حين يتحول الانحراف الى عرف

لماذا يلتفت الإنسان حوله بعد كل زلة، باحثاً عن وجوه تشاركه السقوط، وكأن كثرة الساقطين تخفف وطأة الخطيئة وتُعيد تشكيل المشهد ليصبح الانحراف عرفاً، والخطيئة سلوكاً اعتيادياً لا يستحق وخز الضمير؟ وكيف يمكن للعقل أن يقنع صاحبه بأن الإثم يصبح أقل وزناً حين يتقاسمه كثيرون، حتى يتحول السؤال من “كيف أتغير؟” إلى “أليس الجميع كذلك؟”؟ وما سر هذه الآلية النفسية التي يسميها علماء الاجتماع “التطبيع بالانتشار”، التي تدفع الإنسان إلى خفض مستوى الجميع حين يعجز عن الارتفاع بنفسه؟

حين تسقط في بركة الوحل.. أول ما تبحث عنه هو رفيق السقوط

حين تنزلق قدمه في بركة من الوحل، فإن أول ما يفعله غالباً ليس تفقد عظامه ليرى ما كُسر منها، ولا محاولة نفض الطين عن ثيابه. هو يلتفت حوله… يبحث بعينين قلقتين عن شخص آخر سقط في البركة نفسها. فإذا لمح واحداً، خفَّ شيء غامض في داخله. أما إذا وجد الكثيرين يغوصون معه في الوحل فستتسع ابتسامته وينطفيء الخجل تقريباً ويصير الطين أقل قبحاً مما بدا قبل لحظات.

الغريق لا يهمه أن ينجو بقدر ما يريحه أن يرى غيره يصارع الأمواج

هي واحدة من أكثر الحيل النفسية تعقيداً. كثير من الناس بعد الزلة، لا يكون أو ما يشغلهم إثبات البراءة… الرفقة هي ما يحتاجون إليه. لا يفتش أحدهم عن طريق الخروج، بقدر ما يفتش عن وجوه تشاركه السقوط.

كأن الغريق لا يهمه أن ينجو، بقدر ما يريحه أن يرى غيره يصارع الأمواج إلى جواره.

التطبيع بالانتشار.. كيف يفقد الذنب قبحه حين يصبح مألوفاً

ولسبب يبعث على التأمل، تخف وطأة الذنب على النفس كلما ازداد عدد المشاركين فيه كأن الخطيئة تفقد شيئاً من قبحها حين تصبح مألوفة ويكاد العقل يقنع صاحبه أن الإثم، إذا تقاسمه كثيرون، صار أقل وزناً على كل واحد منهم.

إعادة رسم المشهد.. تضخيم عدد الساقطين وتطبيع الانحراف

ثم تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيدا حين يعيد العقل رسم المشهد كله فيضخم عدد الساقطين ويسلط الضوء على كل انحراف يسمع عنه. يصنع، قطعة بعد أخرى، عالمًا يتوهم فيه أن الجميع يفعل الشيء نفسه. الكل سيئون… لا يوجد صالح… لا يوجد خير.. هكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والانحراف إلى عرف، والخطيئة إلى سلوك اعتيادي لا يستحق كثيرًا من وخز الضمير.

التطبيع بالانتشار.. طمأنينة زائفة لا تأتي من إصلاح الخطأ

علماء النفس الاجتماعي يعرفون هذه الآلية بـ “التطبيع بالانتشار”. إنها ليست محاولة للبحث عن الحقيقة… هي أشبه بمحاولة للبحث عن الطمأنينة. طمأنينة زائفة، لا تأتي من إصلاح الخطأ، وإنما من الإحساس بأن الخطأ لم يعد فرديًا.

واحدة من أكثر المحاولات البشرية بؤساً أن يعجز الإنسان عن الارتفاع بنفسه، فيحاول أن يخفض مستوى الجميع. وأن يتحول السؤال من: “كيف أتغير؟” إلى: “أليس الجميع كذلك؟”

الأعذار المألوفة.. جدار سميك من التبرير

ثم يكتشف بعد حين أن تبرير الخطأ لا يكفي فيبحث عن شيء آخر… عن تطبيعه. وهنا تبدأ تلك العبارات المألوفة في الظهور، حتى لكأنها طقوس تُتلى كلما ضاق الصدر بوخز الضمير:

“هي جت عليّا أنا؟” “بص حواليك… ما كل الناس كده.” “إحنا أحسن من غيرنا.” “الدنيا كلها بايظة.”

كثرة السائرين في الطريق الخطأ لا تحوله إلى الطريق الصحيح

لا تبدو هذه الكلمات، في ظاهرها، سوى جمل عابرة تتردد على الألسنة لكنها، في حقيقتها، جدار سميك من الأعذار، يختبئ خلفه الإنسان كلما استعصى عليه النظر في مرآة نفسه.

ففي مكان عميق من داخله، يراوده وهم غريب… أن كثرة السائرين في الطريق الخطأ قادرة، بطريقة ما، على تحويله إلى الطريق الصحيح. وأن الذنب يفقد اسمه وتبهت حرمته بمجرد أن يصبح سلوكًا مألوفًا بين الناس.

القرآن يهدم فكرة الاحتماء بالقطيع

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. هكذا يهدم الوحي فكرة الاحتماء بالقطيع بكلمات قاطعة، لا تقبل التأويل.. القرآن لم يجعل الكثرة يوماً دليلاً على الصواب.. بل جعلها في أغلب الأحيان علامة تحذير حمراء.

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. كل كتف سيحمل عبئه وحده. لن يقتطع أحد من سيئاته شيئاً لأنه شاركه المعصية.

حين يسدل الستار.. يختفي “الجميع” ولا يبقى إلا اسم واحد

و حين يُسدل الستار وتنطفيء الأضواء الكاشفة ويغادر الجمهور وتختفي تلك الوجوه التي كان يستأنس بها كلما ثقل عليه صوت ضميره، فيلتفت إليها ليقول في نفسه: “الجميع يفعل ذلك.”

وفجأة… لم يعد هناك شيء اسمه “الجميع”. لم يبق إلا اسم واحد يُنادى. اسمه هو. لا أحد يُسأل عنه… ولا هو يُسأل عن أحد.

﴿قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

لا فئات ولا قبائل ولا أصدقاء يخففون وحشة الذنب

ثم تأتي الآية التي تنتزع آخر ساتر يمكن أن يختبئ خلفه الإنسان: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.

فردًا. لا فئات ولا قبائل. لا أصدقاء ساروا معه في الطريق نفسه. ولا أصوات كانت تخفف عنه وحشة الذنب كلما قالت له: “الأمر طبيعي.”

هناك تسقط قيمة الأعداد كلها. فلا الكثرة تزيل سيئة ولا سيل الساقطين يخفف عاقبة ولا يصبح الباطل حقًا لأن الأرض امتلأت بأهله ولا يفقد الحق نوره لأن السائرين إليه قلّة.

المصدر

صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

قراءة في الآية التي تعيد معايرة الميزان

التكيف اللذيذ.. وقصة قوم ملّوا المعجزة

التعليقات معطلة