التعليم في العالم الاسلامي

هل تساءلت يوماً لماذا يخرج أبناؤنا من المدارس وهم يحملون شهادات عالية، لكنهم لا يحملون هوية واضحة؟ لماذا يحفظون القرآن لكنه لا يغير سلوكهم؟ لماذا يدرسون التاريخ لكنهم لا يعرفون من هم؟ لماذا يتحدثون لغات أجنبية بطلاقة لكنهم عاجزون عن التعبير عن قيمهم؟

هل هي مجرد مشكلة مناهج؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك بكثير؟

كيف تشكلت المنظومة التعليمية الحديثة وأثرت على التعليم الإسلامي؟

في هذا المقال، سنفتح ملفاً شائكاً ومؤلماً: كيف تحول التعليم في العالم الإسلامي من مشروع لبناء الإنسان المتكامل إلى مجرد أداة لتخريج إنسان متوائم مع الاحتلال؟ ولماذا فشلت كل محاولات الإصلاح السابقة في تغيير هذا الواقع المرير؟

مدخل: لماذا التعليم هو مربط الفرس في الصراع الحضاري؟

“المدرسة ما هي إلا مربط من مرابط الهيمنة، إن سيطرت عليها استطعت أن تبني الإنسان المتوائم مع الاحتلال.”

يبدأ الحوار بسؤال جوهري: كيف تشكلت الأزمة التعليمية في العالم الإسلامي، وكيف تعاملت معها المدارس الإصلاحية على مدار القرن والنصف الماضي؟ لكن الإجابة على هذا السؤال تتطلب وقفة منهجية، فلا يمكن مقاربة هذا الموضوع من باب واحد؛ بل يحتاج إلى معالجة تاريخية، اجتماعية، منهجية، معرفية، وحتى سياسية وعسكرية.

فالتعليم ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو مشروع استهداف للإنسان، حيث تتسابق القوى المختلفة على قلبه وعقله، لأنهما أساس السلوك المستقبلي. وما يُزرع في الإنسان منذ الصغر، وما يُهندس عليه، هو ما سيعيد إنتاجه لاحقاً. لذلك، فإن فهم الأزمة التعليمية هو فهم لمعركة وجودية بين منظومتين متكاملتين: المنظومة الإسلامية التي تنطلق من مرجعية الوحي، والمنظومة الحداثية التي تنطلق من مرجعية مادية.

أولاً: الحداثة ليست مجرد أفكار، بل منظومة متكاملة

أحد الأخطاء المنهجية الكبرى التي وقع فيها كثير من المصلحين، هو النظر إلى الحداثة على أنها مجرد “مجموعة أفكار” يمكن أخذ بعضها وترك البعض الآخر. فالعلمانية، والدولة الحديثة، واقتصاد السوق، والحريات الفردية، وحقوق الإنسان، كلها ليست أفكاراً منفصلة، بل هي منظومة متكاملة تنطلق من قيم مرجعية محددة، ولها مسارات عملية أدخلت فيها العالم بأسره.

الهيمنة الغربية اليوم ليست هيمنة عسكرية أو اقتصادية فقط؛ بل هي هيمنة كاملة تشمل اللغة، والذوق، والذاكرة، والتاريخ، والنفس، والمسارات المهنية، والشهادات العلمية، والعمل. إنها احتلال للوجود الإنساني بأسره، ليس احتلالاً للأرض فقط.

ثانياً: الصراع بين منظومتين – لماذا فشلت محاولات الإصلاح؟

الصراع الذي يعيشه العالم الإسلامي، في جوهره، هو صراع بين منظومتين متكاملتين:

1- المنظومة الإسلامية: تنطلق من مرجعية الوحي، ولديها ما تقوله في كل الأبعاد:

  • البعد الوجودي: تعرف من أنت، وماذا تريد، وأصل الخلق والمصير.
  • البعد الأخلاقي والغائي: تقدم معايير للخير والشر والغاية من الحياة.
  • البعد المعرفي: تحدد مصادر المعرفة وطرق اكتسابها، والثقافة والتعليم جزء منه.

2- المنظومة الحداثية: تنطلق من مرجعية مادية، جذورها ضاربة في الفلسفة اليونانية، والوضعانية، والعلموية، وما يسمى بـ “منظومة الشيطان” في التعبير القرآني.

المشكلة أن كثيراً من المصلحين لم يأخذوا بعين الاعتبار أن هذا الصراع هو صراع منظومي، وليس صراعاً على أفكار متفرقة. فأنت في النهاية إما في منظومة تنطلق من مرجعية الرحمن، أو في منظومة أخرى. والحكم على الأشياء فرع عن تصورها. لذلك، فإن أي محاولة إصلاحية لا تدرك عمق هذا الصراع المنظومي ستكون محكومة بالفشل.

ثالثاً: الجدار الداخلي والاستهداف الخارجي – التشخيص المزدوج للأزمة

“لا الإجابة في الاستهداف الخارجي فقط، ولا في القابلية للاستعمار فقط، بل في التفاعل بينهما.”

هناك إشكالية مهمة في تشخيص الأزمة: هل سببها الأساسي هو الاستهداف الخارجي من قبل منظومة الهيمنة الغربية؟ أم أن هناك قابليّة داخلية للاستعمار بسبب الانحرافات الذاتية للأمة؟

مالك بن نبي، كان يرى أن أصل الإشكال هو “القابلية للاستعمار” وليس الاستعمار نفسه. فلو لم تكن هناك ثغرات داخلية، لما استطاع العدو أن يدخل ويفسد. لكن الإجابة الحقيقية هي في التوازن: هناك استهداف خارجي، وهناك ضعف داخلي، والتفاعل بينهما هو ما أدى إلى تفكيك المنظومة التعليمية التي تأسست في السياق الإسلامي.

فالمنظومة التعليمية الإسلامية كانت تعاني من عوار داخلي يحتاج إلى تجديد، وقد وُصفت في كثير من الأحيان بأنها جامدة لا تواكب التغيرات (وهذا جزء من الحقيقة، لكن ليس كله). وفي نفس الوقت، كان هناك استهداف خارجي ممنهج، لأن المدرسة هي مربط من مرابط الهيمنة.

رابعاً: مشروع استهداف الإنسان – إعادة البناء النفسي والذهني والسلوكي

“الاحتلال هنا هو يعيد بناء هذا الإنسان ويطبعه مباشرة معه، يجعله يعيد بناء عقله ووعيه وأفكاره بحيث يكون متقبلاً لكل أفكار الاحتلال ومتوائماً معه.”

ما نعانيه في المسار التعليمي والتربوي ليس مجرد سيرورة تاريخية طبيعية، بل هو مشروع استهداف للإنسان. هناك تسابق على قلب وعقل الإنسان، لأنه هو الذي سيتحكم في السلوك لاحقاً. الاحتلال يعيد بناء الإنسان ويطبعه مباشرة، بحيث يصبح متقبلاً لكل أفكار الاحتلال ومتوائماً مع أهدافه.

هذا المشروع الاستهدافي مر بمراحل متدرجة، يمكن تقسيمها إلى أربعة مسارات كبرى:

  • المسار الأول: كسر الشوكة

وهو تدمير القوة العسكرية للأمة، فكانت هناك جيوش تدافع عن الأمة في هجوم أو دفاع. وعندما كُسرت الشوكة، فُككت المرجعية السياسية التي عُرفت بالخلافة.

  • المسار الثاني: تفكيك المرجعية الدينية

بعد تفكيك المرجعية السياسية، أصبح من السهل تفكيك المرجعية الدينية، لأن السلطة السياسية كانت الحامي للمؤسسات الدينية.

  • المسار الثالث: تفكيك المرجعية التعليمية والثقافية

وهنا يأتي دور المدرسة والجامعة والكتاتيب، حيث تم إلحاقها بالإدارة الاستعمارية، وتجفيف منابعها الاقتصادية (الوقف)، وتغيير منهجها.

  • المسار الرابع: تفكيك المرجعية الأسرية

وصل الأمر إلى أن الأب والأم لم يعودا يربيان وحدهما، بل أصبح هناك شركاء متشاكسون: المسجد يربي، والعائلة تربي، والشارع يربي، والإعلام يربي، والمدرسة تربي. وهؤلاء الشركاء لم ينطلقوا من خلفية واحدة، مما أدى إلى تشتت الإنسان بين مرجعيات متناقضة.

خامساً: البصمة الجيلية – كيف وصلنا إلى الإنسان المشتت؟

“كيف وصلنا إلى هذا الإنسان الذي فيه شركاء متشاكسون، يحب الله ويأتي بالعمل الذي لا يدخله إلى الجنة ولا ينال به رضى الله؟”

في دراسة ميدانية استمرت ثلاث سنوات توضح حجم الأزمة ، هدفها رفع خرائط الجيل الحالي. وكانت النتيجة صادمة: الجيل الذي نتعامل معه اليوم، وهو في قمة الرغبة في دخول الجنة ورضا الله، يعاني من:

  • سيولة مرجعية: مرجعيته مختلفة تماماً عن المرجعية الإسلامية، وفي بعض الأحيان لا يعرف المعلوم من الدين بالضرورة.
  • غبش في الشعائر: هناك خلل في مستوى التمسك بالشريعة.
  • غياب الرؤية: عندما يحلم أو يبني رؤيته، لا يكون هناك حضور لفكرة الرسالية، ولا لنهضة الأمة، ولا للانتقال من الاستضعاف إلى التمكين.

ما نراه اليوم هو إنسان أشلاء، بعد أن فُعلت به هندسة ثلاثية الأبعاد:

  • الهندسة النفسية العميقة: غيرت له مرجعياته القيمية وترتيب أولوياته.
  • الهندسة المعرفية: أعادت تعريفه ونظرته للأشياء، فأصبح ينظر بمنظور غير منظور الوحي.
  • الهندسة السلوكية: وضعت له مسارات في شكل قوالب يدخلها منذ الصغر: يرى الكرتون، ويقال له “لا بد أن تؤمن مستقبلك عبر المدرسة”، ثم “تحصل على أعلى الدرجات”، ثم “تتوجه للتخصصات التقنية”، ثم “تؤسس أسرة لإعادة إنتاج نفس الشيء”.
المصدر

استناداً إلى حوار البودكاست على قناة السبيل: “عندما كان التعليم يصنع الأمة.. كيف نصلح المنظومة تحت هيمنة الحداثة؟” مع د. رمزي سعودي، عضو مجلس الإدارة في مجموعة سهلة العالمية للتعليم ومسؤول قسم الإحسان والاتساق.

عندما كان التعليم يصنع الأمة.. كيف نصلح المنظومة تحت هيمنة الحداثة؟ – YouTube

اقرأ أيضا

أزمة التعليم في العالم الإسلامي

مقومات تعليم يحرر الأمة

التعليقات معطلة