة في صراعها الدائم مع الباطل؟
قراءة في القوانين الربانية والمادية للنصر
سورة الأنفال هي السورة المدنية التي نزلت عقب غزوة بدر الكبرى، تلك الغزوة التي سمّاها الله تعالى (يوم الفرقان) [الأنفال: 41]، لأنها فرّقت بين الحق والباطل، وبين جيل الإيمان وجيل الطغيان. وقد عنيت هذه السورة بوضع القوانين الربانية والمادية للنصر، لتكون منهاجا للأمة في هذا الصراع الدائم بدوام الإنسان.
وقدمت السورة رؤية استراتيجية شاملة للأمة الإسلامية اليوم، وهي تواجه تحديات وجودية مع تكالب الأمم عليها.
أولاً: حتمية المواجهة بين الحق والباطل
يقرر القرآن الكريم أن سنة الصراع بين الإيمان والكفر سنة ماضية لا تحويل لها ولا تبديل.
فكما حدثت المواجهة في بدر بين جند الرحمن وجند الشيطان، فإن المواجهة حتمية بين جيل النصر والتمكين وبين قوى الباطل المتعاقبة.
غير أن هذه المواجهة لا تخضع للمزاج البشري أو للحسابات الدنيوية الضيقة، بل هي بقدر الله وتدبيره.
فمن المؤمنين من كره الخروج للقاء النفير في بدر، وكانوا يودون لو أن المواجهة تكون مع العير (القافلة التجارية) لا مع النفير (الجيش المجهز).
قال تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) [الأنفال: 5-7].
إن هذه الآيات تحدد لنا قاعدة استراتيجية كبرى: أن المواجهة الكبرى بين الحق والباطل يقدّرها الله،
وقد تكون في وقت لا تريده أنت، وقد تكون مع عدو لم تخطط لمواجهته.
ولكن العناية الإلهية تريد إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولو كره المجرمون.
وهذا يريح الأمة من حسابات “متى تكون المواجهة” و”مع من تكون”، ويركز اهتمامها على جاهزيتها الإيمانية والمادية الدائمة.
ثانياً: صفات جيل النصر والتمكين
إن النصر لا ينزل على أي جيل، ولا على أي جماعة ترفع شعارات الإسلام.
النصر مرتبط بصفات محددة بيّنها القرآن في سورة الأنفال مرتين: (أولئك هم المؤمنون حقاً)، ولم ترد هذه الصيغة الحصرية في غير هذه السورة.
- النموذج الأول: المؤمنون حقاً (الأنفال: 2-4)
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)
صفات المؤمنين حقا:
يقول السعدي: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان.
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي: خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية اللّه تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف اللّه تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب.
{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم، لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقا إلى كرامة ربهم،أو وجلا من العقوبات، وازدجارا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان.
{وَعَلَى رَبِّهِمْ} وحده لا شريك له {يَتَوَكَّلُونَ} أي: يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن اللّه تعالى سيفعل ذلك. والتوكل هو الحامل للأعمال كلها، فلا توجد ولا تكمل إلا به.”
وفي قوله تعالى( الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) يقول ابن كثير: “ينبه بذلك على أعمالهم بعد ما ذكر اعتقادهم ، وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها ، وهو إقامة الصلاة ، وهو حق الله تعالى .
وقال قتادة : إقامة الصلاة : المحافظة على مواقيتها ووضوئها ، وركوعها ، وسجودها .
وقال مقاتل بن حيان : إقامتها : المحافظة على مواقيتها ، وإسباغ الطهور فيها ، وتمام ركوعها وسجودها ، وتلاوة القرآن فيها ، والتشهد والصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا إقامتها..
والإنفاق مما رزقهم الله يشمل خراج الزكاة ، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب ، والخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه”
- النموذج الثاني: المؤمنون حقاً (الأنفال: 74)
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}
هنا يتحدث القرآن عن الهجرة والجهاد والإيواء والنصرة.
إنه جيل يضحي بنفسه وماله وراحته من أجل دينه فيجاهد في سبيل الله، ويؤوي إخوانه وينصرهم.
هذا هو الجيل الذي يستحق وعد الله بالمغفرة والرزق الكريم.
ويعلق الشيخ أبو إسحاق الحويني على هذه الآيات بقوله: “ما معنى ذكر هذه الأوصاف في ذكر بدر؟ معناها: إذا أردتم أن تظفروا على عدوكم، ولو كان عددكم وعتادكم قليلاً، كما كان إخوانكم من الأسلاف في بدر، نصرهم الله نصراً مؤزراً برغم أنهم لم يأخذوا أهبة غزوهم، وما خرجوا لقتال.. فعليكم أن تكونوا من المؤمنين أولاً، فلابد من شرط الإيمان”.
ثالثاً: قوانين النصر الربانية التي سخرها للمؤمنين
تضع سورة الأنفال جملة من القوانين التي تتعلق بالمدد الإلهي والنصر من عند الله، وهي قوانين لا تتعارض مع الأسباب المادية، بل تسبقها وتؤطرها:
- الترتيب الإلهي للمواجهة
يقول تعالى: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً) [الأنفال: 42].
هنا يبين الله أن مكان وزمان اللقاء لم يكن بتخطيط بشري، بل بتقدير إلهي، لئن يظن أحد أن النصر بحسن تخطيطه فقط.
- الاستغاثة والمدد الملائكي
(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الأنفال: 9].
الاستغاثة بالله سنة الأنبياء والصالحين، وهي اعتراف بالضعف البشري والتجاؤء إلى القوة الإلهية.
- اليقين أن النصر من عند الله
(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 10].
هذه الآية تحسم الأمر: النصر ليس بقوتكم ولا بعددكم، وإنما هو من عند الله، ولكن الله يجعله على أيديكم إذا تحققت شروطه.
- الإعداد النفسي (النعاس والمطر)
(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) [الأنفال: 11].
هذا إعداد نفسي ومعنوي للمعركة، يذهب الخوف والوساوس، ويثبت القلوب والأقدام.
- إراءة العدو قليلاً
(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً) [الأنفال: 44].
هذه رحمة من الله؛ فالمسلمون يرون العدو قليلاً فلا يهابونهم، والكفار يرون المسلمين قليلاً فيتهاونون في الاستعداد.
رابعاً: قوانين النصر المادية
إلى جانب القوانين الربانية، هناك قوانين مادية وهي من السعي المطلوب من الأمة، ومن مسؤوليتها المباشرة:
- الثبات عند اللقاء
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال: 45].
من عوامل النصر الثبات مع كثرة الذكر ” قال مالك ابن دينار: “ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله، فليس شيء من الأعمال أخف مؤنةً ولا أعظم لذة ولا اكثر فرحة للقلب منه”
- نبذ النزاع والفرقة
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46].
النزاع سبب مباشر للفشل وذهاب القوة والهيبة. وقد بدأت السورة بالنداء بإصلاح ذات البين:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: 1].
ويؤكد الدكتور علي الصلابي: “وحدة الصف ووحدة الكلمة أساس في النصر. وتفريق الكلمة والاختلاف في الرأي دمار وهزيمة” .
- إعداد القوة
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال: 60].
هذه الآية تأمر بالإعداد المادي بكل ما يستطاع، والإعداد يشمل كل ما يحقق القوة في كل عصر: التسليح، التدريب، التخطيط، الاقتصاد، الإعلام.
- التعبئة للقتال والصبر والمصابرة
وقد وردت آية الموازنة بين قلة العدد وكثرته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال: 65-66].
هذه الآيات تضع قاعدة واضحة: وجوب التعبئة للقتال وليس العبرة بكثرة العدد إنما النصر مرتبط بالصبر والإيمان.
خامساً: الفرق بين جيل الغنيمة وجيل النصر
من الدروس العميقة في سورة الأنفال أنها تبدأ بسؤال الصحابة عن الأنفال (الغنائم)، لكن الإجابة عن هذا السؤال تتأخر إلى الآية 41، ويأتي بين السؤال والجواب واحد وأربعون آية تتحدث عن قوانين النصر والإعداد والتوحيد. هذا التأخير مقصود ليعلم المؤمنون أن قضية النصر أكبر من قضية الغنيمة. فالذين يبحثون عن الغنيمة لا يستحقون النصر، والنصر يكون للذين يبحثون عن إعلاء كلمة الله .
لذلك يقول تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) بعد أن ذكر يوم الفرقان وصفات المؤمنين. إنها رسالة واضحة: قاتلوا لإعلاء الدين، والغنيمة ليست هدفا.
سادساً: استراتيجية الأمة اليوم من خلال سورة الأنفال
بناءً على ما تقدم، يمكن صياغة استراتيجية متكاملة للأمة الإسلامية اليوم لمواجهة عدوها، مستلهمة من سورة الأنفال:
أولاً: التسليم بحتمية المواجهة وتدبير الله لها
يجب أن تعي الأمة أن الصراع مع قوى الباطل صراع وجودي لا يمكن تجنبه أو الهروب منه. وقد قدّر الله هذه المواجهات لحكم بالغة، منها تمييز الصادق من الكاذب، وتمكين المؤمنين، وإحقاق الحق وإبطال الباطل. لذلك، لا ينبغي أن تنشغل الأمة بموعد المواجهة أو مكانها، بل بمدى جاهزيتها الإيمانية والمادية.
ثانياً: بناء جيل النصر والتمكين بالتربية الإيمانية
جيل النصر لا يُصنع في يوم وليلة. جيل بدر تربى في مكة ثلاث عشرة سنة على التوحيد والقرآن والأخلاق، ثم في المدينة سنتين على بناء المجتمع والمسجد والأخوة. هذا الجيل لم يكن يطلب الدنيا، وكان قلبه معلقاً بالله. دور الأمة اليوم هو العناية بالتربية الإيمانية الصحيحة، التي تبدأ من المسجد والأسرة والمدرسة، وتغرس في النشء الوجل من الله، والتوكل عليه، وإقام الصلاة، والإنفاق في سبيله.
رابعاً: الجمع بين الإعداد المادي والمعنوي
لا تهمل سورة الأنفال الجانب المادي، بل تأمر بإعداد القوة ورباط الخيل، ولكنها تضع هذا الإعداد في إطاره الصحيح: هو وسيلة للإرهاب والردع، لكن النصر الحقيقي من عند الله. على الأمة اليوم أن تعد كل ما تستطيع من قوة: التسليح المتطور، الاقتصاد القوي، الإعلام المؤثر، الدبلوماسية الذكية. لكن مع هذا كله، عليها ألا تنسى أن النصر بيد الله.
خامساً: الوحدة ونبذ الفرقة
الآية القرآنية واضحة: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ). الريح هنا هي القوة والهيبة والنصر. الفرقة سبب مباشر لذهاب القوة. إن أعظم ما يطلبه العدو من الأمة اليوم هو تشتيتها وإضعافها بالصراعات الداخلية والمذهبية والطائفية. استراتيجية المواجهة تقتضي توحيد الصف، وجمع الكلمة، وتغليب المصالح العليا للأمة على المصالح الفئوية الضيقة.
سادساً: الثبات والاستغاثة بالله
في ساحة المعركة الحقيقية أو المعنوية، الثبات هو عنوان النصر. وقد علمنا الله أن نستغيث به في الشدائد، فهو مجيب الدعاء. الثبات يعني الاستمرارية، وعدم الانهيار عند أول انتكاسة أو نكبة. يعني الاستمرار في الدرب مهما طال الزمن.
سابعاً: إصلاح العلاقة مع الله
يقول الشيخ الحويني معلقاً على واقع الأمة: “كم من المسلمين لا يدفعون زكاة الأموال! وكثير من الذين يدفعون الزكاة إنما يدفعونها بالتشهي، وبالتقتير الشخصي، فهؤلاء لا يُمكَّن لهم في الأرض أبداً ولو ظلوا ألف عام يصرخون بمكبرات الصوت، ويحرقون الأعلام، ويقذفون عدوهم بأشنع العبارات، فإن الوضع باقٍ كما هو”.
إنها كلمة صادمة لكنها صادقة: التمكين يبدأ من إصلاح العلاقة مع الله، فإذا صلحت صلحت الدنيا كلها.
ثامناً: عدم الركون إلى المنظمات الدولية المخادعة
الاستراتيجية القرآنية تعتمد على الله أولاً، ثم على الأمة نفسها، ولا تعلق الآمال على منظمات دولية صنعها الأعداء لحماية مصالحهم. إن الاستغاثة بغير الله من القوى الظالمة هي كالمستجير من الرمضاء بالنار، كما يقول الشيخ الحويني .
خاتمة: النصر حقيقة وليس سراباً
جيل النصر والتمكين الذي تصوره سورة الأنفال ليس حلماً بعيد المنال، بل هو حقيقة ممكنة إذا تحققت الشروط، وانتفت الموانع. لقد حققها الصحابة وهم قلة مستضعفة، وهي سنة من سنن الله.
يقول تعالى في ختام السورة: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ) [الأنفال: 75].
هذا وعد من الله بأن كل من يأتي بعدهم ويسلك طريقهم، فهو منهم، وله ما لهم من النصر والتمكين.
إن معركة الأمة اليوم مع عدوها هي امتداد لمعركة بدر، ونواميس النصر الإلهية لا تتبدل ولا تتغير. المطلوب من الأمة أن تكون أهلاً للنصر، وأن تأخذ بالأسباب التي نصبها الله سنناً في الكون، ثم تفوض أمرها إلى الله، فهو نعم المولى ونعم النصير.
المصدر
مركز المجدد للبحوث والدراسات، ا. سميحة بنعمر، بتصرف.


