الاصول الثلاثة

كيف نعرف الله حقًّا؟ وكيف نتحدث عن ذاته وأسمائه وصفاته بأمانة وصدق؟ ولماذا كثُرت المعارك والجدالات حول آيات الصفات، حتى ظن بعض الناس أنها معارك لا تنتهي؟ وهل يستطيع المخلوق أن يتكلم عن الله بأفضل مما تكلم به الله ورسوله عن نفسه؟ هذا ما يحاول هذا المقال بيانه من خلال ثلاثة أصول كبرى.

الأصول الثلاثة في معرفة صفات الرب

الأصل الأول: لا أحد أعلم بالله من الله

لا أحد أعلم بالله من الله، ولا أحد بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أهمية هذا الأصل: أن تفهم أنه يستحيل أن يتكلم أحد من الخلق عن الله تعالى، في ذاته وأسمائه وصفاته بأفضل مما تكلم به الله ورسوله عن نفسه. فالله هو الذي يعرّفنا بنفسه، ورسوله ﷺ هو أعلم الخلق به، فما جاء في الوحي عن الله فهو غاية البيان وأكمله.

الأصل الثاني: صفات الله وثيقة الصلة بذاته

صفات الله تعالى وثيقة الصلة بذاته سبحانه، كما أن صفات المخلوق وثيقة الصلة بذاته المخلوقة.

أهمية هذا الأصل: أن تفهم كما أن ذات الله مطلقة الكمال، لا يشبهها شيء من الذوات، فكذلك صفاته مطلقة الكمال، لا يشبهها شيء من الصفات في المخلوقات كافة. فالتنزيه المطلق يشمل الذات والصفات والأفعال.

الأصل الثالث: المقصد المركزي للنبوات هو التعريف بالله

المقصد المركزي الأول للنبوات الإلهية كلها هو التعريف بالله تعالى تعريفًا شاملًا واضحًا، لأنه أساس الغاية التي خُلق لها الخلق.

أهمية هذا الأصل: أن تفهم أن كل ما ذُكر في القرآن أو السنة عن الله تعالى، فهو مقصود لله ليُعرّفك بنفسه تعريفًا شاملًا واضحًا. فآيات الصفات ليست مجرد معلومات نظرية، بل هي مداخل لمعرفة الله ومحبته وتعظيمه.

ثمرة فهم هذه الأصول

إذا فهمتَ هذه الأصول الثلاثة، انحلّت عنك كل الإشكالات، وفهمتَ أن كثيرًا من المعارك المقامة حول هذا الموضوع هي معارك في كثير من جوانبها عقيمة المعنى، تحركها الأهواء والمناكفات.

مثال تطبيقي — صفة الاستواء

معاني الاستواء في اللغة

دعني أضرب لك مثالًا لتتضح الفكرة، ويكون بصفة الاستواء.

ذكر الوحي أن الله تعالى استوى على العرش: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وغير هذا من الآيات.

فأنت ترى هنا هذا التركيب (استوى + على). وهذا التركيب في لغة العرب يعني العلو، أي علا على كذا. وهناك تراكيب أخرى وردت في القرآن للاستواء، مثل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، فهذا التركيب (استوى + إلى) في لغة العرب يعني القصد إلى الشيء. وقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، واستوى هنا بدون حرف يعني تَمّ خلقه وتناهى شبابه.

فكما ترى، فهناك عدد من المعاني لـ(استوى)، لكن السياق والتركيب هو الذي يحدد المعنى المقصود للمتكلم.

التنزيه المطلق: الأصل الأعظم

إذا علمتَ هذا، فأضف إليه علمًا آخر، وهو: مع استحضار المعنى اللغوي في سياقه في الجملة والتركيب، يجب استحضار الأصول العقدية المتعلقة بالله تعالى. والأصل الأعظم هنا هو ما ذكرناه آنفًا، أي بصيغة أخرى: وجوب التنزيه المطلق لله تعالى.

بناء هذا المعنى يكون هكذا: كما أن ذات الله تعالى لا يشبهها شيء من الذوات المخلوقة، فكذلك صفاته لا يشبهها شيء من صفات المخلوقات. لهذا، فنحن عندما نقول (الله) فنحن نقرر وجود ذاته سبحانه وجودًا حقيقيًّا حتى ونحن نجهل كيفيتها وماهيتها، ولا يخطر ببالنا مشابهة هذه الذات في أدنى شيء لذوات المخلوقات أو بعضها. فكذلك عندما نقول (صفات الله) فنحن نقرر اتصاف الله تعالى بهذه الصفة اتصافًا حقيقيًّا حتى ونحن نجهل كيفيتها وماهيتها، ولا يخطر ببالنا مشابهة هذه الصفة في أدنى شيء لصفات المخلوقات أو بعضها.

الصفات المشتركة بين الله والخلق في اللفظ

ولهذا، وجدنا الله تعالى الذي وصف نفسه بـ(الاستواء) قد وصف بعض خلقه بنفس الصفة، فقال عن موسى عليه السلام: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾، وقوله عن الصحابة: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾. ووجدنا الله تعالى الذي وصف نفسه بـ(العلم) قد وصف بعض خلقه بنفس الصفة، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وكما وصف نفسه بالبصر والسمع فقد وصف بعض خلقه بذلك: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.

السؤال المحوري

السؤال هنا: هل عندما تقرأ هذه الصفات في المخلوقات (السمع، البصر، العلم، الحكمة، القدرة، الإرادة) كما استعملها القرآن نفسه، هل يخطر ببالك أن سمع البشر، أو بصرهم، أو حكمتهم، أو إرادتهم، أو قدرتهم = تشبه سمع الله، أو بصره، أو حكمته، أو إرادته، أو قدرته؟ الجواب القطعي هو (لا)، وإذا سألناك لماذا؟ ستقول: لأن الله لا يشبه شيئًا من خلقه، فكذلك سمعه وبصره وعلمه وقدرته لا تشبه شيئًا من صفات خلقه، فإذا رأينا صفة السمع أو العلم متعلقة بالله فنحن نفهمها بأنها صفة مطلقة الكمال، وإذا رأيناها متعلقة بالخلق فنحن نفهمها بأنها صفة محدودة الكمال.

تطبيق القاعدة على الاستواء

الشيء نفسه في صفة الاستواء. عندما تتعلق بالله فيجب فهمها بأنها صفة مطلقة الكمال بما يليق له من التنزيه والتعظيم والإجلال، وعندما تتعلق بالخلق فيجب فهمها بأنها صفة ناقصة الكمال تليق بالخلق.

لهذا فنصوص الصفات ظواهرها تُفهم في إطار تعلقها بالله، لأن الله فيها يعرّفنا بنفسه من خلالها، وبهذا يكون المسلم بريئًا من آفتين: آفة التمثيل (تمثيل الله بخلقه)، وآفة التعطيل (تعطيل الرب عن صفاته).

فائدة تاريخية — لماذا لم يطعن العرب في آيات الصفات؟

كانت العرب شديدة الحرص على الطعن في الوحي الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فلو تجد أدنى شيء لتروجه وتنشره في الناس لا تتردد أبدًا، لكنها كانت عاجزة جدًّا، وكان هذا أحد أبرز الأسباب في خوضها المعارك والحروب والدماء ضده صلى الله عليه وسلم، وإلا كان يكفي أن تقوم بعملية تشويه لهذا الدين الذي جاء به محمد وأنه متناقض ومتعارض.

وقد سمعت العرب النبي صلى الله عليه وسلم يقرر لهم أن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفؤًا أحد، فلو فهمت من آيات الصفات (الاستواء، العلم، الحكمة، الإرادة، القدرة… إلخ) التمثيل والتشبيه لبادرت لتنادي في الناس: إن كتاب محمد متناقض، يصف ربه بالشيء ونقيضه، فتارة يقرر التنزيه وتارة يقرر التشبيه. لكن قريشًا والعرب كانوا أكبر عقولًا من التورط في هذه الورطة الشنيعة بسبب سليقتهم اللغوية ومعرفتهم فطرةً بمواقع الكلام وتراكيب البيان.

بل أيضًا، الصحابة رضوان الله عليهم، لن تجدهم أبدًا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستشكلون عنده آيات الأسماء والصفات، لأن الأصول التي ذكرتها لك كانت واضحة في عقولهم، ولهذا كان تركيزهم على التعامل مع الأسماء والصفات على أنها مداخل لمعرفة الله تعالى، وربطها بالحياة والكون والمخلوقات، فكانت بالنسبة لهم مرايا لعظمة الله تعالى وتجليات أسمائه وصفاته.

المصدر

صفحة نور الدين قطيط، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

قواعد وتنبيهات على أسماء الله الحسنى

أسماء الله الحسنى .. المعرفة للتعبد

التعليقات معطلة