كيف لهيئةٍ تأسست لإنقاذ الأمة من الاستبداد أن تصبح أسيرةً لمن يمولها، وتصدر بياناتٍ “تراعي الحكومة” حتى لا تُحرجها؟!
فإذا كانت البيانات هي أقصى ما تملكه هذه الروابط، فهل آن الأوان للاعتراف بأنها أصبحت جزءًا من المشكلة، لا حلًا لها؟
لماذا تأسست الهيئات العلمائية؟ وماذا أصبحت؟
في زمن الاستبداد، وتفكك الأمة، وتشويه صورة الإسلام، برزت حاجة ملحة إلى إنشاء هيئات علمائية جامعة، تكون صوتًا للأمة، وملاذًا للعلماء، وضاغطًا على الأنظمة. تأسست في تركيا، في قطر، في أوروبا، وفي غيرها من البلدان؛ أُنشئت الاتحادات، والروابط، والمجالس، والأكاديميات. ولكن: هل أدت هذه الهيئات دورها كما ينبغي؟ أم تحولت إلى مجرد أجهزة لإصدار “بيانات” باردة لا تحرك ساكنًا؟ أم أصبحت أسيرة للتمويل والتوجهات السياسية للدول المضيفة؟ هذا ما يكشف عنه الدكتور حسن سلمان، عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين، في قراءة نقدية صادمة لواقع هذه الهيئات، معترفًا بالإنجازات، ولكن كاشفًا للعيوب والآفات التي تحول دون قيامها بدورها الحقيقي.
لماذا تأسست هذه الهيئات؟
هناك أزمة ثقة حقيقية تتمثل في أن الهيئات التي كان من المفترض أن تكون حلاً للأزمة، أصبحت -في نظر الكثيرين- جزءًا من المشكلة، أو على الأقل غير قادرة على تقديم الحل. والحقيقة أنها تأسست لملء الفراغ الذي خلفته الأنظمة المستبدة وتفكك الأمة، لكنها وقعت في فخاخ جديدة، أبرزها تحولها إلى مؤسسات استهلاكية للأحداث بدلًا من أن تكون قيادية.
أدوات الهيئات: البيانات فقط؟!
يقر الدكتور حسن بأن البيانات أصبحت الأداة الرئيسية للهيئات، بل يكاد يكون الأداة الوحيدة، معتبرًا أن “البيانات هي واحدة من أوجه النشاط وليست كل الأوجه”. هذا الاعتراف يحمل في طياته نقدًا ذاتيًا لانحصار دور الهيئات في إصدار البيانات، وكأن الأمة لا تحتاج إلا إلى كلمات تخطّ في صحف وتُنشر ثم تُنسى.
والمشكلة أن البيانات نفسها أصبحت محكومة بالحسابات السياسية، بحيث تراعي الحكومة في ذلك، وتحدث اختلافات داخلية حولها، وقد تجد الهيئة نفسها تصدر بيانًا ثم تجده “محرجًا” لجهة ما، فتُعدل فيه أو تتراجع عنه. والأسوأ أن بعض الهيئات أصبحت تصدر البيانات فقط لمراعاة الحكومة، فتصبح الجهة التي من المفترض أن تكون رقيبًا على الحكومة، مراعية لها ومجاملةً.
إشكالية التمويل والدولة المضيفة
يكشف الدكتور حسن عن أعمق إشكالية تواجه الهيئات العلمائية في الخارج: تبعيتها للدولة المضيفة. فالقاعدة تقول: من يمول يوجه. وبالتالي فإن الإشكال يقع في تحديد مدى الاستقلالية والحرية، وقدرة الهيئة على رفع السقوف في الخطاب السياسي، أو إذا كانت دولة المقر تملي عليها قضايا تراعيها. هذه الإشكالية تطال كل الهيئات تقريبًا؛ فالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في الدوحة لا يستطيع أن ينتقد السياسات القطرية، ورابطة علماء المسلمين في تركيا لا تستطيع أن تنتقد السياسات التركية، وهذا ليس ذنب الهيئات وحدها، بل هو طبيعة العلاقة بين الممول والممول.
فلا تستطيع أن تجرؤ بوضوح أنت تنتقد ممارسات هذه الدولة”. هذا الوضع يضع الهيئات في موقف حرج: إما أن تتنازل عن استقلاليتها في مقابل البقاء، وإما أن تخرج عن التمويل وتخسر مقرها، وكلا الخيارين مؤلم.
ويلفت الدكتور حسن إلى بعد تاريخي لهذه الظاهرة، مشيرًا إلى أن اللجوء إلى الغرب في زمن جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده كان حلًا لتوفير منطقة سيادة بعيدًا عن الهيمنة الاستعمارية، لكنه أوجد مشكلة جديدة هي الاعتماد على الدول المضيفة.
طوفان الأقصى.. الصاعقة التي أيقظت الجميع
يصف الدكتور حسن أثر طوفان الأقصى (7 أكتوبر) على الهيئات العلمائية بأنه أشبه بالصاعقة، حيث أدرك كثير من الناس أنهم متخلفون جدًا عن ركب الأمة وقضاياها الكبرى. فهل من المعقول أن تبقى مهمة الروابط العلمائية وهذه المؤسسات أنها تطلع عليها بيان بين فترة وأخرى؟! هذا الاعتراف صادم وجريء، حيث يعترف الدكتور حسن، وهو عضو في إحدى هذه الهيئات، بأن طوفان الأقصى كشف قصورًا هائلاً في أداء هذه المؤسسات، وأظهر الفجوة بين حجم الكارثة وحجم الاستجابة المتمثلة في بيانات باردة لا تحرك ساكنًا، وهو ما يعد تخلفًا عن مستوى الحدث والمسؤولية.
من الهروب إلى المواجهة.. قصة تحول الروابط
يرصد الدكتور حسن تحولًا في أدوار بعض الهيئات مع مرور الزمن، حيث كانت في البداية تتجه نحو الدعوة للإسلام في الإطار الأوروبي، لكنها في آخر عقدين من الزمان تحولت نحو العمل في الداخل. هذا التحول الاستراتيجي لم يحقق نجاحًا كبيرًا، لأن العمل في الداخل أكثر تعقيدًا وخطورة، ويتطلب استقلالية لم تكن الهيئات مستعدة لها.
بين الاستقلال وأسر الأحزاب
يعود الدكتور حسن إلى إشكالية بنيوية أخرى، وهي علاقة الهيئات العلمائية بالأحزاب السياسية. فوفقًا لاطلاعه على جزء كبير جدًا من الحركات العلمية، يرى أنها أسيرة الأحزاب السياسية؛ حيث يخطو الحزب السياسي خطوته ثم يأتي دور العالم في مناصرة هذا الموقف السياسي والبحث عن الأدلة. هذا يكشف عن تحول خطر من كون العالم مرشدًا للحزب إلى خادم له، يستشهد الشاطبي رحمه الله في التفريق بين مأخذ الافتقار ومأخذ الاستظهار؛ فالعالم “المستظهر” هو الذي يأتي بالدليل بعد أن يتخذ الموقف، بينما العالم “المفتقر” هو الذي يطلب الدليل أولاً ثم يقرر موقفه بناءً عليه، وهذا الفرق هو الفرق بين الاستقلال والتبعية.
نماذج مشرقة في المغرب
رغم كل هذا النقد، يشير الدكتور حسن إلى أن هناك نماذج إيجابية يجب الاعتراف بها، مثل رابطة علماء المغرب العربي بمجموعها التي كان لها مواقف مشرفة، حيث وقفت موقفًا صارمًا وأخرجت بيانات ورفضت الموقف السياسي الذي لجأت إليه بعض الأحزاب المحسوبة على الإسلاميين وتماهت مع النظام في ذلك الوقت. لكن السؤال: هل كانت هذه المواقف كافية لمنع الكارثة؟ الإجابة لا.
ماذا بعد طوفان الأقصى؟ استنتاجات صريحة
يخلص الدكتور حسن إلى نتيجة قاسية حول أداء الهيئات العلمائية بعد طوفان الأقصى، وهي أن كثيرًا من الناس أدركوا أنهم متخلفون عن ركب الأمة وقضاياها الكبرى، وليس الهيئات فقط بل العلماء والمنهج والأولويات كلها تخلفت عن ركب الأمة التي تنزف. فيسأل سؤالًا لاذعًا: هل فقط هذا هو الدور المرجو منها؟ فإذا كان دور الهيئات العلمائية هو مجرد إصدار بيانات جامدة لا تحرك ساكناً، ومحكومة بالحسابات السياسية والخوف من الإحراج، فما الفائدة منها؟ والأدهى أن بعض الهيئات تحولت إلى أداة لتوصيف العلماء والإسلاميين بالإرهاب، وهو مؤشر خطير على تحولها من حامية للعلماء إلى أداة اتهام ضدهم.
طريق الإصلاح
من خلال قراءة نقد الدكتور حسن، يمكن استخلاص خريطة طريق لإصلاح الهيئات العلمائية:
- أولاً: استقلال التمويل
لا بد من وجود آليات تمويل مستقلة، بعيدة عن الهيمنة الحكومية. وهذا صعب، لكنه ليس مستحيلاً. الوقف الإسلامي يمكن أن يكون حلاً.
- ثانيًا: رفع سقف الخطاب
البيانات المحتشمة والمحافظة على الحكومات يجب أن تتوقف. الهيئة العلمائية التي تخاف من “إحراج” الحكومة هي هيئة غير مفيدة.
- ثالثًا: تجاوز النمط الدعوي إلى النمط القيادي
الانتقال من مجرد إصدار بيانات وتنظيم مؤتمرات، إلى قيادة الأمة في أزماتها، ومواجهة الطغاة، والضغط على الأنظمة.
- رابعًا: الانفكاك عن الأحزاب
الهيئات العلمائية يجب أن تكون المرجعية العليا للأحزاب، لا أداة في أيديهم. العودة إلى مبدأ “الافتقار للدليل” بدلاً من “الاستظهار”.
- خامسًا: التنسيق الحقيقي
الاتصال الوثيق بين الهيئات لا يجب أن يبقى مجرد كلمات، بل يجب أن يتحول إلى عمل مشترك فعال، خاصة في الأزمات الكبرى كغزة والسودان واليمن.
الخلاصة: بين الماضي البائس والمستقبل المأمول
يمكن تلخيص رؤية الدكتور حسن سلمان للهيئات العلمائية في أن تأسيسها جاء لملء الفراغ الذي خلفته الأنظمة المستبدة، لكنها وقعت في فخ الاعتماد على الدول المضيفة والأحزاب، وأصبحت أدواتها الحالية (البيانات) غير كافية، بل أداة للمسكنة والمجاملة. وقد كشف طوفان الأقصى عن قصور هائل في أدائها وفضح تخلفها عن ركب الأمة. ورغم وجود نماذج مشرقة، إلا أنها ليست كافية لتغيير الواقع العام وحدها. وتبقى الأمانة العلمية أن لا يتكلم العالم في الجزئيات مع حاجة الناس للكليات، وإلا كانت خيانة لله ورسوله.
المصدر
تحليل مستخلص من رؤية الدكتور حسن سلمان، بودكاست شرعي مع د. حسن سلمان – عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين.
اقرأ أيضا
العلماء والسياسة: لماذا يتجنبون الخوض؟ ولماذا يجب ألا يتجنبوا؟


