تصميم صور المنشورات 12 1

ليس كل ما نعتقده “طبيعياً” في هوياتنا الوطنية ورياضاتنا الجماهيرية جاء بالفطرة؛ بل هو نتاج هندسة سياسية وإعلامية متقنة. فخلف اختراع الأمم الحديثة، وتوحيد اللغات، وتنظيم كأس العالم، تقف أيدٍ فاشية صنعت من المشاعر الوطنية سلاحاً، ومن كرة القدم أفيوناً للغوغاء.

اختراع الأمم: لم تكن إيطاليا وألمانيا موجودتين قبل 1870

قبل عام 1870، لم يكن هناك كيان سياسي واحد يحمل اسم “إيطاليا”، ولا “ألمانيا”. كانت شبه الجزيرة الإيطالية منقسمة إلى عشر دويلات صغيرة، بينما كانت المنطقة التي تُعرف اليوم بألمانيا مكوّنة من خمس وثلاثين دويلة مستقلة. تعددت لغات هذه الدويلات، وإن كانت متقاربة، إلى أن تم فرض لغة واحدة في كل منطقة: لغة فلورنسا أصبحت الإيطالية، ولغة بروسيا أصبحت الألمانية. تماماً كما فعلت الثورة الفرنسية حين فرضت لغة باريس على كامل فرنسا في مطلع القرن التاسع عشر.

الحاجة إلى عقيدة جامعة: ميلاد القومية

مع توحيد هذه الدويلات المتفرقة، واجه القادة الجدد مشكلة كبرى: كيف يمكن جعل شعوب مختلفة اللغات والتاريخ تشعر بأنها أمة واحدة؟ كان الحل هو “اختراع” عقيدة جديدة: القومية والوطنية. ولم تمر سنوات قليلة حتى تطورت هذه الأفكار إلى نزعات متطرفة، عُرفت لاحقاً بالفاشية والنازية.

الفاشية ليست سوى الوطنية أو القومية في ذروة تطرفها. إنها تحويل الوطن إلى صنم كأنه رب وإله يتحدث ويأمر وينهى، يتحدث من خلال “كهنة” معبده الخاص: الحكومة، والمثقفون، والإعلام. يقدّم الشعب قرابينه من دم ومال وجهد، لا للوطن – بل للكهنة أنفسهم. وتُبنى القومية على أساس واضح: كراهية المختلف في اللغة، اللهجة، الجنسية، أو لون البشرة.

أدوات الفاشية: التعليم الإلزامي، التاريخ المزوّر، والرياضة الجماهيرية

كان التعليم الإلزامي أخطر أدوات الأنظمة الفاشية: إذ استُخدم لفرض اللغة الموحدة، وتلقين الأفكار القومية، وتزوير التاريخ لصناعة رواية تخدم مشروع السلطة. لكن الأدوات لم تقتصر على الكتب المدرسية؛ فقد كانت الرياضة إحدى أكثر الوسائل فعالية.

موسيلييني وكأس العالم 1934: أول احتفال فاشي

أُقيم أول كأس عالم لكرة القدم سنة 1930 في أوروغواي، وكان حدثاً بسيطاً وعشوائياً: بعض الفرق لعبت دون زيّ موحد، والملاعب كانت متواضعة. لكن الذي حوّل كأس العالم إلى ظاهرة عالمية هو الديكتاتور الإيطالي بينيتو موسيلييني في نسخة 1934. استخدم موسيلييني البطولة لتلميع صورة الفاشية إعلامياً: ملاعب ضخمة، دعاية عالمية، نقل متطور، وأفلام دعائية مولتها الحكومة الإيطالية.

تبعه هتلر بعد عامين، مستغلاً الألعاب الأوليمبية في برلين 1936 لتلميع صورة النازية. الهدف كان واحداً: إقناع الألمان والإيطاليين بأنهم شعب واحد ضد الآخرين، خاصة أنهم ظلوا لقرون طويلة شعوباً متفرقة.

ملاحظة جوهرية: القومية في أوروبا والقومية في العالم العربي

القومية والوطنية كانتا وسيلة لتوحيد الشعوب المتفرقة في أوروبا. أما في بلاد العرب والمسلمين، فقد أصبحت القومية – في كثير من تجلياتها – وسيلة لتفتيت الشعوب التي ظلت متحدة لقرون طويلة.

الرياضة الكبرى: تلميع الديكتاتورية وإلهاء الجماهير

منذ الثلاثينيات، أصبحت كأس العالم، والأوليمبياد، والبطولات الرياضية الكبرى وسيلة كلاسيكية لتلميع الأنظمة الديكتاتورية والفاشية. وهي تؤدي وظيفتين رئيسيتين:

  • تغذية القومية المتطرفة من خلال تشجيع الكراهية الجماهيرية بين مشجعي الدول المختلفة.
  • إلهاء الجماهير عن البؤس والفقر والفساد الذي يعيشون فيه.

وهذا ما يفسر حماسة ترامب لتنظيم كأس العالم في أمريكا، رغم أن كرة القدم ليست الرياضة الأولى في الولايات المتحدة ولا في كندا، ورغم أنه لا يفهم فيها ولا يحبها. ببساطة، لأنه – مثل موسيلييني وهتلر – فاشي غوغائي يدرك قيمة الرياضة كأفيون جديد للشعوب.

كأس العالم ليس مجدياً اقتصادياً: خسائر فادحة في الإنتاجية

تشير الإحصاءات إلى أن كأس العالم يتسبّب عادة في خسائر مادية كبيرة للاقتصاد العالمي، لا تقتصر على تكاليف بناء الملاعب والبنية التحتية التي لا تعود بفائدة طويلة الأمد. بل تمتد إلى خسائر في الإنتاجية بسبب تضييع الموظفين والعمال والطلبة أوقاتهم في المتابعة:

الولايات المتحدة وأوروبا: تقدر المؤسسات خسائر الإنتاجية بنحو 17 مليار دولار – منها 11 ملياراً في الولايات المتحدة وحدها – بسبب انشغال الموظفين بالمباريات أو أخذ إجازات غير مخططة. (دراسة أجرتها شركة UKG على 8 آلاف موظف في فرنسا، كندا، أستراليا وغيرها).

الشرق الأوسط: المشكلة أسوأ بفعل فارق التوقيت. إذ تقام المباريات بين العاشرة مساء والواحدة بعد منتصف الليل وحتى الرابعة فجراً، مما يؤدي إلى سهر طويل، ثم إهمال في العمل أو غياب تام.

الغوغاء.. طبله تلمهم وعصايه تهشهم

كأس العالم والبطولات الدولية ليست أحداثاً طبيعية عابرة؛ هي وسيلة الطغاة في تحريك الغوغاء. والدليل بسيط: لو لم تكتب الصحف ولم يتحدث الإعلام عن هذه البطولة، لما سمع بها أحد ولما تابعها. فلماذا لا يتابع الغوغاء في بلادنا بطولة العالم لكرة المضرب؟ لأن الإعلام لم يوجههم إليها.

ولو قرر السياسيون والإعلام فجأة توجيه الجماهير لمتابعة “مسابقات هرش الرأس وتسليك المناخير”، لوجدت الغوغاء أنفسهم بعد أسابيع يتحدثون بشغف عن الإثارة في تلك المسابقات، وينسون تماماً كأس العالم.

الغوغاء: طبله تلمهم، وعصايه تهشهم.

خاتمة

ما بدأ كحاجة لتوحيد دويلات متفرقة في أوروبا، تحول إلى آلة إعلامية ونفسية هائلة تخدم الاستبداد وتُلهي الشعوب. من اللغة المزوّرة، إلى التاريخ المزيّف، إلى الملاعب الضخمة والبطولات العالمية – تبقى القومية المتطرفة أداة واحدة بوجوه متعددة: زرع الكراهية، وإضفاء الشرعية على السلطة، وإشغال الجماهير عن أسئلتهم الكبرى بالفقر والفساد والظلم.

المصدر

صفحة د. خالد عمارة، على منصة ميتا بتصرف يسير.

اقرأ أيضا

آليات التبعية .. التماثل والإذعان

التعليقات معطلة