لماذا لم تُبنَ النجاة في سورتي البلد والعصر على صلاح الإنسان لنفسه فقط، بل جاءت كلمة “وتواصوا” في أربعة مواضع لا توجد في غير هاتين السورتين؟ ولماذا تكرر التواصي بالصبر في السورتين، مرة مع الحق ومرة مع الرحمة؟ وقفةٌ مع معنى بديع رسمته السورتان حين اجتمعتا في الصلاة: أن النجاة لا تتحقق إلا بإيمان في القلب، وعمل صالح يمتد نفعه إلى الناس، وصبر يعين على مشقة الطريق، ورحمة تمنع من القسوة على الخلق.
سورة البلد.. اقتحام العقبة
قرأ بنا الإمام الليلة في صلاة العشاء في الركعة الأولى سورة البلد، وفي الركعة الثانية سورة العصر، فوقفت عند معنى لم أنتبه إليه من قبل، رغم أن السورتين من السور التي نحفظها وتعاد على مسامعنا كثيرًا.
ففي سورة البلد يقول الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: 11-12].
والمعنى هنا: فهلا تجاوز الإنسان مشقة الآخرة، وسلك الطريق الذي ينجيه منها؟
كيف يقتحم العقبة؟
ثم بيّن الله له كيف يقتحم هذه العقبة، وبأي الأعمال والصفات يتجاوز مشقة الآخرة وينجو، فقال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 13-16].
فيكون اقتحام العقبة والنجاة من مشقة الآخرة بعتق رقبة، أو إطعام الطعام في يوم مجاعة وشدة، حين يقل الطعام وتعظم الحاجة عند يتيم من الأقارب، فيجتمع في الإحسان إليه فضل الصدقة وفضل صلة الرحم، أو لمسكين معدم اشتد به الفقر حتى كأنه لصق بالتراب، لا يملك شيئًا يدفع به حاجته.
النجاة لا تتحقق بهذه الأعمال وحدها
لكن الله لم يجعل النجاة بهذه الأعمال وحدها، بل أتمَّ صفات من يقتحم العقبة ويتجاوز مشقة الآخرة فقال: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17]. فجمع له طريق النجاة كله: إيمانٌ في القلب، وعملٌ صالح يمتد نفعه إلى الناس، وصبرٌ يعينه على مشقة الطريق، ورحمةٌ تمنعه من القسوة على الخلق.
تفسير الطبري وابن عباس وابن كثير
وقد فسّر الطبري التواصي بالصبر بأن يوصي بعضهم بعضًا بالصبر على ما ينالهم في ذات الله، ونقل عن ابن عباس أن «المرحمة» هي رحمة الناس. وذكر ابن كثير أنهم يتواصون بالصبر على أذى الناس وبالرحمة بهم.
سورة العصر.. استثناء المؤمنين من الخسر
ثم قرأ الإمام في الركعة الثانية سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].
وبعد أن ذكر الله أن حياة الإنسان كلها تمضي إلى خسر، استثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم ذكر في صفاتهم أيضًا أنهم تواصوا فيما بينهم؛ تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
كلمة “وتواصوا” لم ترد في القرآن إلا في هاتين السورتين
أربعة مواضع.. موضعان في البلد وموضعان في العصر
وهنا تجد أن كلمة “وتواصوا” بهذه اللفظة لم ترد في القرآن إلا في أربع مواضع: موضعين في سورة البلد وموضعين في سورة العصر.
وهنا وقفة: فالنجاة في السورتين لم تُبنَ على صلاح الإنسان لنفسه فقط؛ فلم تقل الآيات: آمنوا وعملوا الصالحات وانتهى الأمر، بل كان من صفات المؤمنين أنهم يأخذ بعضهم بيد بعض في طريق النجاة، ويذكّر بعضهم بعضًا حين يضعف أو يغفل أو يتراجع.
التواصي بالحق والتواصي بالصبر
الحق واحد فلم يتكرر، والصبر تكرر واقترنت به الرحمة
في سورة العصر تواصوا بالحق، ثم تواصوا بالصبر؛ ولأن الحق واحد، لم يتكرر ذكره في السورتين، وإنما تكرر الصبر، ثم اقترنت به الرحمة؛ وقد فسّر الطبري التواصي بالحق بأن يوصي بعضهم بعضًا بلزوم ما أنزل الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وفسّر التواصي بالصبر بأنه الصبر على طاعة الله.
وقال ابن عاشور إن الصبر هنا هو تحمُّل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في سبيله.
في سورة البلد تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة
أما في سورة البلد، فقد تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة؛ أي لم يكتفوا بأن يرحم أحدهم الناس، بل أوصى بعضهم بعضًا بالرحمة وحثَّه عليها.
التواصي بالصبر تكرر في السورتين
ومن العجيب أيضًا أن التواصي بالصبر تكرر في السورتين؛ جاء في إحداهما مع الحق، وفي الأخرى مع الرحمة.
وكأن السورتين حين اجتمعتا في الصلاة رسمتا معنى بديعًا لمن يحمل الحق ويدعو إليه: أن يكون صابرًا؛ لأن طريق الحق شاق، وأن يكون رحيمًا؛ لأن الذين يدعوهم بشر، فيهم الضعيف والمتردد والمخطئ والمقصر، ولا يأخذ بأيديهم إلى الله قلبٌ يتعالى عليهم أو يفرح بعثراتهم.
الحق يحتاج إلى صبر ورحمة
الحق يحتاج إلى صبر حتى لا يتركه صاحبه، وإلى رحمة حتى لا يتحول إلى قسوة
فالحق يحتاج إلى صبر حتى لا يتركه صاحبه عندما يلقى المشقة، ويحتاج إلى رحمة حتى لا يتحول في يده إلى قسوة وغلظة واستعلاء على الناس.
وما أكثر من يتواصى بالحق، لكنه لا يصبر على من يخالفه!
وما أكثر من يريد للناس أن يصلحوا، لكنه لا يرحم ضعفهم، ولا يحتمل تقصيرهم، ولا يصبر على بطء عودتهم!
ليست كل قسوة في الدعوة قوةً في الحق
فليست كل قسوة في الدعوة قوةً في الحق، وليس كل غليظ أصدق غيرةً على الدين؛ فقد تكون الكلمة التي يقولها صحيحة، لكن يفسد أثرها كِبر قائلها، أو قسوته، أو عجلته، أو رغبته في الانتصار لنفسه بدلًا من إرادة الهداية لمن أمامه.
من صفات أهل النجاة
لا يعرفون الحق فحسب، بل يعملون به ويتواصون به ويصبرون على طريقه
فمن صفات أهل النجاة أنهم لا يعرفون الحق فحسب، وإنما يعملون به، ويتواصون به، ويصبرون على طريقه، ويحملونه إلى الناس بقلوب تعرف المرحمة.
إذا غاب الصبر والرحمة عمن يدعو إلى الله
وإذا غاب الصبر والرحمة عمن يدعو إلى الله، فليفتش في نفسه: هل يتواصى فعلًا بالحق، أم يدعو إلى شيء آخر وهو يظن أنه يدعو إلى الله؟
فالحق لا يحمله إلى القلوب على وجهه الصحيح إلا داعيةٌ صبورٌ رحيم.
المصدر
صفحة محمد جاد، على منصة ميتا بتصرف.


