هل يكفي أن أحافظ على صلاتي وصيامي وقرآني وأورادي، وأعيش تحت أنظمة تكفر بما أنزل الله وتحارب دينه وتستبيح دماء المسلمين، ثم أقول: “أنا في السليم”؟
وإذا كان الله قد أنجى في قصة أصحاب السبت المصلحين الذين ينهون عن السوء، وسمى الصالحين الساكتين الذين قالوا “لم تعظون قوما الله مهلكهم” فلم يذكرهم من الناجين، فما الذي أراده الله لنا أن نفهمه؟ وهل صلاح الإنسان ينبغي أن يتحول إلى جزيرة معزولة عن فساد ما حوله؟
أخطر فكرة زرعت في عقول المسلمين
لعل أخطر فكرة زرعت في عقول المسلمين وقتلت فاعلية الإسلام في حياتهم هي أن الإسلام علاقة فردية بينك وبين ربك، وأن الإسلام منهج فردي أخلاقي، وأن الإنسان يستطيع أن ينجو بدينه عند الله إذا حافظ على صلاته وصيامه وتلاوة القرآن وحرص على أوراده صباحا ومساء، ولو كان يعيش تحت أنظمة تكفر بما أنزل الله وتحارب دين الله وتستبيح دماء المسلمين وتوالي أعداء الأمة وتبارز الله في أحكامه.
قالوا له: طالما أنك تقوم بعباداتك وما ترتكب محرمات فأنت في السليم.
لكن يبقى هناك سؤال ينبغي أن يؤرق نوم كل مسلم صادق، ويكدر عيش كل مخلص حتى يجد له إجابة تهدأ بها نفسه وتضيء له الطريق في وسط هذا البحر المتلاطم من المنكر:
هل الانعزال عن الواقع والاكتفاء بالعبادات الفردية من صلاة وصيام وحسن خلق يبرئ ذمتي وينجيني عند الله طالما أنني لم أرتكب المحرمات ولم أدع إليها؟
الجواب القرآني – السكوت عن المنكر يجعلك شريكا
أخبرنا القرآن الكريم أن السكوت عن المنكر السياسي، والسكوت عن الحكام الذين يحاربون الشريعة، وناي النفس عن التصدي للواقع ومنكراته، يجعلك شريكا مع أصحابه في الجريمة والوزر، ويسقط عنك أهلية النجاة عند الله.
فإذا كنت تظن أن موقف “ما لي دخل” أو “أنا سأكتفي بإصلاح نفسي وأهلي” هذا الموقف سوف ينجيك، فأنت إذا لم تقرأ القرآن كما ينبغي ولم تتدبر آياته على الوجه الذي يقودك إلى فهم سنن الله ولم تفهم بعد مراد الله منك، فاستمع إلى هذا المشهد المريع الذي خلده القرآن في قصة أصحاب السبت.
قراءة في قصة أصحاب السبت وعاقبة الصالحين الساكتين
قصة أصحاب السبت – الفئات الثلاث
في قرية من قرى بني إسرائيل، ابتلاهم الله ابتلاء عجيبا، حرم عليهم الصيد يوم السبت، فإذا بالسمك يأتيهم يوم السبت بكثرة ظاهرا على وجه الماء شرعا، حتى كأنه يعرض نفسه عليهم، ثم إذا جاء غير يوم السبت اختفى السمك.
كان الامتحان واضحا جليا: هل يطيعون أمر الله أم يبحثون عن طريقة للالتفاف على حكمه والتحايل على أمره؟
وهنا انقسم المجتمع إلى ثلاث فئات:
- الفئة الأولى: ظالمة جريئة انتهكت حرمات الله وعصت أمره وتحايلت على أحكامه.
- الفئة الثانية: صالحة مصلحة لم تسكت، بل قامت تأمر وتنهى وتحذر من العقاب.
- الفئة الثالثة: صالحة لكنها سلبية لم تعص الله عصيانا مباشرا، لكنها انزوت وبدأت تخذل المصلحين وتقول لهم بمنطق المخذلين: “لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ لماذا تتعبون أنفسكم؟ دعوهم وشأنهم، نحن صالحون في أنفسنا ولا دخل لنا بهم”.
فماذا كان الرد من المصلحين؟
قالوا: “معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون”. نحن نعمل لنبرئ ذممنا أمام الله، ولنقيم الحجة، ولنخوض المعركة كما أمرنا.
النهاية المرعبة التي يغفل عنها الساكتون
هذه هي مواقف الفئات الثلاث. لكن هل انتهى الحدث إلى هنا؟ هل يترك الله القضية معلقة دون بيان عاقبة أصحابها؟ كلا والله.
افتحوا آذانكم وقلوبكم الآن لتسمعوا النهاية المرعبة التي يغفل عنها الساكتون.
يقول الله جل جلاله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165].
تأملوا هذا النص: حين ذكر الله العاقبة، سمى الذين نجوا وهم المصلحون، وسمى الذين أخذوا بالعذاب وهم العصاة. ثم تركنا أمام سؤال ثقيل عن أولئك الذين قالوا “لم تعظون”؟ أين الفئة الثالثة؟ أين الصالحون الساكتون الذين قالوا “لم تعظون قوما الله مهلكهم”؟
لم يذكرهم الله من الناجين، بل طويت صفحاتهم ومحي ذكرهم وأثرهم، فكأن لم يكونوا.
ما الذي أراده الله لنا أن نفهمه من هذه الحادثة؟
إن صلاتك وصيامك وحجك وطول قيامك هي شعائر عظيمة بلا شك، لكنها لن تنقذك من عذاب الله ومقته إذا كنت خائنا لأمانة الرسالة، ساكتا عن هدم الشريعة، متفرجا على أنظمة الكفر والظلم التي تحارب أحكام الله وتسلم ديار المسلمين للأعداء.
سؤال يوم القيامة
حين ينزل قضاء الله بالهلاك على مجتمعات استمرأت الظلم والمعاصي وصمت فيها الصالحون والنخب والمفكرون والعلماء، سيسألك الله سبحانه: كنت مع المصلحين الذين يخوضون غمار الصراع مع أعدائه لإعادة سلطان الله إلى الأرض، أم كنت مع الصالحين الساكتين الذين عمهم الله بعذابه وبددوا كأنهم لم يكونوا؟
لا تعش وهم الصلاح المنعزل في زمن الهلاك. إما أن تكون مصلحا يحمل هم الأمة ويعمل لتغيير الواقع الجذري، أو استعد لتكون مجرد رقم في قائمة الساكتين عن الحق، الخائنين لأمانة الدين.
الصالحون أم المصلحون؟
يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].
تأملوا اختيار القرآن لكلمة “مصلحون”. كلمة تفتح أمامنا معنى عظيما: أن صلاح الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى جزيرة معزولة عن فساد ما حوله، يصلي في محرابه، يصوم نهاره، يقوم ليله، ويدع العالم يموج في الفساد، هو صالح في نفسه، سالم في بيته، لكنه سلبي متواطئ مع الواقع.
لهذا قال الله في الآية “وأهلها مصلحون” ولم يقل “صالحون”، لأن الإصلاح فعل متعد، له أثر، صراع مع أنظمة الكفر، حرب مفتوحة مع الباطل، مواجهة سياسية وفكرية لمن يعطلون شرع الله.
حديث “أنهلك وفينا الصالحون؟“
وتأكيدا لهذا السياق، عندما سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها رسول الله ﷺ – بيقين المرأة التي ترى الصالحين حولها -: “أنهلك وفينا الصالحون؟” جاءها الجواب النبوي الحاسم كالصاعقة: “نعم، إذا كثر الخبث(1)”.
الخبث إذا صار مناهج تدرس، وقوانين تفرض، وحكاما يحرسون المنكر، لن يدفعه العابد في محرابه، بل يدفعه كيان يحمل الإصلاح، قضية مصيرية. فالحديث يؤكد أن وجود الصالحين وحده لا يمنع نزول البلاء العام إذا كثر الخبث.
الترتيب القرآني – الأمر بالمعروف قبل الصلاة
القرآن الكريم لم يخاطب الإنسان ببعده الفردي فحسب، بل بنى المسؤولية على الفعل الجماعي. ولكي لا يتوهم جاهل أن شعائر العبادة وحدها تغني عن الصراع مع الفساد، جمع القرآن العظيم الصور في آية واحدة لا تدع مجالا للتأويل.
اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 71].
انظروا إلى الترتيب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء أولا قبل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لأنه لا يمكن أن تقام الصلاة على حقيقتها ولا أن تؤدى الزكاة بمقاصدها العادلة في ظل نظام سياسي يهدم أحكام الله ويروج للمنكر ويشيع الفساد في الأرض.
لا تجعل الواقع يعلمك متى تتكلم
لا تجعل الواقع يعلمك متى تتكلم ومتى تسكت ومتى تنصر الحق. اجعل دين الله هو الذي يعلمك كيف تنظر إلى الواقع.
فأنت لا تملك النتيجة، لكنك تملك الموقف. الموقف الذي نجا به من قبلنا حين قالوا: “معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون”.
والله المستعان.
الهوامش
(1) صحيح البخاري (3346).
المصدر
سائد مرعي “﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾… هُنَا يَكْمُنُ السِّرُّ !” محاضرة مفرغة بتصرف.


