المولد النبوي

كيف يمكن لمسلمٍ أن يقرر الاحتفال بمولد النبي ﷺ، ثم يتراجع بعد رحلة تأمل في السيرة والتاريخ والفقه، ليكتشف أن الاحتفال الحقيقي ليس في يومٍ واحدٍ في السنة؟ وما جدوى الاحتفال بيوم ولادة اختلف فيه المؤرخون، والوفاة المجزوم بها وقعت في نفس اليوم والشهر؟ وكيف يمكن لأعداء المسلمين أن يسخروا منا سواء فرحنا بولادته أو حزنا لوفاته؟

قرار الاحتفال.. بين التحدي الفكري والرغبة في إثبات المحبة

وُلِدَ الهُدى فالكائِناتُ ضِياءُ

وفَمُ الزَّمانِ تَبَسُّمٌ وسَناءُ

يا خَيرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً

مِن مُرْسَلِينَ إلى الهُدى بِكَ جاؤوا

يَومٌ يَتِيهُ على الزَّمانِ صَباحُهُ

ومَساؤُهُ بِمُحَمَّدٍ وَضَّاءُ

سَألتُ نَفسي سُؤالًا: لِماذا لا أحتَفِلُ بِمَولِدِ النَّبيِّ ﷺ؟ أيَعقِلُ أنَّ كُلَّ المُحتَفِلينَ به على خَطَأٍ؟!

لِماذا لا نُعلِنُ حُبَّنا لِلرَّسولِ ﷺ مِثلَهم؟! ونُثبِتُ لهم أنَّنا نُحِبُّه.

فهم يَتَّهِمونَنا أنَّنا لا نُحِبُّه!!

أستَغفِرُ اللهَ… مَعاذَ اللهِ… أن يَتَّهِمَ مُسلِمٌ مُسلِمًا أنَّه لا يُحِبُّ النَّبيَّ ﷺ؟!

فَكَّرتُ وقَدَّرتُ… ثم قَرَّرتُ أن أحتَفِلَ رَغمَ كَونِ الفِكرَةِ لم تَحظَ بِقَناعَتي حتى الآنِ، لكنَّني سَأحتَفِلُ.

ولِماذا لا أحتَفِلُ بِمَولِدِ النَّبيِّ ﷺ؟

دَعونا نَحتَفِلْ! فقد يَكونُ الحَقُّ والصَّوابُ مع المُحتَفِلينَ؟

لَدَيَّ عَقلٌ وإدراكٌ، وقد دَرَستُ الشَّريعَةَ وعَرَفتُ بَعضًا مِن أحكامِها، ولا أدَّعي إحاطَتي بِعُلومِها.

ولكن بِما لَدَيَّ مِن بَصيصِ عِلمٍ -ولاسيَّما القَواعِدُ الكُلِّيَّةُ والمَبادِئُ العامَّةُ لِلشَّريعَةِ- سَأُجَرِّبُ أن أحتَفِلَ.

كيف سيكون الاحتفال؟

يا تُرى كيفَ سَيَكونُ احتِفالي؟!

سَأُحاوِلُ وأنا أحتَفِلُ بِالمَولِدِ ألَّا أرتَكِبَ مُنكَرًا وألَّا أغشى زُورًا.

غَدًا هو يَومُ الثَّاني عَشَرَ مِن رَبيعِ الأوَّلِ

وسَأبدَأُ فيه احتِفالي أوَّلًا بِقِراءَةِ كُتُبِ السِّيرَةِ النَّبَويَّةِ والشَّمائِلِ المُحَمَّديَّةِ ﷺ.

ولكنِّي لن أتَغَنَّى بِقَصيدَةِ البُردَةِ لِلبُوصِيْري، فقد دَرَستُ العَقيدَةَ وعَلِمتُ بأنَّ فيها ما يُناقِضُ التَّوحيدَ والعَقيدَةَ، والعِياذُ باللهِ.

الصدمة الأولى.. اختلاف المؤرخين في تاريخ المولد

حَسَنًا… سَأبدَأُ بِقِراءَةِ كِتابِ «الرَّحيقِ المَختومِ»

فَلَمَّا بَدَأتُ بِقِراءَتِه تَفاجَأتُ في صَفَحاتِه الأولى، إذ وَجَدتُ مَكتوبًا فيه:

(وُلِدَ سَيِّدُ المُرسَلينَ ﷺ بِشِعْبِ بَني هاشِمٍ بِمَكَّةَ في صَبيحَةِ يَومِ الاثنَينِ التَّاسِعِ مِن شَهرِ رَبيعِ الأوَّلِ).

قُلتُ في نَفسي: المَشهورُ المَعروفُ عِندَ النَّاسِ أنَّه وُلِدَ ﷺ في يَومِ الثَّاني عَشَرَ مِن رَبيعِ الأوَّلِ؟!

فَعَرَّجتُ على كُتُبٍ أخرى في السِّيرَةِ كالإمامِ ابنِ كَثيرٍ الشَّافعيِّ وغَيرِه، فإذا بها تَذكُرُ اختِلافاتٍ شَتَّى في تَاريخِ مَولِدِه: أكانَت وِلادَتُه صَباحًا أم مَساءً؟ أكانَت في رَبيعِ الأوَّلِ أم رَبيعِ الآخَرِ أم في صَفَرَ أم في رَمَضانَ؟ وبِكُلٍّ قيلَ، بل اختَلَفوا في تَحديدِ عامِ وِلادَتِه؟

اختَلَفَ عُلَماءُ السِّيَرِ والتَّاريخِ في تَحديدِ سَنَةِ وِلادَتِه وشَهرِ مِيلادِه ويَومِه وساعَتِه.

ولَمَّا عَلِمتُ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه أرَّخَ بِهِجرَةِ المُصطَفى ﷺ بِإقرارٍ مِن الصَّحابَةِ، ولم يُؤرِّخْ بِمَولِدِه ﷺ، أدرَكتُ أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللهُ عنه لم يَكونوا يَعلَمونَ جَزمًا يَومَ وِلادَتِه، بل لم يَكونوا يَرَونَ أنَّ ضَبطَ تَاريخِ مَولِدِه ﷺ له أهمِّيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عليها حُكمٌ شَرعيٌّ.

فَقُلتُ: إذن لِماذا أحتَفِلُ في الثَّاني عَشَرَ ولا يُوجَدُ سَنَدٌ تَاريخيٌّ يُؤيِّدُه؟! فَتَضَعضَعَت قَناعَتي.

صوم يوم الاثنين.. سنة نبوية تجاهلها المحتفلون

إنَّ كُتُبَ السِّيَرِ والتَّاريخِ، بل وكُتُبَ الحَديثِ الشَّريفِ، أجمَعَت على أنَّ وِلادَتَه ﷺ كانَت يَومَ الإثنَينِ، وكانَ حَبيبُنا ﷺ يَصومُه شُكرًا للهِ؛ ولَمَّا سُئِلَ عن ذلك؟ قالَ: ((ذاكَ يَومٌ وُلِدتُ فيهِ، ويَومٌ بُعِثتُ أو أنزِلَ عَلَىَّ فيهِ)) رواه مسلم.

ولم أجِدْ فيها أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَتَحَرَّى صِيامَ الثَّاني عَشَرَ مِن رَبيعِ الأوَّلِ مَرَّةً في السَّنَةِ، بل كانَ يَصومُ كُلَّ اثنَينِ بِمُناسَبَةِ وِلادَتِه وبِعثَتِه فيه.

لكنَّ كَثيرًا مِن المُحتَفِلينَ بِالمَولِدِ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أو أكثَرَ! رُبَّما لا يَحرِصونَ على صَومِ يَومِ الاثنَينِ مِن كُلِّ أسبوعٍ! ألَيسَ هذا قَلبًا لِلحَقائِقِ؟! أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ.

ثم إنَّ صاحِبَ المَولِدِ ﷺ لم يُضِفْ إلى الصِّيامِ احتِفالًا كاحتِفالِ أربابِ المَوالِدِ مِن تَجَمُّعاتٍ ومَدائِحَ وذَبائِحَ وحَلوى وحُمُّصٍ وأذكارٍ وصَلَواتٍ عليه ﷺ بِألفاظٍ غَريبَةٍ ومُحدَثَةٍ.

المنكرات في بعض الاحتفالات.. رقص ومعازف واختلاط

ومِن عَجيبِ ما قَرَأتُ ورَأيتُ في بَعضِ البُلدانِ العَرَبيَّةِ والإسلاميَّةِ أنَّهم يَحتَفِلونَ بِالمَولِدِ بِإقامَةِ حَفَلاتٍ غِنائِيَّةٍ أو إنشاديَّةٍ تَصحَبُها دُفوفٌ ومَعازِفُ موسيقيَّةٌ.

فَقُلتُ في نَفسي: ألَيسَ المُصطَفى ﷺ قالَ: ((لَيَكونَنَّ مِن أمَّتي أقوامٌ يَستَحِلُّونَ الحِرَ والحَريرَ والخَمرَ والمَعازِفَ)). رواه البخاري تعليقًا ووصله غيره، وهو صَحيحٌ.

لقد رَأيتُهم يَتَراقَصونَ ويَتَمايَلونَ ويَتَواثَبونَ، لقد كانوا رِجالًا ونِساءً، أيَعقِلُ هذا؟! تَساءَلتُ: أيَرضى أحَدُهم أن يَراهُ رَسولُ اللهِ ﷺ بهذه الحالِ؟!

يا راقِصًا أو زاحِفًا لِتَعَبُّدٍ

ما كانَ هذا مِن صَنيعِ مُحَمَّدٍ

ما كانَ يَرقُصُ بالدُّفوفِ عِبادَةً

أو كانَ يَزحَفُ لِلقُبورِ بِمَسجِدٍ

ثم أعَدتُ السُّؤالَ على نَفسي مَرَّةً أخرى:

لِماذا لا أحتَفِلُ بِمَولِدِ النَّبيِّ ﷺ بِطَريقَةٍ أخرى؟ بِلا مَعازِفَ، ولا رَقصٍ، ولا بُردَةٍ.

سَأفرَحُ بِيَومِ مِيلادِه ﷺ، وسَأحتَفِلُ – كما احتَفَلَ صاحِبُ المَولِدِ ﷺ – كُلَّ إثنَينٍ بِصِيامِه كُلَّ أسبوعٍ قَدرَ استطاعَتي.

تخصيص يوم واحد في السنة.. إجحاف بحق النبي ﷺ

حَسَنًا… أمسَكتُ بِكِتابٍ آخَرَ عن الشَّمائِلِ المُحَمَّديَّةِ وبَدَأتُ أقرَأُ فيه، فاليَومُ هو الثَّاني عَشَرَ مِن رَبيعِ الأوَّلِ.

لكنَّ عَقلي شَرَدَ سابِحًا في تَفكيرٍ عَميقٍ: يا تُرى هل سَأقتَصِرُ على قِراءَةِ كُتُبِ السِّيَرِ والشَّمائِلِ المُحَمَّديَّةِ في هذا اليَومِ السَّنَويِّ فَقَط؟!

يا ألله! هل حُبِّي وكَثرَةُ ذِكري لِلنَّبيِّ ﷺ فَقَط في هذا اليَومِ؟!.. ألَستُ أحِبُّه وأذكُرُه كُلَّ يَومٍ؟! أيُّ مَعنًى لِتَخصيصِ يَومٍ واحِدٍ في السَّنَةِ نَتَذَكَّرُ فيه رَسولَ اللهِ ﷺ؟

هل نَسِيناه حتى نَتَذَكَّرَه؟!

هل يَجوزُ ألَّا نَفرَحَ به ﷺ إلَّا مَرَّةً واحِدَةً في السَّنَةِ؟

هل هذه الطَّريقَةُ فيها تَوقيرٌ لِلمُصطَفى ﷺ أم أنَّها إجحافٌ بِحَضرَةِ النَّبيِّ ﷺ ؟

هل أصبَحَت مَحَبَّةُ النَّبيِّ ﷺ يَومًا في السَّنَةِ؟! وهو القائِلُ: ((البَخيلُ مَن ذُكِرتُ عندَه ولم يُصَلِّ عَلَيَّ)).

فباللهِ عَلَيكم! أيُّ بُخلٍ تَصِفونَ به مَن يَقولُ نُخَصِّصُ لِلنَّبيِّ ﷺ يَومًا واحِدًا أو يَومَينِ أو ثَلاثَةً أو عَشَرَةً أو عَدَدًا مَحدودًا في السَّنَةِ نَحتَفِلُ به ﷺ ونَقرَأُ سيرَتَه، ونُصَلِّي عليه ﷺ؟ ألَيسَ هذا بُخلًا وإجحافًا في حَقِّ نَبيِّنا الهادي ﷺ؟!

المحبة الحقيقية في الاتباع اليومي

يَجِبُ على الأمَّةِ المُسلِمَةِ أن تَجعَلَ سيرَةَ النَّبيِّ ﷺ نُصبَ أعيُنِها في كُلِّ حينٍ، وأن تَتَعَلَّمَ مِن سيرَتِه وسُنَّتِه وآدابِه ما استطاعَت إلى ذلك سَبيلًا.

يَنبَغي أن نَذكُرَ النَّبيَّ ﷺ في صَلاتِنا، وإذا سَمِعنا الأذانَ، وإذا دَخَلنا المَسجِدَ، ونَذكُرُه في أوقاتٍ كَثيرَةٍ، بل يَكونُ ذِكرُه ﷺ بِرُؤيَةِ مَن يَمتَثِلُ سُنَّتَه ﷺ.

فَمَثَلًا إذا رَأيتَ شابًّا مُؤمِنًا يَتَمَثَّلُ في مَظهَرِه سُنَّةَ نَبيِّه ﷺ مُعفِيًا لِحيَتَه، مُقَصِّرًا ثَوبَه، مُستاكًا بِأراكِه، فإنَّكَ سُرعانَ ما تَتَذَكَّرُ النَّبيَّ ﷺ.

وإذا رَأيتَ القُرآنَ تَذَكَّرتَ النَّبيَّ ﷺ، لأنَّه هو الذي جاءَنا بهذا القُرآنِ، فمَتى يَغفُلُ المُؤمِنُ عن ذِكرى النَّبيِّ ﷺ؟!

فَيَجِبُ عَلَينا أن تَكونَ مَحَبَّتُه ﷺ تَملِكُ شِغافَ قُلوبِنا، وكُلُّ أمرٍ مِن أمورِنا نَزِنُه بِميزانِه، ونُطَبِّقُه على سُنَّتِه ﷺ، فَيَكونُ تَذَكُّرُنا له في الحَقيقَةِ في كُلِّ وَقتٍ، وفي كُلِّ عَمَلٍ.

فإذا رَأيتَ امرَأَةً في الطَّريقِ أو على الشَّاشَةِ أتَذَكَّرُ أنَّه ﷺ أمَرَني أن أغُضَّ بَصَري، فأغُضُّه. وإذا أرَدتُ أن أخيطَ ثَوبًا عِندَ خَيَّاطٍ أتَذَكَّرُ نَهيَ النَّبيِّ ﷺ عن إسبالِه، فأقصُرُه. وإذا تَعامَلتُ مع الجُمهورِ أتَذَكَّرُ نَبيِّي ﷺ المِبسامَ، فأبتَسِمُ في وُجوهِهم. وفي البَيتِ وبينَ أهلي أتَذَكَّرُ حَبيبَنا ﷺ كيفَ كانَ خَيرَنا لأهلِه.

وهكذا يا حَبيبَ رَسولِ اللهِ، في كُلِّ أمرٍ مِن الأُمورِ نَحنُ مُلزَمونَ بِاتِّباعِ هَديِ النَّبيِّ ﷺ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: 21].

المولد بين البدعة الحسنة وقول الإمام مالك

ثم كَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ أسائِلُ نَفسي: لِماذا لا أحتَفِلُ بِمَولِدِ النَّبيِّ ﷺ؟

وقَبلَ أن أجِيبَ، جالَ بِخاطِري سُؤالٌ وأنا أفَكِّرُ في الاحتِفالِ بِمَولِدِ النَّبيِّ ﷺ، وهو:

هل حينَما نَحتَفِلُ بِمَولِدِ النَّبيِّ ﷺ نَبتَغي بذلك أجرًا وثَوابًا وقُربى مِن اللهِ، أو أنَّنا نَحتَفِلُ لِمُجَرَّدِ العاداتِ وأكلِ الحَلوى والأرزِ

أظُنُّ في النَّاسِ خَيرًا، إنَّهم يَنشُدونَ بِفِعلِهم هذا الأجرَ مِن اللهِ تعالى.

عِندَئذٍ تَذَكَّرتُ حَديثَ المُصطَفى ﷺ: ((مَن أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ فيه فهو رَدٌّ)) رواه الشيخان. وقولَه: ((مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرُنا فَهُوَ رَدٌّ)) رواه مسلم.

نَعَم، تَذَكَّرتُ هذَينِ الحَديثَينِ، وتَذَكَّرتُ ما قَرَّرَه العُلَماءُ مِن أنَّ جَميعَ العِباداتِ تَوقيفيَّةٌ، أي لا نَعبُدُ اللهَ ولا نَتَقَرَّبُ إليه إلَّا بِما أمَرَنا به ﷺ؛ لأنَّه قالَ: ((ما تَرَكتُ شَيئًا يُقَرِّبُكم إلى اللهِ إلَّا وأمَرتُكم به)) رواه الطبراني.

فالقاعِدَةُ في العِباداتِ أن نَتَعَبَّدَ اللهَ بِما شَرَعَ لا بِالبِدَعِ، حتى لو بَدا العَمَلُ حَسَنًا، فهو مَردودٌ على صاحِبِه.

“كل بدعة ضلالة” وقول الإمام مالك

وسَمِعتُ أربابَ المَوالِدِ يَقولونَ: إنَّ المَولِدَ بِدعَةٌ حَسَنَةٌ.

لكنِّي قَرَأتُ حَديثَ النَّبيِّ ﷺ الذي كانَ يُرَدِّدُه ويَفتَتِحُ به خُطَبَه، يَقولُ:

((أمَّا بَعدُ: فإنَّ أصدَقَ الحَديثِ كِتابُ اللهِ، وأحسَنَ الهَديِ هَديُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وشَرُّ الأُمورِ مُحدَثاتُها، وكُلُّ مُحدَثَةٍ بِدعَةٌ، وكُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلُّ ضَلالَةٍ في النَّارِ)) رواه النسائي وغيره. قالَ: ((كُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ)).

وتَذَكَّرتُ قَولَ إمامِ دارِ هِجرَةِ المُصطَفى ﷺ، وهو عالِمُ المَدينَةِ في عَصرِه، الإمامِ مالكِ بنِ أنَسٍ رَحِمَه اللهُ، قالَ: (مَن ابتَدَعَ في الإسلامِ بِدعَةً يَراها حَسَنَةً، فقد زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خانَ الرِّسالَةَ). هذا شَيءٌ خَطيرٌ جِدًّا، ما الدَّليلُ على ذلك يا إمامُ؟ قالَ الإمامُ مالكٌ: (اقرَؤا إن شِئتُم قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ فَما لم يَكُن يَومَئذٍ دينًا لا يَكونُ اليَومَ دينًا). مَتى قالَ الإمامُ مالكٌ هذا الكَلامَ؟ قالَه في القَرنِ الثَّاني مِن الهِجرَةِ، أحَدِ القُرونِ المُفَضَّلَةِ المَشهودِ لها بِالخَيريَّةِ! فما بالُكم بِالقَرنِ الخامِسَ عَشَرَ؟!

هذا كَلامٌ يُكتَبُ بِماءِ الذَّهَبِ، لكنَّنا عن أقوالِ الأئِمَّةِ الذينَ نَزعُمُ أنَّنا نَقتَدي بهم غافِلونَ.

الخوف من أن يكون العمل من “الأخسرين أعمالاً

تَذَكَّرتُ كُلَّ هذه المَعاني فَخِفتُ واللهِ أن أكونَ مُبتَدِعًا في احتِفالي.

خِفتُ أن يَنطَبِقَ فِيَّ قَولُ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: 103-104].

وخَشِيتُ أن يَصدُقَ فِيَّ قَولُ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (كَم مِن مُريدٍ لِلخَيرِ لا يُصيبُه!).

فَقَرَّرتُ أن أترُكَ الاحتِفالَ بِمَولِدِ النَّبيِّ ﷺ.

لكنِّي واصَلتُ قِراءَةَ سيرَةِ المُصطَفى العَطِرَةِ ﷺ.

البحث عن فعل النبي والصحابة والأئمة الأربعة

وعُدتُ واتَّهَمتُ نَفسي بِالقُصورِ في العِلمِ، وطَفِقتُ أبحَثُ عن فِعلِ النَّبيِّ ﷺ وأصحابِه والأئِمَّةِ الأربَعَةِ (أبي حَنيفَةَ ومالِكٍ والشَّافعيِّ وأحمَدَ) عليهم رَحمَةُ اللهِ، فَهالَني أنَّني لم أجِدْ حَديثًا واحِدًا لا صَحيحًا ولا ضَعيفًا، بل ولا مَوضوعًا، أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتَفَلَ بِمَولِدِ نَبيٍّ مِن الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، ولم أجِدْ أثَرًا واحِدًا لا صَحيحًا ولا ضَعيفًا، بل ولا مَوضوعًا عن صَحابيٍّ واحِدٍ أنَّه احتَفَلَ بِمَولِدِ النَّبيِّ ﷺ، بل لم أجِدْ إمامًا واحِدًا مِن الأئِمَّةِ الأربَعَةِ فَعَلَ ذلك.

فَقُلتُ: يا سُبحانَ اللهِ!

أمرٌ لم يَفعَله رَسولُ اللهِ ﷺ، ولا صَحابَتُه الكِرامُ رَضِيَ اللهُ عنهم، ولا إمامٌ مِن الأئِمَّةِ الأربَعَةِ المَتبوعينَ، وأفعَلُه أنا، لا واللهِ.

المفارقة العجيبة.. الولادة المظنونة والوفاة المجزوم بها في يوم واحد

ومع ذلك أكمَلتُ قِراءَتي وأنهَيتُ قِراءَةَ الغَزَواتِ وفَتحَ مَكَّةَ، وها أنا ذا قارَبتُ مِن نِهايَةِ كِتابِ السِّيرَةِ الذي بينَ يَدَيَّ.

إنَّها اللَّحَظاتُ الأخيرَةُ الحَرِجَةُ في حَياتِه ﷺ، إنَّها السَّاعَةُ التي أظلَمَ فيها كُلُّ شَيءٍ، ساعَةُ وَفاتِه ﷺ.

إنَّها الدَّاهِيَةُ العُظمى والمُصيبَةُ الكُبرى التي قالَ لنا فيها ﷺ: ((إذَا أصابَ أحَدَكُم مُصيبَةٌ فَليَذكُر مُصيبَتَه بي فإنَّها مِن أعظَمِ المَصائِبِ)).

حَقًّا إنَّه يَومُ الخُسرانِ الأكبَرِ، يَومَ أن انقَطَعَ الوَحيُ الشَّريفُ، وانقَطَعَتِ السَّماءُ عن الأرضِ.

يَقولُ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنه: ((لَمَّا كانَ اليَومُ الذي دَخَلَ فيه رَسولُ اللهِ ﷺ المَدينَةَ أضاءَ مِنها كُلُّ شَيءٍ، فَلَمَّا كانَ اليَومُ الذي ماتَ فيه أظلَمَ مِنها كُلُّ شَيءٍ، وما نَفَضنا عن رَسولِ اللهِ ﷺ الأيديَ حتى أنكَرنا قُلوبَنا)) رواه التِّرْمِذيُّ بسَنَدٍ صَحيحٍ.

الوفاة في الثاني عشر من ربيع الأول والولادة في نفس اليوم والشهر

لقد فاضَت روحُه الشَّريفَةُ ﷺ إلى الرَّفيقِ الأعلى في الثَّاني عَشَرَ مِن رَبيعِ الأوَّلِ في السَّنَةِ الحادِيَةِ عَشَرَةَ لِلهِجرَةِ.

هنا لم تَختَلِفْ كُتُبُ السِّيَرِ في تَحديدِ يَومِ وَفاتِه كما اختَلَفَت في تَحديدِ يَومِ وِلادَتِه.

رَبَطتُ بينَ المُناسَبَتَينِ، مُناسَبَةِ الوَفاةِ المَجزومِ بها مع مُناسَبَةِ الوِلادَةِ المَظنونِ بها في شَهرٍ واحِدٍ وفي يَومٍ واحِدٍ.

فَصَرَختُ: يا إلهي! كيفَ لي أن أحتَفِلَ بِيَومِ وَفاتِه ﷺ؟!

كيفَ لِعَقلٍ أن يَجمَعَ بينَ فَرَحٍ وسُرورٍ وحُزنٍ وألَمٍ في نَفسِ الوَقتِ؟!

يا إلهي! أ يَجوزُ لأحَدٍ يُحِبُّ النَّبيَّ ﷺ أن يَحتَفِلَ بِمَوتِه ﷺ؟!

بل لو دَعا إنسانٌ إلى جَعلِ يَومِ الثَّاني عَشَرَ مِن رَبيعِ الأوَّلِ يَومَ حُزنٍ لَكانَت شُبهَتُه أقوى مِن شُبهَةِ المُحتَفِلينَ بذلك اليَومِ، لِماذا؟

لأنَّ الأحزانَ غَلَّابَةٌ على الأفراحِ، فلو قُدِّرَ أنَّه تُوُفِّيَ والِدُ أحَدِ الزَّوجَينِ في لَيلَةِ عُرسِهما، لَعُدَّ احتِفالُهم تلك اللَّيلَةَ ضَربًا مِن الجُنونِ. وهكذا لو ماتَ وَلَدُكَ يَومَ العيدِ، لَانقَلَبَ فَرَحُ العيدِ حُزنًا ومَأتَمًا وعَزاءً.

أعداء المسلمين سيضحكون علينا في الحالتين

إنَّ أعداءَ المُسلِمينَ سَيَضحَكونَ علينا:

فإن نَحنُ ابتَهَجنا وفَرِحنا بِوِلادَتِه ﷺ قالوا: انظُروا إلى المُسلِمينَ إنَّهم يَفرَحونَ بِوَفاةِ نَبيِّهم!

وإن نَحنُ حَزِنَّا وصَنَعنا مَأتَمًا لِوَفاتِه ﷺ قالوا: انظُروا إلى المُسلِمينَ إنَّهم يَحزَنونَ لِوِلادَةِ نَبيِّهم.

فماذا نَفعَلُ؟

الأمرُ يَسيرٌ، إنَّنا لَسنا بِحاجَةٍ إلى احتِفاءٍ أو عَزاءٍ، إنَّما نَحنُ بِحاجَةٍ إلى اتِّباعٍ لِلنَّبيِّ ﷺ.

ولهذا لا غَرابَةَ أن كانَ العُبَيديُّونَ الرَّافِضَةُ هم أوَّلَ مَن أحدَثَ بِدعَةَ المَولِدِ. فهل هؤلاءِ أهلٌ لِلاقتِداءِ والائتِساءِ؟!

المصدر

موقع الدرر السنية، د. ناصر العلي الغامدي – جامعة أم القرى، بتصرف.

اقرأ أيضا

دلائل محبة الرسول بين السنة والبدعة

حق رسول الله على أمته

إبلاغ الأمة بكيفية محبة الرسول

التعليقات معطلة