هل تساءلت يومًا لماذا يقف العقل البشري حائرًا أمام قرار مصيري، بينما يجد المؤمن طريقه واضحًا في ضوء الوحي؟
وإذا كانت سورة الشورى تجمع بين كمال الوحي المطلق وقصور العقل البشري، فكيف نتعلم فن الاستجابة لأمر الله، وفن الشورى بين البشر، دون أن نخلط بين المقامين، فنستشير في حكم الله، أو نستبد برأينا في شؤون دنيانا؟
سؤال الحباب بن المنذر
يا رسول الله… أهو منزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
هكذا تساءل الحباب بن المنذر عشية بدر وعيناه تمسحات تضاريس المعركة القادمة..
سؤال يلخص الكثير…
والإجابة جاءت قاطعة حاسمة ممن لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة».
هنا تحرك الحُباب، وأشار بتغيير موقع الجيش إلى أقرب ماء وبيّن للنبي ﷺ وجه الرأي الذي أشار به… استمع إليه رسول الله ﷺ ثم أمر بالتحول حيث أشار الرجل. إلى ماء بدر!
حقيقة القصور البشري وتداعي الخوف
تخيل ثقل هذا الموقف.
أرض لا يألفها.. الجيش من خلفه، والعدو يزحف أمامه.
القرار الذي سيتخذ في هذه الثواني سيحدد أين يقف الرجال، وكيف تبدأ المعركة، ومن سيعيش ليروي القصة.
في مثل هذه اللحظة، أسهل خيار على أي قائد أن يظن أن اتساع عقله يكفي لاحتواء المشهد، وأن العلم الذي في رأسه تغنيه عن عقول الآخرين.
الاستجابة والشورى
فما بالك لو كان هذا القائد يوحى إليه وهو خير من مشى على الأرض؟!
لكن المشهد هنا يقلب تلك الموازين المعتادة.
النبي الذي يوحى إليه، يجلس على رمال الأرض، ويسأل أصحابه عن رأيهم في أمر من أمور الدنيا.. يستمع من أحدهم، ثم يأخذ برأيه وينفذه.
فما بالك بنا؟
نحن البسطاء محدودو التفكير والتوفيق كثيرو الزلل والخلل..
هذا الموقف نموذج للفصل بين مساحتين ينبغي التفريق بينهم والتعامل مع كل منهما بما يناسبه..
هناك ما يأتي من الله، فينحني له القلب والعقل استجابةً وتسليماً.
وهناك مساحة دنيوية يُترك فيها مجال للنظر والاجتهاد، فتفتقر إلى كدح العقول وضم مصابيح البشر إلى بعضها.
أنت لست مطالباً بأن تعرف كل شيء
إن الإنسان مهما اتسعت مداركه وخبراته وتراكمت تجاربه = يظل كائناً لا يرى المشهد كله.
قد يرى الآخر ما يغيب عنك، وقد ترى أنت ما يغيب عنه.
قد تقف في منتصف الطريق.. تتأمل خياراتك المفتوحة كأفواه ذئاب جائعة.
تمتلك كل المعطيات الممكنة؛ أرقام، إحصائيات، حسابات احتمالات، ونصائح مجانية تتساقط عليك من كل عابر.
الوحي يوحد المصدر.. والشورى تضبط التعامل
الطرق أمامك كثيرة إلى حدٍّ يثير الذعر وكل طريق على مدخله من يحمل لافتة تقول: أنا الصواب المطلق.
أحدهم يقول لك: اتبع عقلك وآخر: اتبع تجربتك وثالث يمد لك كتاباً من مئات الصفحات ويخبرك أن الحل كله هنا ورابع يتحدث بثقة رجل يعرف أين ينتهي العالم، رغم أنه ربما لم يخرج من حارته منذ سنوات.
وأنت تقف بينهم تحمل في رأسك ذلك العقل الذي طالما تفاخر الإنسان بقدراته، ثم تكتشف فجأة أنه محدود بصورة مؤلمة.
تشعر ببرودة مألوفة تسري في أوصالك.. أنت خائف.
تعرف أشياء كثيرة… نعم.
لكن كم شيئاً تجهل؟
كم قراراً اتخذته يوماً وأنت تملك نصف الصورة فقط؟
وكم مرة بدا لك الطريق واضحاً، ثم اكتشفت بعد سنوات أن الجزء الذي لم تره كان أهم مما رأيت؟
عقلك الذي تتباهى به، والذي تظن أنه مركز القيادة في هذا الكون، يبدو فجأة كمصباح يدوي رديء ببطارية توشك على النفاذ في غابة شديدة الظلمة.
مصباح يضيء بضعة أمتار أمام قدميك، ثم يترك الغابة كلها غارقة في الظلام.
كل خطوة للأمام هي مقامرة غير محسوبة، وكل التفاتة للخلف هي حسرة على ما فات.
هذا الخوف المقيم.. هذا القلق الذي ينهش أطراف طمأنينتك.. هذا الإدراك القاسي بأن معرفتك مهما اتسعت؛ تظل مجرد قطرة تافهة في محيط مرعب من الجهل؛ كل ذلك يلخص حقيقتك:
مخلوق قاصر. كائن محدود. لا يبصر إلا ما يقع تحت موطئ قدميه.
سر التسمية: الكمال المطلق والقصور البشري
من هنا دوما أحب أن أتدبر سورة الشورى.
الحق أنها سورة عجيبة حتى في اسمها.
هي من أكثر السور امتلاءً بذكر الله وأسمائه وصفاته..
تتحدث عن علوه وعظمته، وملكه، وعلمه، وقدرته، ووحيه، وحكمه، ورحمته، وعفوه، ولطفه…. ثم تُسمى باسم قيمة بشرية: الشورى.
لعل هذه المفارقة هي أول مفتاح للسورة.
ثمة كمال مطلق في السماء، وقصور أصيل في الأرض.
الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء علماً، كامل القدرة، كامل الحكمة، لا يخفى عليه شيء، ولا يحتاج إلى عقل آخر يضيف إلى علمه شيئاً.
أما الإنسان فمهما بلغ من العلم، يظل علمه محاطاً بأسوار جهله ومحدودية تفكيره.
ولهذا كان من أهم ما تقرأ في السورة تلك الآية التي تقف أمامها النفس طويلاً وتعد عند علماء العقيدة أجمع آيات التنزيه الإلهي:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى:11].
كما ترى… تنزيه مطلق عن الشبيه والمثيل ثم إثبات لصفات الكمال.
لا يشبهه شيء، وهو السميع البصير.
إنها عقيدة كاملة في جملة واحدة؛ تنزيه يقطع الطريق على التشبيه، وإثبات يثبت له كمال السمع والبصر.
ثم تمضي السورة في تعريفك بربك:
{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.
{أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
{فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ}.
{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}.
{وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}.
{إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
ما سبق هو نذر يسير من الكلام عن صفات الله وأسمائه في سورة الشورى.
وكأن السورة قبل أن تحدثك عن حياتك وكيف ستسير تأمرك بلطف: اعرف أولاً من الذي تتلقى عنه.
فإذا عرفت كمال الآمر، هان عليك أمر الاستجابة.
الاستجابة والشورى: التكامل والحدود
من هنا يظهر أحد أعظم الخيوط التي تنسج السورة كلها: الاستجابة والشورى.
حين يتكلم ربك.. حين يأمر أو ينهى.. حين يوجه ويستحب.. المطلوب الاستجابة.
لذا تتكرر مادة الاستجابة في السورة بصورة لافتة..
{وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ}[الشورى:26]..
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾[الشورى:38]، ثم يأتي الأمر المباشر: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾[الشورى:47]
المسألة في غاية البساطة والوضوح..
إذا جاءك حكم من الله، فأنت أمام كمال لا ينتظر تحسينا منك، وحكمة لا تحتاج إلى مراجعة بشرية.
هنا تنتهي وظيفة الرأي ولا يكون لها مكان..
حين يأتي الوحي من الله العليم الحكيم = ينحني العقل المؤمن أمام النص ويسلم تسليم مسافر غريب لخريطة رسمها من يعرف الأرض كلها، بينما هو لا يرى إلا المنعطف القريب.
لهذا تقطع السورة خط الرجعة على كل جدال، وتضع القاعدة الصارمة لفض أي اشتباك:
{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}[الشورى:10].
حين تتضارب الأهواء، وتتصادم الآراء، ويصل العقل البشري المحدود إلى طريق مسدود = يُلجأ لهذا الكمال المطلق لينهي الحيرة ويحسم النزاع.
ثم تعقبها تلك الجملة التي تفيض بالرهبة.. رهبة العبد الذي أدرك حجمه الضئيل فعرف مقام ربه..
{ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}[الشورى:10].
ذلكم الله.
تأمل اسم الإشارة هنا.. ينبض بالتعظيم المهيب حين يعبر عن العلو الشاهق بين مقام الألوهية الكامل، ومقام البشرية القاصر.
ذلكم الذي بيده مقاليد الحكم ووحيه هو المرجع الذي تتقاطع عنده كل الخطوط، وتتلاشى أمامه كل الادعاءات.
ربكم الذي لا يضل في اختياره، ولا ينسى في تدبيره.
فإذا كان الأمر أمره حصراً، فحكمه هو الحد الفاصل الذي تُطوى عنده الصحف، وتُسكت أمامه كل الأصوات.
لكن ثمة مساحة في هذه الدنيا، تتغير أحوالها، وتتبدل ظروفها باستمرار.. تتعاظم مسائلها المتجددة، بحيث لا يأتي فيها نص تفصيلي خاص لكل حادثة تطل برأسها.
هنا بالتحديد، يعود الإنسان إلى حقيقته وطبيعته الأصلية: كائن محدود. ناقص الأداة. يحتاج إلى غيره اضطراراً لا ترفاً.
يرى من زاوية ضيقة، بينما قد يرى آخر من زاوية أخرى ربما كانت هي المفقودة في لوحته.
قد يملك هو الخبرة النظرية، ويمتلك الآخر تجربة حياتية عميقة لم يعشها.
وقد يرى هو بداية المشكلة بوضوح، ويرى صاحبه نهايتها التي تعمى عنها بصيرته.
من هنا تولد “الشورى”.. وتظهر حكمة التسمية التي حملتها السورة العظيمة..
تخيل نملة خرجت من مستعمرتها تبحث عن الطعام.
تسير. ثم تتوقف. تغيّرات اتجاهها. تلتقي بنملة أخرى.
تلمس قرنيها بقرنيها، ثم تنطلق إحداهما في اتجاه، وتتبعها الأخرى.
لا توجد عند النملة خريطة معلقة في مكان ما.. ولا توجد نملة قائدة تجلس فوق تل مرتفع ترى الصحراء كلها.
كل نملة تملك قدرًا ضئيلًا من المعلومات.
رائحة هنا أو أثر هناك أو طريق جُرّب من قبل.
رغم ذلك تستطيع مستعمرة كاملة من النمل أن تتصرف كأن لها عقلًا واحدًا.. ببساطة لأن كل فرد فيها يضيف شيئًا صغيرًا إلى الصورة.
النملة لا تحتاج أن تعرف كل شيء. يكفي أن تعرف ما تعرفه، وأن تستفيد مما تعرفه الأخرى.
الإنسان يمتلك عقلًا أعقد بكثير رغم ذلك قد يقضي عمره كله يرفض أن يقول: ربما يرى غيري شيئًا لا أراه.
الله سبحانه لم يترك الإنسان بلا عقل ولا بصيرة حتى ينتظر نصاً في كل تفاصيل حياته اليومية الدقيقة.
والشورى إنما شرعت بين الناقصين والقاصرين؛ لأن كلًّا منهما يرى قطعة من الصورة التي قد تغيب تماماً عن الآخر.
أما حكم الله وشرعه، فمصدرهما العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
أنت لا تستشير مع حكم قطعي من الله؛ لأن ربك سبحانه كامل العلم مطلق الإحاطة.
بينما تستشير إنسان أو مجموعة من البشر لأنك ناقص العلم محدود الإدراك تضم مصباحك الضعيف إلى مصابيحهم فتصبح الغرفة المظلمة أقل عتمة، وأكثر اتضاحاً.
المشورة إنما نكمل بها شأننا الدنيوي العابر… أما أمر الله المطلق فلا يخضع للمداولة ولا يوضع على طاولة المفاوضات.. استجيبوا وحسب.
لعل هذا هو السر في الاسم الذي توجت به السورة.
الإنسان يحتاج إلى الشورى لأن عينه البشريّة العاجزة لا ترى المشهد كله لهذا جاءت الآية الجامعة لتؤكد هذا النسق الفريد:
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}[الشورى:38].
تأمل دقة الترتيب وبلاغته.
استجابة مطلقة لله أولاً. ثم شورى منضبطة بينهم ثانياً.
هنا تنتظم العلاقة وتستقيم بوصلة الوجود.
مع الوحي الإلهي: استجابة وانقياد. وفي شؤونكم الأرضية: شورى وتكامل.
خطورة الاستبداد بالرأي وافتراق الأمم
لكن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان وأشده دماراً هو أن يقلب هذه المعادلة برمتها.
أن يتعامل مع أمر الله الثابت وكأنه ملف مفتوح قابل للمساومة والتعديل، ثم يتعامل مع رأيه الشخصي القاصر وكأنه وحي منزه لا يجوز الاقتراب منه أو الاختلاف معه ثم يستبدل الشرع القويم برأيه الهش، ثم يستبد برأيه المتغطرس في شؤون دنياه ودينهم.
عندئذ يبدأ الخلل المروع، وينفرط العقد الذي لا يبرأ.
ولقد شرحت السورة هذا الانفراط وبينت أنه سبب تمزق الأمم بعبارة قصيرة جامعة:
{وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}[الشورى:14].
العلم جاء. لكن النفوس جاءت معها بأمراضها: حسد، كبر، تنافس، رغبة في الغلبة.
هكذا يستطيع الإنسان أن يمتلك الحقيقة ثم يتقاتل عليها حتى تضيع منه..
لذلك كان علاج السورة عجيباً في شموله ودقته..
الوحي يوحد المصدر. والشورى تضبط التعامل بين البشر. والعدل وحدود الشرع تمنع الشورى من التحول إلى فوضى.
{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}[الشورى:13].
كم هو مدهش أن تُختصر الوصية الجامعة عبر أجيال الأنبياء في أمرين: أقيموا الدين، ولا تتفرقوا فيه..
إن إقامة الدين تحتاج إلى اجتماع القلوب والاجتماع يحتاج إلى قلوب تعرف حدودها.
والقلب الذي يعرف أنه بشر قابل للخطأ = يسهل عليه أن يسمع.
من هنا تصبح الشورى فضيلة أخلاقية قبل أن تكون آلية لاتخاذ القرار.
أن تجلس مع غيرك وفي داخلك مساحة لاحتمال أنك قد تكون مخطئاً. هذه المساحة الصغيرة في النفس قد تمنع كوارث ضخمة.
الاستبداد لا يبدأ في النفس كبيرًا. هو يبدأ بفكرة صغيرة: أنا أعرف أكثر.. بل أعرف ما يكفي.
ثم تتضخم الفكرة حتى يصبح صوت الآخرين في أذنه إزعاجاً، ونصيحتهم وقاحة، واعتراضهم خيانة.
أما ذلك الذي يعرف قدر نفسه وحدود بشريته؛ فيستشير… ثم إذا ظهر له الحق أخذ به. لا يشعر أن قبول الصواب من غيره ينتقص من قدره.
لكن البعض يفضل أن يخطيء برأيه على أن يصيب برأي الآخرين. وهذه واحدة من أكثر حماقات النفس البشرية كلفة لو يعلمون..
الأمان في رحاب اسم الله “الولي” واختبار الرزق
لكن سورة الشورى، وهي تفكك كبرياء العقل البشري، لا تتركه وحيداً في مواجهة ضعفه.
القرآن لا يعري الإنسان من أوهامه ليتركه في العراء ولكنه ينزع عنه قشرة الغرور ليلبسه في الوقت نفسه درع الطمأنينة.
فبعد أن كشفت لك السورة قصور إمكاناتك، وحاجتك الماسة لمصابيح الآخرين في دنياك، وبعد أن وضعتك في حجمك الطبيعي في مقابل الكمال الإلهي المطلق = تفتح لك نافذة أخرى تطل منها على أمان الوجود.
نافذة تخبرك أن ربك العظيم.. هو الولي.
{فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[الشورى:9].
ومن غيره يتولى أمرك؟
ما أضعف الإنسان حين يكتشف فجأة أنه لا يملك زمام أي شيء في حياته.
تخطط لشهور طويلة.. ترتب أوراقك وتحسب خطواتك بدقة رياضية صارمة.. ثم يأتي اتصال هاتفي واحد في دقيقة واحدة، ليقلب الخطة كلها رأسًا على عقب.
تبني أملاً عريضًا على شخص تظنه الجدار الذي لا يميل = ثم يسقط الشخص وينهار الجدار.
تتعلق بسبب مادي تراه طوق النجاة الأخير.. فيُسحب السبب من يدك في اللحظة التي تمد فيها أصابعك.
تقف في منتصف الليل، وحيداً في غرفتك أمام مشكلة خانقة لا تستطيع شرحها حتى لنفسك، ناهيك عن شرحها للناس.
الإنسان بطبعه الهش يبحث دائماً عن سند. عن ظهر يستند إليه. عن “ولي”.
لكنه في غمرة خوفه وضعفه قد يتعلق بوهم، ويظن أن الأسباب الأرضية هي التي تملك حمايته.
لهذا تقطع السورة هذه الحبال الوهمية بقاعدة حاسمة:
{وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}[الشورى:31]
لا مفر. أنت لا تعجز الله في الأرض مهما امتلكت من أدوات، ولن تجد ملجئا خارج سلطانه.
وأولئك الذين يركضون خلف البشر، ويحتمون بالوجاهات والقوى الأرضية، يصفهم القرآن بجملة حاسمة تنهي كل جدال:
“وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ”[الشورى:6]
هم في سلطان الله أصلاً.. فكيف يستجير المسكين بمن هو مثله سواء في العجز؟
كيف يترك “الولي” الحق، ويتعلق بظل سيزول مع أول شعاع شمس؟
هنا.. وهنا تحديداً.. تتجلى قيمة معرفة هذا الاسم العظيم في حياتك.. “الولي”.
الذي يتولى أمرك حين تتخلى عنك حيلتك. يدبر شأنك حين ترتبك بوصلتك.
وليُّك الله الذي لا يلزمك أن تنمق له الكلمات، أو تشرح له كل التفاصيل المزعجة كي يعلم ما بك.. هو يدرك انكسار صوتك، ويرى رجفة قلبك، ويعلم ما تخبئه تنهيدتك المكتومة.
ثم تأتي الآية التي تغسل القلب. الآية التي تواسي كل من انقطعت به السبل ووصل إلى حافة الانهيار..
“وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ”
تأمل الكلمة بدقة.. “مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا”.
القنوط هو أقصى وأعمق درجات اليأس.. اللحظة التي تسقط فيها يدك إلى جوارك، وتجف فيها روحك، وتتأكد تماماً أن الأبواب كلها قد أُغلقت تماما.
في هذه اللحظة بالذات يتنزل غيثه.. وهو لا يكتفي بإنزال الغيث ولكن… “وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ”.
ذلك لأنه هو “الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ”. وولايته ليست ولاية جافة أو مجرد إنقاذ مادي.. هي ولاية تحفها الرحمة، وتستوجب الحمد الدائم.
لكن.. في مقابل كل هذا الجمال في معاني الولاية ثمة وجه آخر مخيف.
ماذا لو فقدت هذه الولاية؟ ماذا لو طغى الإنسان، وظلم نفسه، واستغنى برأيه وعناده عن ربه؟
هنا يتحول السياق في السورة إلى إنذار يهز الكيان. الخسارة الحقيقية ليست في فقد مال أو جاه ولكن في أن تُرفع عنك هذه الولاية، فتُترك لنفسك.
تتكرر هذه الضربات المهيبة حول رفع الولاية في السورة ثلاث مرات، كأنها مطارق توقظ الغافلين، وترسخ في مسامعهم حقيقة التخلي..
“وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِیرٍ”
“وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ ۗ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ”[الشورى:44]
“وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ”[الشورى:46]
إنه الانكشاف الكامل لحقيقة أن توكل لنفسك! أن تقف في أشد أزمات الدنيا، أو في ساحة القيامة، وتتلفت حولك.. فلا تجد ولياً، ولا نصيراً. الأسباب تقطعت والوجوه تنكرت والسماء أُغلقت.
المعادلة إذاً حاسمة جداً ولا تقبل القسمة.. إذا سقطت كل الأسباب التي كنت تظنها سنداً نهائياً، لن يبقى لك إلا مسببها.
ثم.. وفي وسط هذا الشعور بالافتقار التام، يأتيك في السورة ذلك الاسم الذي يربت معناه على كتف قلبك بحنان بالغ..
{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}[الشورى:19].
يا لها من تركيبة قرآنية تأخذ بالألباب: لطيف.. قوي.. عزيز.
لطف بلا ضعف. وقوة بلا ظلم أو بطش. وعزة لا تخالطها حاجة.
البشر إذا لطفوا ببعضهم قد يكون لطفهم عن عجز أو ضعف، وإذا قووا واعتزوا قد يطغوا ويتجبروا.
أما ربك جل جلاله؛ فقوته تحرس لطفه، ولطفه يزين قوته.. يأتيك بالفرج من مأمن الخوف، ويسوق إليك الرزق من حيث ظننت الحرمان.
ثم تشرح لك السورة – بهذا اللطف والقوة – شيئاً مما وراء المنع والعطاء.. شيئاً من حكمته الخفية في رزقك الذي طالما شقيت بالتفكير فيه:
{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ}[الشورى:27].
كم من شيء بكينا بحرقة لأن الله لم يعطنا إياه؟
كم من دعوة ألححنا فيها، وتململنا في سرائرنا حين تأخرت إجابتها؟
ثم تمر السنوات.. وتنجلي الغمامة.. فتلتفت إلى الوراء لتكتشف الحقيقة المذهلة:
لقد كنت تبكي على شيء لو أعطاك الله إياه، لأفسد عليك دينك ودنياك! لقد كان المنع هو عين العطاء، وكان الحرمان هو الحماية ذاتها.
الطفل الصغير يظن أن الدواء المر عقوبة، وأن منعه من اللعب بالسكين اللامعة هو ظلم وقسوة من والديه.
والمرء يفعل الشيء نفسه مع أقدار الله وألطافه مع فارق رئيسي: لقد صارت ألعابه أكثر تعقيداً وأغلى ثمناً.
يطلب ويصر ويحسب أرقامه. ثم يغضب لأن خزائن السماوات لم تستجب لجدوله الزمني البشري المتعجل بينما الآية توقظه بهدوء وتذكره بالسبب:
{إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}.
هو يرى ما لا ترى ويعلم ما لا تعلم.
وأنت الذي علمتك السورة من قبل أن مصباح عقلك صغير محدود لا ينير إلا بضعة أمتار.. فكيف تظن أنك ترى عواقب الأمور كما يعلمها “الخبير البصير”؟
إن من كمال رحمته بك أنه لا يعطيك دائماً ما تطلبه بجهلك.. ولكنه يعطيك ما تقتضيه حكمته، وما يصلح به حالك في مآلك، حتى وإن أوجعك المنع في بدايته.
وحتى إن كان الأمر حرمانا حقيقيا فثمة قاعدة أخرى ترسخها السورة..
{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}[الشورى:30].
معنى ثقيل لكنه مهم يسحب من الإنسان واحدة من أكثر الحيل راحة: أن يعفي نفسه دائماً من مراجعة ما كسبت يداه، أن يبحث دائماً عن سبب خارجي لكل نقص في حياته.
هذه الآية تضع المرآة أمامه: فبما كسبت أيديكم.. وهو مع كل منع أو ما تراه عقابا = {وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}.
كثير. كم هي مخيفة هذه الكلمة لو تأملناها، وكم هي مريحة في الوقت نفسه..
فما وصل إلينا من تبعات أفعالنا، مهما كان مؤلماً، جاء معه عفو واسع عن أشياء لا نراها.
كم خطأ مرّ ولم نُحاسب عليه في الدنيا؟ كم ذنب ستره؟ كم سوء تدبير كان يمكن أن يورث كارثة، فصرف الله أثره؟
نحن نحيا تحت سماء مليئة بعفو لا نراه.
هذه الآية لا تدفعك إلى جلد ذاتك، وإنما إلى مراجعتها. أصلح الخلل الذي في يدك، واستظل في الوقت نفسه بسحابة العفو.
الوحي روح ونور وسلوك المؤمن الكامل
ثم تتقدم السورة خطوات أخرى لتصل إلى الكلام عن صفة أخرى من صفات الله هي التي من تجلياتها كل ما قدمنا.. صفة الكلام..
والقرآن هو كلام الله.. وحيه الذي وصف في السورة وصفاً يهز القلب:
{وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا}[الشورى:52].
روحاً. من أجمل ما وصف الله به الوحي.
إن الجسد بلا روح قطعة لحم باردة. قد تكون ملامحه كاملة، لكن سر الحياة قد غادره.
وكذلك القلب: قد يمشي صاحبه، يعمل، يضحك، يخطط، ويملأ هاتفه بالصور.. لكن في داخله شيء ميت.
القرآن جاء روحاً تحيي.. يعيد الحركة إلى ما تجمد ويرجع الحرارة إلى القلب الذي برد. يفتح نافذة في غرفة داخلية ظل الإنسان سنوات يعيش فيها دون هواء.
{مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}[الشورى:52].
روح ونور.
إن السورة التي بدأت مع الإنسان وهو يقف في منتصف الطريق، يحمل مصباحه الصغير = تنتهي وهي تعطيه الطريق.
فقبل أن تطوي السورة صفحاتها المليئة بجلال الأسماء والصفات، لا تتركك تائهاً في زحام الحياة قبل تضع بين يديك دستوراً مكثفاً.. كأنه بوصلة للنجاة:
“فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ”[الشورى:15].
يالها من آية.. تأمل توجيهاتها القصيرة المتلاحقة:
ادعُ. واستقم. لا تتبع الهوى. أعلن إيمانك. ثم اعدل. واعلم أن الجميع سيعود في النهاية ليقف بين يدي الله.
ثم تنتقل السورة خطوة أخرى، لترسم الملامح النفسية والاجتماعية لذلك المجتمع الذي تشرب هذا الوحي وعمل بتلك التوجيهات..
“وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”[الشورى:38]
ثم: “وَالَّذِينَ إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ”[الشورى:37]
ثم: “وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ”[الشورى:39]
ثم الميزان الدقيق الصارم: “وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا”[الشورى:40]
حقك في دفع الظلم محفوظ ولا غبار عليه. لكن السورة تفتح لك باباً أعلى لشفاء الصدور:
“فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ”[الشورى:40]
ثم تبلغ القمة الإنسانية:
“وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكُ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ”[الشورى:43]
كأني أرى من طبق ذلك في لوحة إنسانية بديعة في اتزانها.. انظر إلى الصورة كاملة…
إنسان يستجيب لربه… يصلي ويتصل بمولاه.. يشاور من حوله فيما لا توجيه معصوم فيه ولا يعلو برأيه. ينفق مما أُعطي… يضبط فورة غضبه. يدفع الأذى بقوة إذا وقع عليه ولا يرضى المهانة.. لكنه يعفو حين يكون العفو إصلاحاً للقلوب، ويصبر ويغفر.
هذه هي الثمرة العملية الصادقة لذلك الكمال التوجيهي الذي تفيض به آيات سورة الشورى ومعادلتها الدقيقة:
كلما اتسعت معرفتك بالله = ضاقت مساحة الغرور فيك.
تعرف أنه “العلي العظيم”.. فتعرف أنت حجمك الطبيعي.
تعرف أنه “الولي”.. فتتوقف عن تعلقك بالأسباب ورجاء البشر.
تعرف أنه “اللطيف”.. فتطمئن لتدبيره الخفي.
تعرف أنه “العليم”.. فتستسلم لحكمته حين يوجعك المنع.
تعرف أنه “الغفور”.. فتجد طريق العودة مفتوحاً بعد كل خطأ وكسر.
وتعرف أنه “السميع البصير”.. فتستحي مما تخفيه عن أعين الناس.
ثم.. تعرف أنك مجرد بشر محدود. فتستشير.
سورة الشورى ليست درساً أكاديمياً في الإدارة، ولا مجرد آلية لاتخاذ القرار.
هي تربية متكاملة للإنسان، ليعترف بحدوده.
أن تعترف، بكل شجاعة، أنك لا ترى المشهد كله وأن تطمئن، بكل يقين، أن هناك من يرى كل شيء..
فإذا جاء حكمه الواضح = استجبت وانحنيت.
وإذا تُرك لك مجال النظر والاجتهاد في شؤون دنياك = شاورت وتواضعت.
وإذا أخطأت، رجعت.
وإذا ضاقت بك حيلتك، توكلت.
وإذا نزل بك البلاء، راجعت نفسك وتعلقت بحبل عفوه.
وإذا اختلفت مع الناس وتضاربت الآراء، رددت الأمر إليه.
وهكذا، تنتظم كل هذه الفوضى بداخلنا.
الخاتمة
ثم تمضي لتصل السورة إلى نقطة النهاية، حيث تتجمع كل خيوط الوجود المتناثرة في آية جامعة:
“وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ”
ألا إلى الله تصير الأمور.
كلمة تذيب كل جبل من القلق في صدرك!
كل شيء يعود إليه..
القرارات التي أرهقتك والأشياء التي عجزت عن فهمها والطرق التي احترت في الاختيار بينها… الأرزاق التي تأخرت عن موعدها في ظنك والأبواب التي أُغلقت في وجهك والناس الذين خذلوك ببرود وأيضا الذين نصروك بحب وكل سؤال ظل معلقاً في رأسك ينزف لسنوات.
كل ذلك.. يصير إليه.. إلى الله.
فماذا يتبقى لك إذن؟
يتبقى أن تعرف قدرك، وأن تعرف ربك.
أن تمشي في هذه الدنيا بعقل يعترف بأنه محدود، وقلب ينبض باليقين أن له رباً يحيط بكل شيء.
هذه ربما كانت الرسالة الأعمق والأكثر دفئاً التي تحفرها سورة الشورى في جدار قلبك:
أنت لست مطالباً بأن تعرف كل شيء. أنت مطالب فقط أن تعرف، وتثق، فيمن يعلم كل شيء.
ثم.. حين تعصرك الأيام وتضيق بك الأرض، تتذكر: “فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ”.
وحين تنظر إلى ركام أخطائك بخجل، تطمئن: “وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ”.
وحين يبرد قلبك في صقيع الحياة، تستدفئ بـ: “رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا”.
ثم ترفع رأسك، وتكمل السير.
نعم.. قد يكون الطريق طويلاً جداً.
والمصباح الذي تحمله في يدك صغير وإضاءته محدودة.
لكن اطمئن.. من خلق الطريق وأمرك بالسير يدرك كل شيء..
المصدر
كتاب: “مفاتيح سور القرآن”، فصل سورة الشورى، محمد علي يوسف، بتصرف.


