كيف يمكن لدولةٍ حققت مكانتها ونفوذها في العالم الإسلامي بفضل تكوينها كدولة حضارة خادمة للحرمين الشريفين وحارسة للهوية والوحدة الإسلامية السنية، أن تتخلى عن الحضاري الديني وتعانق القومي الوستفالي، فتقع في مأزق جيوبوليتيكي وجودي؟ وكيف اكتشفت السعودية فجأة أن المال لم يعد كافياً، والإيديولوجية تبدلت، حيث تدعو الجميع للمساعدة والتدخل ولا مجيب؟ وقفةٌ مع أسباب المأزق الجيوبوليتيكي الوجودي الذي تعيشه السعودية، وصعود دول الحضارة وأفول الدول القومية، والانقلاب على الوهابية، وتغيير سردية بناء المملكة.
أسباب المأزق الجيوبوليتيكي الوجودي
صعود دول الحضارة وأفول الدول القومية
ثمة أسباب جذرية عميقة للمأزق الذي تعيشه السعودية اليوم في ظل بروز ديناميكيات جيوبوليتيكية خطيرة ترتكز إلى صعود دول الحضارة وأفول الدول القومية، فقد جادلت على مدى سنوات أن السعودية تسير ضد منطق التاريخ الذي يشهد عملية تحول ثقافي باتجاه دول حضارة تستند إلى وجود كيان سياسي يمثل حضارة متكاملة وذات هوية تتمتع بجذور تاريخية عريقة تتجاوز مجرد الحدود القومية أو العرقية (الوستفالية).
السعودية تخلت عن الحضاري الديني وعانقت القومي الوستفالي
لكن السعودية التي حققت مكانتها ونفوذها في العالم الإسلامي بفضل تكوينها كدولة حضارة خادمة للحرمين الشريفين وحارسة للهوية والوحدة الإسلامية السنية، قررت في لحظة غريبة خلق مفارقة عجيبة بالتخلي عن الحضاري الديني ومعانقة القومي الوستفالي.
الانقلاب على الوهابية وتهميش السلفية
فقد توجت سلسلة من الإجراءات الراديكالية المتطرفة بتقليص نفوذ السلفية الوهابية والتي اعتبرت عند ظهورها حركة إصلاحية أثرت في كافة أرجاء العالم الإسلامي، فجرى تهميشها وإفراغها من محتواها العقدي تدريجياً، وبدلاً من إصلاحها وتقويمها كما حاول رشيد رضا وتلامذته في الدولة الثالثة، انتهى الأمر إلى تبني نسخة سلفية غريبة من “المدخلية” عملت كجهاز ديني إيديولوجي شكل شكيمة للدولة والتي اختزلت بطاعة “ولي الأمر”.
تغيير سردية بناء المملكة السعودية
يوم التأسيس 1727 بدلاً من 1744
وسرعان ما قامت السعودية بتغيير سردية بناء المملكة السعودية في 27 يناير/كانون الثاني 2022، عندما أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً ملكياً باعتبار يوم 22 فبراير/شباط يوماً وطنياً يحمل اسم “يوم التأسيس”. يصادف هذا اليوم ذكرى “بدء عهد الإمام محمد بن سعود وتأسيسه للدولة السعودية الأولى”، والتي تأسست، بحسب الأمر الملكي، في فبراير/شباط 1727. ويشكل هذا الحدث أهمية سياسية كبيرة كونه يشير إلى القطيعة الجذرية مع الوهابية ونفوذها السياسي الذي أضفى شرعيةً للمشاريع السياسية السعودية المتعاقبة منذ عام 1744.
الانفصال عن السلفية الوهابية وتأسيس أسطورة سياسية جديدة
فاختيار عام 1727 بدلاً من 1744 عاماً تأسيسياً للدولة لا يعني فقط الانفصال عن السلفية الوهابية، بل يؤسس لأسطورة سياسية جديدة، حيث كان الموضوع الأساسي للتغيير السياسي في السعودية هو زيادة النزعة القومية وتخفيف النزعة الدينية، وبات ما تعلمه السعوديون لعقود أن الدولة نشأت بتحالف بين الشيخ والإمام مجرد خرافة.
تصريح سفير السعودية في بريطانيا
فقد صرح الأمير خالد بن بندر بن سلطان، سفير المملكة العربية السعودية لدى بريطانيا، في جلسة حوارية بجامعة أوكسفورد عام 2022، بأن القيادة السعودية لا تستمد شرعيتها من الدين بل من كونها قيادة سياسية وقبلية استطاعت توحيد البلاد والتغلب على القبائل.
صعوبة هضم السردية الجديدة
الانقلاب على سردية راسخة توارثت لأجيال
إن الانقلاب على سردية راسخة توارثت لأجيال وأثبتت فاعليتها وقوتها، وتأسيس سردية مضادة، يصعب هضمها، بالركون إلى رأسمالية ليبرالية قبلية مالية، لكن المال الذي تحول إلى ديانة في عصر الديون خالٍ من المعنى، وما ديانة ترامب عنكم ببعيد.
المال لم يعد كافياً
من “دبلوماسية الشيكات” إلى استراتيجية استثمارية وجيوسياسية
فقد توسعت السعودية بالاعتماد على قوتها المالية كأداة محورية في توجيه الدبلوماسية الاقتصادية لبناء نفوذها كقوة إقليمية ودولية. هذا التوظيف للمال السياسي تحول عبر العقود من “دبلوماسية الشيكات” التقليدية القائمة على المساعدات غير المشروطة، إلى استراتيجية استثمارية وجيوسياسية موجهة لخدمة مصالحها القومية واستقرارها، وفجأة اكتشفت السعودية أن المال لم يعد كافياً، والإيديولوجية تبدلت، حيث تدعو الجميع للمساعدة والتدخل ولا مجيب.
﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 63].
المصدر
صفحة حسن أبو هنية، على منصة ميتا بتصرف.


