تفسير سورة آل عمران

كيف يمكن للمسلم أن يواجه كيد أعدائه ومكرهم وهو يرى شرهم يحيط به من كل جانب؟ وكيف يفهم سرَّ العداوة الدفينة التي يحملها الكفار — لا سيما اليهود والمشركون — للمسلمين، فهم يفرحون بكل مصيبة تصيبهم، ويسوءهم كل خير ينالهم؟ ثم ما السبيل الذي جعله الله دافعًا لضررهم، وحصنًا من كيدهم، وطريقًا للغلبة عليهم؟ ولماذا ربط الله عز وجل بين الصبر والتقوى وبين إبطال كيد الأعداء؟ وهل إذا نالنا الضرر منهم فهل هو قدر محتوم، أم نتيجة تفريط في الصبر والتقوى؟ وأخيرًا: ما علاقة كل ذلك بالابتلاء والتمحيص، وباسم الله “المحيط” الذي خُتمت به الآية؟

شدة عداوة الكفار وحقدهم

60) تدبر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120].

ومثل هذه الآية قوله تعالى في آخر السورة: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186].

فالمقصود من تدبر هذه الآية ومثيلتها:

أولًا: شدة عداوة الكفار لا سيما اليهود والذين أشركوا للمسلمين وحقدهم عليهم، وأنهم يفرحون بكل أذى ومصيبة للمسلمين، ويسؤوهم انتصار المسلمين وفرحهم، ومن سنة الله عز وجل تسليط أعدائه على أوليائه وإذنه في ذلك لتتحقق سنة الابتلاء والتمحيص وما فيها من الخير للمسلمين؛ من تطهرهم من الذنوب وتطهير صفهم من المنافقين.

وجوب الحذر والبراءة والجهاد

وإذا علم شدة عداوة الكفار للمسلمين وما تخفي صدورهم أكبر، فيجب الحذر منهم وعدم الانخداع بما يظهرونه من محبة أو إخاء وسلام، ووجب في حقهم عداوتهم والبراءة منهم ومن كفرهم، وجهادهم عند القدرة.

ما يدفع به ضرر الأعداء — الصبر والتقوى

فرق بين الأذى والضرر

يوجهنا الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين إلى ما يدفع به عنا ضرر هؤلاء الأعداء، حتى لا يضرنا كيدهم ومكرهم، وإذا أصابنا منهم أذى فهو مجرد أذى لا ضرر فيه كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ وفرق بين الأذى والضرر.

الصبر والتقوى: الحصن الذي يبطل الكيد

وقد ذكر الله عز وجل هنا أن مما يبطل كيد الأعداء ومكرهم بنا؛ الصبر والتقوى، فقال سبحانه في ختام الآية الأولى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، وقال في ختام الآية الثانية: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.

اسم الله “المحيط”: قوة للصبر والتقوى

وختام الآية باسمه سبحانه: (المحيط) يقوي الصبر والتقوى في نفس المؤمن لعلمه بإحاطة الله عز وجل وقهره لكل شيء، فبالصبر والتقوى يرد ضرر الأعداء وكيدهم وتكون الغلبة عليهم، هذا منطوق الآية.

أما مفهومها فهو أنه إذا نالنا الضـرر من كيد الكفار فإنما هو لضعف الصبر والتقوى عندنا.

الصبر والتقوى في مواطن أخرى من السورة

المدَد بالملائكة

وقد جاء ذكر الصبر والتقوى في موطن ثالث في هذه السورة وذلك في قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125].

ختام السورة: اصبروا وصابروا ورابطوا

وقال في ختام السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].

وهذا يذكر أيضًا قوله تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (12)

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (13)

التعليقات معطلة