النصر والتمكين

إذا كان خطاب النصر والتمكين قد شاع في الأمة، فهل يعني ذلك أننا حققنا مقوماته؟ ولماذا يركّز كثير من الدعاة على الجانب الغيبي في النصر، ويقللون من أهمية الأخذ بالأسباب الواقعية، حتى يصبح الخطاب أقرب إلى “الغيبوبة” من “الغيب” كما قدّمه الإسلام؟ وكيف يمكن أن نفهم أن النبي ﷺ كان يأخذ بالحسابات الدنيوية السياسية الواقعية في خط سيره نحو التمكين، بينما يُلغى هذا الجانب في خطابنا المعاصر؟ وما سر هذا الإخلال بالتوازن الذي يجعل الناس يلتزمون بالدين ويملؤون المساجد ويظلّون مستضعفين مهزومين؟

ضرورة التوازن بين الإيمان بالغيب والأخذ بالأسباب الواقعية

التوازن من المفاهيم المهمة الغائرة في صلب الإسلام، وكثير من مشاكلنا المعاصرة راجع إلى اختلال هذا التوازن.

وفي سياق الحديث عن مفاهيم النصر والتمكين، ستجد من يركّز على الجانب الغيبي فيها ويقلل من أهمية الجانب المادي كما نوّهنا سابقًا، مع أنّ الناظر في حال الأمة سيجد أنّ العاطفة غالبة عليها، ومنطق النبوءات والنصر الموعود، والفئة القليلة التي حتمًا ستنتصر على الفئة الكبيرة مهما تضخّمت قوتها، وإسقاط أحداث السيرة – مع اختلاف ظروفها وملابساتها – على الأحداث المعاصرة بطريقة سطحية وكأنها نزلت فيها.. هذا المنطق الغيبي القاصر هو الشائع في الأمة (القصور منسوب لطريقة التناول وليس للإيمان بالغيب)، فهو أقرب “للغيبوبة” من “الغيب” كما قدّمه الإسلام.

وإذا كان هذا المنطق “الغيبوبي” هو الشائع، فهو يستدعي من الدعاة توعية الأمة حول أهمية التفكير الواقعي، كما قالت عائشة رضي الله عنها واصفة عمر رضي الله عنه: “ومَن رأى عمرَ بن الخطاب عرفَ أنه خُلق غناءً للإسلام، كان والله أحوذيّا، نسيج وحده، قد أعدّ للأمور أقرانها” (مصنّف ابن أبي شيبة)، أي أعدّ لكلّ موقفٍ أو حدثٍ ما يُناسبه من تصرّفات وسياسات.

وقبل ذلك من يُطالع السيرة النبوية يجد كمّا هائلًا من الحسابات المادية السياسية الواقعية في خطّ سير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نحو التمكين كما تقدّم، إلى جانب التوكّل والعوامل الغيبية، وذلك ليعلّمنا أهمية الأخذ بالسنن الواقعية والاستفادة من ظروف كل عصر وتسخير ممكناته والبحث عن البدائل وغير ذلك من السياسات الواقعية. والغالب على الأمة ودعاتها ومفكّريها اليوم – مع الأسف – التقصير الشديد في هذا الباب، مما يستدعي التركيز عليه إلى جانب التركيز على الجانب الغيبي.

الحسابات الدنيوية في السيرة النبوية

كذلك الأمر عند الحديث عن الصمود والتضحية، يتحدّث كثير من الدعاة عن إلغاء الحسابات الدنيوية بشكل شبه تام، وأنّ الخسائر المادية من أرواح ودمار ليست مأخوذة في الحسبان في الصراع مع الباطل، مع أنّ هذه الجوانب – كما نرى في السيرة – مأخوذة في الحسبان بوضوح شديد.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح: 25)، يقول ابن جُزيّ في تفسيرها: “الآية تعليل لصرف الله المؤمنين عن استئصال أهل مكة بالقتل، وذلك أنه كان بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يخفون إيمانهم، فلو سلّط الله المسلمين على أهل مكة، لقتلوا أولئك المؤمنين وهم لا يعرفونهم، ولكنْ كفَّهم رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم”. فهذا حسابٌ لقيمة الأرواح المؤمنة ورحمة بها رغم قلّة أعدادهم ورغم الفرصة السانحة لإحراز النصر على قريش!

كذلك الأمر في إرساله صلّى الله عليه وسلّم لمجموعات من المؤمنين إلى الحبشة لينجوا من الجَور والعذاب والمعاناة في مكّة، جاء في “سيرة ابن هشام”: “قال ابن إسحاق: فلمّا رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمّه أبي طالب، وأنه لا يَقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكًا لا يُظلم عنده أَحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم”.

فقد اتّخذ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هنا سياسةً تهدف إلى حماية الناس من البطش والفتنة، والأمثلة من السيرة كثيرة. فالتركيز على إلغاء الحسابات الدنيوية وإغفال هذا الجانب الحيوي المهم فيه إخلال بتوازن الإسلام.

والأخطر أنّ أحد أهم أسباب صمود أي شعب أو أمة هو توفّر مقومات الصمود الدنيوية، فالناس لا يحيون على الخطاب الديني وحده، بل يحيون على الماء والطعام والأمن أيضًا، واستمرارُ الفتنة والتضحية لفترات طويلة وذهابُ الأمن وكثرةُ القتل والدمار هو أنسب جوّ لقتل الصمود والتمسّك بالدعوة في أنفس الناس. ولذلك على صاحب الدعوة أن يسعى قدر الإمكان إلى توفير البدائل التي تحفظ حدًّا أدنى من المعيشة الكريمة لاستمرار المشروع كما فعل نبيّنا صلوات الله وسلامه عليه، وألّا يُعرّض الناس إلى الفتنة المتواصلة بغير البحث عن فرص التفريج والتخفيف عنهم، فضلًا عن إدخالهم في فتن جديدة كان بإمكانه تجنّب إدخالهم فيها من خلال النظر في الواقع والمآلات كما فعل نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم.

ونماذج مثل أهل الأخدود الذين أُبيدوا تمامًا بعد إلقائهم في أخدود النار محلٌّ للتعزية بعد وقوع الحوادث المؤسفة في مسيرة الدعوة، فمصير المؤمن الذي مات صابرًا على دينه هو الجنّة بإذن الله(2)، ولكنّها ليست مثالًا يحتذى ويُستهدف عند الحديث عن “النصر”، فمخاطبة الناس بها وهم أحياء يُرزقون نوع من الإخلال العجيب بالتوازن الذي قرّره الدين(1).

أزمة عدم الاعتراف بالهزيمة

كما أنّ مثل هذا الخطاب القاصر يعاني من أزمة عدم الاعتراف بالهزيمة. فهو قادر على استخلاص “النصر” من كل حالة مهما كانت النتائج، حتى لو كانت هزيمة ساحقة تخلّلتها خسائر ضخمة جدًّا في الأرواح والأرض والممتلكات والعتاد.

وصحيح أنّ الأصل بالمسلم الثبات القلبي وألّا تدخل الهزيمة النفسية إلى قلبه، فسيظلّ معتزًّا باهتدائه لدين الحقّ ويكتسب علوّه على خصومه جميعًا من هذا الاهتداء للإسلام والإيمان بالله عزّ وجلّ وأنبيائه عليهم السلام والرضا بقضائه وقدره، كما قال تعالى عقب معركة أحد التي مُني المسلمون فيها بهزيمة مادّية ناتجة عن تقصيرهم في اتّباع أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 139). هذا صحيح، ولكنّه لا يعني عدم الاعتراف بالهزيمة الواقعية على الصعيد المادي، والتي معاييرها مرتبطة بأمور مادية كالخسائر البشرية وخسارة الأرض والممتلكات وغير ذلك من معايير اتفقت الأمم عليها. فلا يمكن أن تكون قد خسرتَ الأرض وآلاف الشهداء ولم تحقق شيئا من أهدافك في المعركة ثم تقول إنّك انتصرتَ لأنّ غيرك على الأقل لم يُفنِك تمامًا!

وقد قال تعالى في السورة نفسِها: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 152). فقد كانت الغلبة في بداية نهار أُحُدٍ للمسلمين، حتى نزل الرماة من الجبل واختلطوا بعسكر المسلمين طلبًا للغنيمة وداهمتْهم خيلُ المشركين، فاستشهد خَلق كثير من المسلمين وتحيّزوا إلى الجبل. فوعدُ الله بالنصر كان متحقّقًا حتى عصى بعض الجيش الأمر. وصحيح أنّ عمر بن الخطّاب قال كما رويَ عنه: “قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار”، وقال “الله مولانا ولا مولى لكم”، لكنّ ذلك يعكس عزّة المؤمن وعدم اهتزاز عقيدته، ولا يعكس تحقّق النصر الذي أراده المسلمون في المعركة، فإنّما أرادوا أن يستمر وعد الله لهم في قوله {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، ولكنّهم فشلوا، والفشل في العربية يحمل معاني الجبن والضعف والتراخي، وهو وصف سلبيّ جاء على إثر إخلال في شروط النصر المادّية، وهو مرتبط بشروطه القلبية النفسية؛ لأنّ الدافع لهذا الإخلال كان نفسيًّا داخليّا، وهو “إرادة الدنيا” كما نصّت الآية: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ}، فقد أراد بعضهم الفوزَ بالغنائم وعدم التأخّر عن ذلك. وفي هذا درس للمسلمين على مرّ العصور: حين تختلط الغايات الدنيوية بالغايات الأخروية في حروبهم ومعاركهم مع أعدائهم؛ فستكون هذه الغايات الدنيوية عاملًا من عوامل الخيبة وتأخُّر النصر.

وقد قال الله عزّ وجلّ في معركة بدرٍ التي انتصر فيها المسلمون خلاف ذلك تمامًا، قال سبحانه: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الأنفال: 43). فالذي حصل في أُحد خلاف الذي حصل في بدرٍ، وهو الفشلُ والتنازعُ في الأمر ومعصيةُ أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم وإرادةُ بعض الجيش للدنيا، فهذه أسبابُ الهزيمة العسكرية التي مُني بها المسلمون في أُحُدٍ ومظاهرُها، ولئنْ كان اللهُ تعالى قد رحم المسلمين من الإفناء والمقتلة العظيمة (استشهد نحو عُشر الجيش) فإنّ هذا لا يجعلها انتصارًا، ومعرفتهم بأنّهم هُزموا وفشلوا فيها مهمّة جدًّا، ودروس سورة آل عمران تؤكّد ذلك.

إنّ حالة عدم الاعتراف بالهزيمة والتأكيد على النصر الدائم مهما حدث من تراجع وخسائر وانتكاسات هي في الواقع حالة ضارّة غير سويّة؛ فأنت حين لا تعترف بالهزيمة لن تتعلّم من أخطائك، وستتعامل مع نفسك كأنّك مركبٌ سائرٌ بهدى الوحي، لا يضلّ ولا يشقى، أو كأنّك معصوم من الله ولن يخذلك الله كما لو كنتَ نبيًّا مبعوثًا برسالة! ودرسُ أُحد يقول لنا: إنّ الهزيمة المادية تحصل مع خير الأنبياء وخير القرون، وتنزل الآياتُ القرآنية لتُعلّم المسلمين دروس فشلهم وانهزامهم، فكيف بنا نحن ولا نبيّ بيننا ولسنا بخير القرون ومع ذلك نُصرّ على نصرنا الدائم، ولا نتنازل فنعترف بهزائمنا وتقصيرنا المادي والشرعي واختلاط أهدافنا الدنيوية بالأخروية!

الهوامش

لتوضيح الأثر الكارثي لهذه الأيديولوجيات راجع مقالي “لماذا يجب أن نتخلّى عن هويّاتنا الوطنية؟”.

انظر فصل “الخير والشر” من كتابي “الذرة التائهة”، فقد تناولت دروس سورة البروج في هذا السياق.

للمزيد من التفصيل راجع فصل “هل نحن مكلّفون بالنتائج؟” من كتابي “الخطاب المريض: جراحة استئصالية لأفكار سرطانية” (2015).

المصدر

موقع حكمة يمانية، شريف محمد جابر، بتصرف.

اقرأ أيضا

عن النصر والتمكين والاستحضار القاصر لنصوص الدين (1)

التعليقات معطلة