احتمالات النجاة في جوف الحوت: عندما يصبح التسبيح سلاحاً ضد قوانين الطبيعة
هل تصدق أن هناك من خرج حياً من جوف حوتٍ عملاق، في قعر محيطٍ مظلم، بعد أن اجتمعت عليه ثلاث ظلمات؟ وهل تساءلت يوماً ما هو السلاح السري الذي كان بحوزته هناك، والذي لم يكن من صنع بشرٍ ولا من قوانين الطبيعة؟
حين تنقلب موازين الحياة رأساً على عقب
في عالمٍ تسوده قوانين فيزيائية محكمة، حيث الأكسجين شريان الحياة، والحموضة القاتلة، والضغط المهول، تبدو احتمالات النجاة في جوف أحد الحيتان العملاقة تكاد تنعدم.
ظلام مطلق، وبيئة شديدة الفقر بالأكسجين، وعصارات هضمية شديدة الحموضة تنبض داخل جدران عضلية هائلة. أن تُبتلع حيًّا داخل هذه الظروف القاسية التي قد تغوص بك مئات الأمتار إلى أعماق سحيقة من المحيط، فذلك يعني وفق السنن أن فرص النجاة تكاد تكون معدومة قبل أن يستوعب عقلك صدمة الموقف.
في قلب هذه الزنزانة المرعبة، وثّقت سورة الصافات قصة السجين الوحيد الذي كسر قوانين الطبيعة المعتادة وخرج حياً.
يونس عليه السلام: رحلة لم يعرف التاريخ لها نظيراً
﴿وَإِنَّ یُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ * إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِینَ * فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِیمࣱ﴾ [الصافات:139-142].
لحظة اجتهاد قدَّر الله أن تكون بداية رحلة تربية واصطفاء جديدة. خرج يونس عليه السلام قبل أن يأتيه الإذن، بعدما ضاق صدره بإعراض قومه، فحملته السفينة بعيداً عن اليابسة، بينما كانت المقادير تحمل إليه ميعاداً آخر لم يخطر له ببال.
وهناك فوق بحر مضطرب استهموا ودارت القرعة، وتكرر سهمها على النبي الكريم، حتى أُلقي في اليم، لتبدأ رحلة لم يعرف التاريخ لها نظيراً. رحلةٌ لا تسير فوق الماء، وإنما في جوفه.
ثلاث ظلمات: عندما يجتمع الليل والبحر وبطن الحوت
ألقى في لجة الماء مستسلماً، فابتلعه الحوت الهائل لتتحول أمعاؤه المظلمة إلى أضيق وأعجب خلوة كُتبت على إنسان.
وفي هذا القبر المتحرك، اجتمع على يونس عليه السلام من الضيق ما لم يجتمع على بشر:
- ظلمة الليل
- وظلمة البحر
- وظلمة بطن الحوت
ظلمات وضيق جعلت المشهد يبدو وكأن الاختناق الذي ملأ روحه بعد طول دعوته لقومه قد ارتدى صورةً مادية تحيط به من كل جانب.
وبحسب كل ما تعرفه الأرض عن قوانينها… كان ينبغي أن تنتهي القصة هنا.
السر الخفي: كيف تصنع الأعمال الصغيرة كبرى الانفراجات
لكن سورة الصافات تفتح نافذة صغيرة على سرٍّ آخر. سر لا يتعلق بالحوت، ولا بالبحر، ولا بقوانين الأحياء والفيزياء والكيمياء. سر يتعلق بتاريخٍ خفي كان يسبق هذه المحنة بسنوات طويلة:
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:143-144]
تأمل التعبير القرآني الجميل: ﴿كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. لم يكن التسبيح وليد اللحظة أو قاصراً عليها.
مناجاة نبي الله يونس لم تبدأ داخل بطن الحوت، ولكنها بدأت قبل ذلك بسنين. في سجداتٍ لم يرها أحد، في أذكارٍ جرت على لسانه في أيام السعة، وخلواتٍ عُمرت بالتسبيح قبل أن يعرف طعم الكرب.
أعمال تظنها انتهت… بينما هي تدخر لك عبر السنين
ثمة عبادات نظن أنها تنتهي بانتهاء لحظتها، بينما هي في الحقيقة تُدَّخر لصاحبها في خزائن الغيب، حتى إذا انقطعت به الأسباب، وجدها تنتظره حيث لا ينتظر أحد نجاة.
التسبيح الذي ألفه يونس في الرخاء، هو الصوت الوحيد الذي عرف طريقه إليه في أحلك ساعات البلاء.
ربما كانت أعظم الأعمال أثراً… تلك التي لا تشعر يومًا أنك تحتاجها، حتى يأتي اليوم الذي لا يبقى لك سواها.
الخروج: حين يكون الظل أعظم من المعجزة
ثم تنتهي تلك الخلوة العجيبة بخروج دبره الله له في اللحظة التي شاءها:
﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾
بعد ظلمات البحر، يجد يونس نفسه فجأة تحت سماء مفتوحة لا يستره فيها شيء. لا سقف فوقه إلا السماء، ولا جدار يقيه، ولا قوة في جسده تمكنه حتى من تدبير أمر نفسه.
خرج حياً… لكنه خرج سقيماً منهكاً إلى أقصى حد.
وهنا تتجلى العناية التي قد تمر عليها العين سريعاً، بينما يقف عندها القلب طويلاً:
﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:146]
شجرة… ليست قصراً مشيداً، ولا معجزة تهز الأبصار. مجرد شجرة. لكنها جاءت في التوقيت الذي صار فيه الظل نعمة، والورقة رحمة، وأبسط أسباب الحياة أعظم منحة.
شجرة نبتت سريعاً، وأورقت سريعاً، وبسطت أوراقها العريضة فوق جسد أنهكته المحنة، حتى صارت كأنها خيمة صغيرة من الرحمة، تضمد ما لا تراه العيون.
بعد العاصفة: عندما يحتاج القلب إلى ظل لا إلى معجزة
إن الأرواح الخارجة من الابتلاء لا تحتاج دائمًا إلى المعجزات الكبرى. أحياناً تحتاج فقط إلى ظل، إلى سكينة، إلى شيء يقول لها في هدوء: لقد انتهت العاصفة.
ثم تطوى صفحة الاستشفاء كلها في آيات قليلة، ليفاجئك المشهد الذي كان يبدو مستبعداً قبل قليل في غمرات الظلام:
﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [الصافات:147-148]
يا لها من عودة، ويا له من إكرام. القوم الذين خرج منهم يونس مثقلاً بإعراضهم، يعود إليهم بعد هذه الرحلة الطويلة. وفي هذه المرة سيستجيبون جميعاً.
دروس لن تنساها: لكل منا حُوته الذي ينتظره
كأن الله كان يهيئ نبيه، ويهيئ قومه، ويهيئ لحظة اللقاء. بعض الثمار لا تنضج إلا بعد موسم طويل من الصبر. وبعض الدعوات لا تُفتح لها القلوب إلا بعد أن يمر الداعي نفسه برحلة تعيد تشكيل قلبه قبل أن تغيّر قلوب الناس.
لعل أكثرنا لن يبتلعه حوت حقيقي طوال عمره… لكن لكل منا حوته الذي ينتظره في مكان ما.
قد يكون أزمةً تطبق على أنفاسه، مرضاً مفاجئاً، أو فقداً يمزق القلب، أو ظلمةً نفسية يظن معها أن الحياة قد انطفأت، أو ذنباً حاصره حتى ضاقت عليه نفسه بما رحبت.
بطون لا تسكن البحار، لكن فيها تتعطل كل الحيل، وتسقط كل الخطط، ويكتشف المرء أن كثيراً مما كان يظنه قوة لم يكن إلا وهماً مؤقتاً.
وصية أخيرة: لا تحتقر ذكراً تخفيه
في تلك اللحظات، لا يبدأ الإنسان في صناعة رصيده… الحق أنه يبدأ في السحب منه. ويومها لا ينفع أن تقول: سأبدأ من الآن. فالاختبار قد بدأ بالفعل.
السر كله كان مختبئاً في تلك الكلمة: ﴿كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.
كان… رصيد قديم، وعلاقة ممتدة، وسجدات سبقت الكارثة، ودموع ذابت في جوف الليل قبل أن يبتلعه جوف الحوت.
كم من عمل صغير ظننته مضى وانتهى، فإذا هو يعود إليك يوماً في هيئة نجاة. وكم من تسبيحة خرجت في ساعة رخاء، حفظها الله لك حتى إذا أحاطت بك الظلمات، جاءت تطرق أبواب الرحمة باسمك.
لا تحتقر يوماً ذكراً تخفيه، ولا ركعةً لا يراك فيها إلا الله، ولا دمعةً جففتها بكفك قبل أن يراك الناس. قد تكون هذه كلها، وأنت لا تشعر، هي الأوراق التي ستُخرج يوماً من خزائن الغيب لتظلل روحك حين يقف كل شيء عاجزاً عن إنقاذك.
الختام: حين تكتشف أن النجاة صنعت قبل سنوات
ثمة لحظات لن ينفعك فيها ذكاءٌ طالما افتخرت به، ولا علاقاتٌ ظننتها حصوناً، ولا حيل وأسباب كنت تراها كافية لكل شيء.
في تلك اللحظات ستكتشف أن بعض النجاة قد صُنعت قبل سنوات طويلة. في ركعةٍ لم يحضرها أحد إلا قلبك، وفي تسبيحةٍ خرجت من روح مطمئنة ثم نسيتها، وفي دمعةٍ جفَّت على وسادةٍ لا يعلم بها إلا الله.
أعمال تظنها انتهت بانتهاء لحظتها… بينما كانت تُرفع بصمت تنتظر موعداً آخر. موعداً يكون فيه البحر أعمق، والليل أشد، والحوت أقرب.
وعندها فقط ستدرك أنها كانت دوماً هناك… تدخر لك عبر السنين.
المصدر
صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.


