لماذا جاءت آيات المسارعة إلى مغفرة الله وجنته في وسط الحديث عن غزوة أحد؟ وما سر هذا الفاصل البديع بين بداية القصة ونهايتها؟ وكيف ينبّه الله المؤمنين إلى أثر المعاصي والطاعات في الهزيمة والنصر؟ ثم ما صفات المتقين الذين أُعدت لهم الجنة؟
السياق البديع — فاصل بين بداية الغزوة ونهايتها
الآيات في سياق غزوة أحد
61) تدبر قول الله عز وجل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 133-135].
هذه الآيات جاءت بعد البدء في ذكر أخبار غزوة أحد حيث بدأها الله عز وجل بقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ثم توقف الحديث عن الغزوة، وتوجه النداء للمؤمنين بترك أكل الربا واتقاء النار؛ ثم جاءت هذه الآيات في الحث إلى المسارعة إلى مغفرة الله وجنته التي أعدها الله عز وجل لعباده المتقين، ثم ذكر شيئًا من أوصافهم؛ وبعد هذه الآية عاد الحديث إلى غزوة أحد بقوله سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
أثر المعاصي والطاعات في الهزيمة والنصر
إن وجود هذا الفاصل بين الآيات بعد البدء في ذكر غزوة أحد؛ ثم التوقف لتأتي هذه الآيات؛ ثم العودة بعد ذلك إلى الغزوة؛ في هذا لفتة بديعة ينبه فيها الله عز وجل المؤمنين من الصحابة ومن بعدهم إلى أثر المعاصي والطاعات في الهزيمة والنصر، كما نبه عز وجل إلى بعض صفات المجاهدين التي ينبغي أن يتحلوا بها؛ إذ هي من أسباب النصر وأنها من علامات صدق العبد في مسارعته إلى جنة عرضها السموات والأرض وذكر أنها من صفات المتقين.
صفات المتقين الذين أُعدت لهم الجنة
ذكر الله عز وجل من صفاتهم:
- أنهم ينفقون في السراء والضراء.
- كاظمين الغيظ.
- عافين عن الناس.
- إذا أذنبوا أو فعلوا فاحشة ذكروا الله وخافوه وسارعوا إلى التوبة والاستغفار ولم يصروا على معصيتهم.
لفتة لطيفة: المتقون بشر يخطئون ويصيبون
وفي هذه الصفة لفتة لطيفة ألا وهي إعلام الله عز وجل لنا أن عباد الله المتقين بشر يخطئون ويصيبون، ولكنهم أوابون تائبون لا يصرون، فليس من شرط ولي الله المتقي أنه لا يذنب، وقد ذكر مثل هذه الصفة في سورة الأعراف وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].
المسارعة إلى مغفرة الله — لفتة بيانية
ألفاظ المسارعة والمسابقة والفرار
في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، تنبيه إلى المسارعة والمبادرة إلى مغفرة الله عز وجل وجنته، والملاحظ في الآيات التي تحث على ذكر الله والدار الآخرة أنها تأتي بألفاظ المسارعة والمسابقة والفرار مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21]، ومثل قوله تعالى في الحث على ذكر الله يوم الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
وقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: 50].
الفرق بين المسارعة إلى الآخرة وطلب الرزق
في حين أن الأمر بطلب الرزق والمعيشة لا نجد فيه الأمر بالمسارعة كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
وقال بعد انقضاء صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10].
فالأمر في الدار الآخرة بالمسارعة والمسابقة والفرار، والأمر في طلب الرزق بالمشي والانتشار دون مسارعة، وهذا فرق دقيق بين ما ينبغي أن يكون فيه التسابق والمسارعة، وما ينبغي أن يكون فيه التأني والسعي العادي.
اقرأ أيضا
تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (12)


