هل تساءلت يومًا: لماذا تكره الكذب؟ لماذا ترفض الظلم؟ لماذا تبكي على مقتل طفل في غزة وأنت لا تعرفه؟! الجواب الوحيد الذي يوقف هذا التيه هو: الله.. فإن لم يكن، فكل الجرائم مباحة وكل الحقائق سراب!
قصة “فتكات” والمليون دولار – عندما يسقط المبدأ أمام المال
منذ سنوات شاهدتُ مقطعًا من برنامج “مذيع الشارع”، كان يسأل أسئلة محرجة، منها مثلا أن يقصد شابا فيسأله:
– هل توافق على الزواج من فتاة اسمها فتكات؟ (اسم مضحك وسخيف في الثقافة المصرية)
– يجيب الشاب ضاحكا وساخرا: لا طبعا!
– يسأل المذيع سؤالا محرجا: ماذا لو كانت “فتكات” تملك مليون دولار؟
– يجيب الشاب وقد غير موقفه: إذا كان هكذا، فتمام!!
– يسأله المذيع ليحرجه: يعني مفيش مبدأ؟
– وهنا يجيب الشاب إجابة غير متوقعة: وليه يبقى عندي مبدأ؟!!
جملة فلسفية عميقة.. صدرت من غير تفكير
هذا الجواب الأخير (وليه يبقى عندي مبدأ) هو في حقيقته جملة فلسفية عميقة وقوية جدا، مع أنها جرت على لسان الشاب دون أي تفكير، ولم يكن يقصد فيها أية أعماق فلسفية!!
لماذا لا يكون النفاق هو الذكاء؟ وإذا كان الكذب طريقًا للثراء فلماذا يكون بغيضًا؟
لماذا ينبغي أن نبغض وننفر من المتلون المتقلب المنافق ذي الوجهين؟!.. لماذا لا يكون هذا التقلب والتلون والنفاق هو نفسه الذكاء والمهارة والمرونة المطلوبة؟!
إذا كان الكذب والنفاق هو الطريق للحصول على الأموال والثراء والوجاهة الاجتماعية والنفوذ.. فلماذا يكون شيئا بغيضا؟!
التفرع إلى أسئلة أكثر إزعاجًا: لماذا لا تكون الإبادة الجماعية حلاً؟
ويمكننا أن نتفرع في سائر جهات التفكير حتى نصل إلى أسئلة أكثر قوة وشمولا.. مثل: لماذا لا تكون الإبادة الجماعية حلا لمشكلات الإنسانية؟ لماذا ينبغي أن يحيا الفقراء؟ لماذا يكون للضعفاء حقوق؟ لماذا لا نتخلص من المرضى؟ لماذا لا نقضي على المعاقين؟ لماذا لا نقتل كل من يتجاوز الستين ويصير عبئا على المجتمع؟ لماذا لا نتخلص من الأفارقة؟ لماذا لا نعقم أرحام الآسيويات لكي يتوقفن عن الإنجاب؟ … إلخ!!
فيضانات الإجابات.. لكن السؤال الأعمق: ما هو الأساس الصلب الذي لا يمكن التشكيك فيه؟
ستقرأ في كتب الأفكار فيضانات من الإجابات المختلفة والمتفاوتة.. وسترى في كل الأمم شخصيات عندها مبادئ “إنسانية” راسخة، وسترى في تاريخ كل الأمم شخصيات مناضلة مدافعة عن الإنسان أينما كان..
ولكن العنصر المفقود في النهاية هو: ما هو الأساس الصلب الذي يستند إليه هؤلاء الإنسانيون المناضلون؟.. إن أفكارهم وتاريخهم النضالي يثبت لنا حقا أنهم غير أنانيين ولا عنصريين.. ولكن: لماذا تكون الأنانية والعنصرية خطأ بالأصل؟..
لماذا لا يكون هؤلاء الإنسانيون مجرد شخصيات عاطفية ساذجة تغلب العاطفة على العقل، والشهوة على المصلحة، فهم بمثابة من يهرع لتدفئة الثعبان الذي ما يلبث أن يلدغه!!.. أليس من المحتمل أن تكون العنصرية والأنانية هي دوافع طبيعية وصحيحة للدفاع عن النفس؟.. أليس من الممكن أن تكون المذابح والإبادات الجماعية هي الوسيلة العقلانية التي تحقق ازدهار القلة وتعينهم على حياة صحية وممتعة، بدلا من أن يكون التكاثر مانعا للجميع من الحصول على حياة منشودة؟!!
وإذن: فما هو الأساس الصلب الذي لا يمكن التشكيك فيه، والذي يجعل مبادئ بعينها هي الصحيحة والصواب، ويجعل ما يناقضها هو الخطأ الكريه والفظيع؟!
الفطرة الإنسانية تظل بلا معنى.. وحواراتنا مع الليبراليين انتهت بلا جدوى
ربما يجيب البعض بقولهم: الفطرة الإنسانية..
ولكن حتى كلمة “الفطرة” هذه تظل بلا معنى.. لأنه لا يوجد شيء محدد معروف اسمه “الفطرة”.. لا ينزل مع الإنسان من بطن أمه “دليل إرشادي” لهذا المخلوق.. ولم نكتشف كتابا مقدسا محفورا في ظاهر الأرض أو باطنها هو بمثابة “الكتالوج” لهذه الحياة على الأرض!
في حواراتنا القديمة مع الأصدقاء الليبراليين واليساريين وغيرهم، كنا نلف وندور حول هذا المعنى.. ما الذي يجعل الحرية هي القيمة العليا؟ أو ما الذي يجعل رفض الظلم ومحاربة الطبقية هي القيمة المقدسة؟!
ثم كانت النقاشات تنتهي بلا جدوى لأنها تتفرع كثيرا ولا تبقى عند موضع النزاع.. ونخلص إلى أن نتعاون في المتفق عليه!!
وبعد ثورة يناير وجدنا هؤلاء الأصدقاء قد انقلبوا على أعقابهم وكفروا بما كانوا به مؤمنين، وأيدوا الانقلاب العسكري لأن “الديمقراطية” (الحد الذي كان متفقا عليه) قد جاءتهم بما لا تشتهي أنفسهم، ففريقا كذبوا، وفريقا يقتلون!!
الجواب الوحيد الصحيح: إذا لم يكن الله موجودًا فكل الحقائق سراب
أتذكر هذا كله الآن، لأن الجواب الوحيد الصحيح هو: إذا لم يكن الله موجودا فكل الحقائق سراب يتطاير في الهواء!!
إن وجود الله، والإيمان به، ثم الإيمان بشريعته هو المخرج الوحيد من كل أنواع التيه.. بداية من تيه الأفكار والمذاهب والاتجاهات الكبرى.. وانتهاء بتيه الاختيارات التفصيلية اليومية الصغرى!!
ومن شدة الظهور خفاء.. ومن لم يجد دليلاً على الله لن تستقيم له حقيقة
أعرف أن شرح هذا الأمر كبير، وتلك الفكرة هي من الأفكار التي يصدق فيها قول القائل “ومن شدة الظهور خفاء”.. إنها فكرة شديدة الوضوح جدا جدا جدا، ولقوة وضوحها تبدو كأنها خفية، ويبدو شرحها صعبا للغاية.. كأنك تحاول أن تشرح الشمس والسماء!!
من لم يجد في هذا الكون دليلا على وجود الله.. فهذا المرء لن تستقيم له حقيقة واحدة في حياته.. فلو أنه سلَّط أدوات شكه التي منعته من الإيمان بالله على أية حقيقة أخرى في نفسه لتبخرت من فورها.. بما في ذلك نفسه التي يشعر بها، وجسده الذي يحمله!!.. فإن نفسه وجسده في ذاتهما دليل على الله!!
من آمن بالله وحده الذي يجوز له أن يقول: هذا حق وهذا باطل
فمن آمن بالله، وأنه خالق هذا الكون، وأنه خالق هذا الإنسان، فهذا قد خطا الخطوة الأولى والأكبر في استقامة الأمور والأفكار في نفسه.. هذا هو وحده الذي يجوز له أن يقول: هذا حق وهذا باطل.. وهذا من الفطرة وهذا يخالف الفطرة.. فالفطرة والغريزة هي فرع من حقيقة خلق الله للإنسان!!
وذلك هو الأساس الصلب الوحيد الذي يمكن أن تقوم عليه الأفكار والمبادئ، وهوالأساس الصلب الوحيد الذي يجعلنا نؤمن بشيء ونكفر بشيء، ونحب شيئا ونبغض شيئا، ونحتفي بشيء ونشمئز من شيء.. فهذا كله راجع إلى فطرة وضعها الله في خلقه!!
هنا يستوي أن يكره الظلم مهما كان موصلاً للثراء.. ولا يصبر على هذا إلا بالإيمان باليوم الآخر
هنا يستوي في نفس المرء أن يكره الظلم والكذب والنفاق مهما كان هذا موصلا إلى الثراء والنفوذ والجاه.. وأن يحب الصدق والعدل والاستقامة مهما كان هذا يجلب المتاعب!!
ولا يصبر الإنسان على هذا إلا إن آمن باليوم الآخر.. والإيمان باليوم الآخر هو قرين الإيمان بالشريعة.. الإيمان بأن الله قد أراد للناس أن يعيشوا وفق نظام معين، وأن يسلكوا طرائق بعينها، وأن يجتنبوا طرائق أخرى.. وأن يخالفوا شهواتهم إن كانت في سخطه، وأن يفعلوا المكروه إن كان في رضاه!!
بهذا الإيمان يمتنع القوي عن قصف الشعوب.. والضعيف عن ظلم المرأة.. والغني عن صنع الفيروس
لا يصبر الإنسان على مكاره الصدق والشرف والمروءة إلا إن كان يرجو اليوم الآخر، ولا يحجب نفسه عن الكذب والظلم والتجبر وهو قادر عليه إلا إن كان يخاف اليوم الآخر!!
وهذا -كما ذكرنا آنفا- يكون في الاختيارات العظمى الكبرى وفي سياسات الدول، مثلما يكون في الاختيارات اليومية التفصيلية الصغرى..
بهذا الإيمان يمتنع القوي المسلح عن قصف شعوب بالقنبلة النووية وهو قادر.. وبهذا الإيمان يمتنع الجندي البسيط عن ظلم امرأة ضعيفة في زاوية مجهولة من الأرض!!
بهذا الإيمان يمتنع صاحب المعمل العملاق عن تصنيع أو نشر فيروس يمكن أن يجلب له أرباحا خيالية.. وبهذا الإيمان يجتهد الطبيب الصغير في الوحدة الصحية المجهولة لإنقاذ قطة أو كلب أو عصفور وجده في الطريق!!
بهذا الإيمان يحجم الرئيس القوي وهو في عنفوان سلطته أن يكذب على الناس مع أن أحدا لن يكتشف كذبته ولن يملك مراجعته.. وبهذا الإيمان يمتنع عن الكذب بائع جوال في زاوية طريق أن يخدع به الطفل الصغير!!
إذا لم يكن الله حقيقة، فكل الحقائق سراب..
وإذا لم يكن اليوم الآخر حقيقة، فكل الجرائم مباحة..
المصدر
مدونة محمد إلهامي، بتصرف يسير.


