“قطاع الطرق” الجدد: ما خطر هؤلاء على عقيدة الشباب؟ ولماذا يجب أن نحذرهم؟ وما الذي تقرره العقيدة الإسلامية في مسألة الدعاء والاستجابة والقضاء والقدر؟ وكيف يتحول هؤلاء — بجهلهم أو بخبثهم — إلى سببٍ في اهتزاز إيمان الشباب، بل وربما ارتدادهم عن الإسلام، حين لا تتحقق وعودهم الزائفة؟
أيها الشباب احذروا قطاع الطرق المتناثرين في وسائل التواصل
في زمنٍ صارت فيه وسائل التواصل ساحةً مفتوحةً لكل من هبّ ودبّ، برزت ظاهرة “قطاع الطرق” الجدد: أولئك الذين يبيعون لك الوهم باسم الدين، ويَعِدونك بأنك إن قلتَ الذكر الفلاني، أو قرأتَ السورة الفلانية، أو رددتَ الدعاء الفلاني، فسترى كيف يحقق الله أمنياتك ورغباتك، وكأن الكون أصبح طوع إرادتك، وكأن الله — والعياذ بالله — صار آلةً تُشغَّل بضغطة زر! منهم من يأتي في صورة شيخٍ وواعظٍ وداعيةٍ ولحية، ومنهم من يأتي في صورة الوسيم البشوش ذي اللباس الشبابي، وكلهم يبحثون عن المال والشهرة من خلف هذه الفيديوهات. فما خطر هؤلاء على عقيدة الشباب؟ ولماذا يجب أن نحذرهم؟ وما الذي تقرره العقيدة الإسلامية في مسألة الدعاء والاستجابة والقضاء والقدر؟ وكيف يتحول هؤلاء — بجهلهم أو بخبثهم — إلى سببٍ في اهتزاز إيمان الشباب، بل وربما ارتدادهم عن الإسلام، حين لا تتحقق وعودهم الزائفة؟
لماذا هؤلاء قطاع طرق؟
بالإضافة إلى كونهم يبحثون عن المال والتكسب من مثل هذه الفيديوهات، فإنهم قطاع طرق لأن العقيدة الإسلامية تقرر الآتي:
- الله سبحانه متصف بالكمال المطلق
الله سبحانه متصف بالكمال المطلق في ذاته وصفاته، ومن صفاته الحكمة، ولهذا فهو حكيم في تدبير أقداره، كما أنه حكيم في خلق أصناف المخلوقات.
- حكمة الله تحيط بشبكة هائلة من الاعتبارات
بما أن الله تعالى حكيم في تدبير أقداره، فهناك شبكة هائلة من الاعتبارات التي تراعيها حكمة الله تعالى، يستحيل على الخلق كافة الإحاطة بها.
- الله لا يعجل لعجلة أحد
الله سبحانه لا يعجل لعجلة أحد، وليس سبحانه طوع رغبة أحد. فحتى الأنبياء الذين هم أفضل الخلق كافة قد ابتلاهم بكثير من الابتلاءات الضاغطة.
- أنت مخلوق محدود
أنت مخلوق، وكل مخلوق محدود، ولهذا فأنت ترى فقط اللحظة التي أنت فيها، وتعجز عجزًا مطلقًا عن التأكد عما سيحدث في اللحظة التالية، فلهذا أنت قد ترى تحقق شيء ما لك [زواج، صحة، غنى، وظيفة… إلخ] مفتاح السعادة لك، لكنه قد عندما ننظر إليه نظرة الزمن المستقبلي مفتاح مأساتك وشقائك.
- استجابة الدعاء ليست من قبيل (1+1=2)
استجابة الله تعالى للدعاء ليست من قبيل (1+1=2)، أي أنت قلتَ الدعاء إذن الاستجابة لابد، لأنك قرأت السورة الفلانية أو لأنك تحافظ على الصلاة أو لأنك معروف بين الناس أنك ملتزم. هذه سطحية واختزال شديدة في فهم قضية الدعاء. فالدعاء بحد ذاته عبادة، ولهذا قد تُحرم الاستجابة لترقيتك روحيًا أو تزكيتك من بعض آفات النفس أو رفع منزلتك في الجنة، وقد تكون هناك موانع تحقق الاستجابة، إما ذاتية (أي فيك) أو موضوعية (أي الواقع وارتباطه بمنظومة السنن الإلهية).
- العقد الذي بين العبد وربه هو الآخرة
العقد الذي بين العبد وربه هو الآخرة: تموت على الإسلام والتوحيد والعمل الصالح كما يريد الله تعالى وفصّله النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، إذن ثوابك ونتيجتك هو الجنة خالدًا في نعيمها وسعادتها. تموت على الإسلام والتوحيد مع المعاصي والذنوب الطاغية فأنت في مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر لك ودخلتَ الجنة ابتداءً، وإن شاء آخذك وعذّبك في النار بحسب ذلك ثم تدخل الجنة خالدًا فيها أبدًا. تموت على الإلحاد والكفر والوثنية فأنت في النار خالدًا فيها أبدًا.
- الإنسان مخلوق في الدنيا للتكليف والمسؤولية
الإنسان مخلوق في الدنيا للتكليف والمسؤولية، وهذه هي طبيعة الدنيا، وهذا يعني استحالة أن يتحقق للمرء الفردوس المنشود، مهما حاول وبذل من جهود، بل لابد من منغصات ومشوشات وابتلاءات تذكّره بأنه عبد مخلوق، وأن واقعه أضيق بكثير من إراداته ورغباته، لأن هناك مَن يدبر الأمور بمنظومة فوق مدارك العقول. ولهذا لا يوجد مخلوق منذ كان آدم عليه السلام إلى يوم القيامة قد تحقق له كل شيء أو عاش بسعادة وهناء مطلق، فالتكليف الذي خُلق له الإنسان يقتضي الابتلاء والحرمان، فإذا استقامت الدنيا من جهة اعوجّت من جهة.
- الله يعطي الدنيا من أحب ومن كره
بناءً على ما سبق، فإن الله تعالى يعطي الدنيا مَن أحب ومَن كره، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلا﴾ [الفجر: 15-16] أي إن الإنسان إذا فتح الله له أبواب الدنيا [زواج، وظيفة، مال، شهرة.. إلخ] يقول لقد أكرمني الله وأنا ذو حظوة عنده، وإذا أغلق دونه أبواب الدنيا يقول لقد أهانني الله وليست لي عنده قيمة. فيأتي التصحيح الرباني لهذا التصور الجاهل السطحي المختزل: كلا، (وهذه كلمة زجر تقال لمن قال شيئًا فظيعًا) الأمر ليس كما تظنون، بل حكمة الله تعالى تراعي شبكة هائلة ومعقدة من الاعتبارات المتعلقة بذات الشخص، بالزمن الذي يعيش فيه، بطبيعة الدنيا، بالحاضر والمستقبل والماضي، بالمصير في الآخرة.
الخلاصة
فاحذر يا مسلم هؤلاء قطاع الطرق، فإنهم يلبّسون على الشباب دينهم، ويفتنونهم في عقيدتهم. فكم من شاب أو شابة اهتز إيمانه أو حتى ارتد عن الإسلام لأنه فعل ما قاله الواعظ علان أو المتكلمة فلانة، وقد أقسموا وأكدوا على أن من قال أو فعل كذا وكذا فإن كل شيء يتحقق له، لكن بعد شهور أو حتى سنوات لم يتحقق له شيء، إذن (الله غير موجود) أو على الأقل (مشكوك في وجوده). والعصمة أن نعلم أن الله حكيم في تدبيره، وأن الدعاء عبادة، وأن العقد الحقيقي هو الآخرة، وأن الدنيا دار تكليف وابتلاء، وأن الله يعطي الدنيا من أحب ومن كره، وأن استجابة الدعاء ليست معادلة حسابية، بل هي تحت حكمة الله ومشيئته. فاحذروا هؤلاء، وتمسكوا بالعلم الصحيح، واسألوا أهل العلم الراسخين، ولا تغتروا بكل من لبس اللحية أو الوسامة وتكلم في دين الله بغير علم.
المصدر
صفحة نور الدين قطيط، على منصة ميتا بتصرف.


