كيف يجرؤ الكبيطي على تسمية طريقته بـ “المنهج النبوي”، ثم يعلن أنها “إذن من سيدنا رسول الله، وتربية من تعاليم رسول الله”، ليحصن نفسه ضد أي نقد أو اعتراض؟ ولماذا يصر على أن يكون واسطة بين المريد ورسول الله ﷺ؟ وكيف يمكن لرجل أن ينصّب نفسه “واسطة” بين الخلق والخالق، وهذا أحد مظاهر الشرك التي حاربها الخطاب التوحيدي في القرآن والسنة؟
الفصل الثاني.. ما مناسبة التسمية؟
يكشف الكبيطي سر تسمية طريقته الجديدة ب “المنهج النبوي”، فيقول: «سُمي المنهج النبوي بهذه التسمية نسبة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي». ص 11. والغرض الذي جاء الكبيطي لتحقيقه هو: «إحياء لنهج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربيته للصحابة». ص 11. الرسالة هنا هي: لا يصح الاعتراض على الطريقة الكبيطية والمنهج الذي جاء به الكبيطي، لأن هذا المنهج: «تسميته نسبة إلى سيدنا رسول الله، وإذنه من سيدنا رسول الله، وتربيته من تعاليم رسول الله» ص 13. وبناء على هذا، فإن النتيجة المنطقية هي أن أي اعتراض على الكبيطي أو انتقاد له أو تشكيك فيه هو عمليا انتقاد واعتراض وتشكيك في تعاليم وتربية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المرجعية المعيارية.. القرآن والسنة وهدي السلف
لكن، في الواقع مَن أراد أن يعرف منهج التربية النبوية للصحابة -ولنا بالتبع- فهناك مصادر واضحة لذلك وهي: القرآن “وتفاسير الأئمة”، وهناك السنة “وشروح الأئمة”، وهناك هدي السلف الصالح. فكل ما لم يتوافق مع معطيات هذه المصادر فهو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذب على الصحابة. وهذا لأن من أهم سمات ديننا “المرجعية المعيارية” التي تمكّننا من محاكمة الأشخاص والآراء والأعمال، ومعرفة الحق والباطل والصواب والخطأ، فإذا تجاوزنا هذه المرجعية المعيارية نكون قد وقعنا في “الشرك المعرفي”، وهو يدفع بنا نحو “الشرك النفسي”، وهو بدوره يحركنا نحو “الشرك العملي”. ولهذا لن تجد جماعة قديما وحديثا انحرفت عن هذه المرجعية المعيارية إلا وقد تلبّست بهذه الأنواع من الشرك بحسب مدى انحرافها وكثافته.
هل منهج الكبيطي يتوافق مع المصادر؟
فهل منهج الكبيطي -الذي سماها زورا وافتراء منهجا نبويا- يتوافق مع معطيات هذه المصادر؟ الجواب القطعي هو النفي. أول وأعظم أدلة ذلك، هو ادعاؤه أنه يتلقى من الله ورسوله، وطريقته جاءت بإذن الله ورسوله، وهذا كلام لم يقله -تاريخيا- إلا زنادقة الصوفية، والباطنية في أئمتهم.
ثم يكفي التذكير هنا -بالإضافة لما سنكتشفه خلال منشورات هذه السلسلة من خلال نصوص كتب الكبيطي- بقول الكبيطي في فيديو منتشر له: «مَن يبحث عن سيدنا رسول الله خارج القلوب الوارثة لسره فإنه يبحث عن السراب. فمن أراد أن يبحث عن رسول الله فليبحث عنه في صدور الوارثين للسر». فالكبيطي هنا عمليا يدعونا لتجاوز تلك المصادر الثلاثة: القرآن “وتفاسير الأئمة”، والسنة “وشروح الأئمة”، وهدي السلف الصالح. ونذهب إليه لنتعرّف على نبينا صلى الله عليه وسلم وإلا فنحن نبحث عن سراب… السراب الذي عاش فيه المسلمون طيلة 15 قرنا، إلا مَن ذهب إلى ورثة السر الإبليسي أمثال عزيز الكبيطي!
ادعاء الولاية والاجتباء الإلهي
والسؤال هنا: لماذا الكبيطي جاء يبشر بمنهجه؟ الجواب ببساطة هو لأن «الولاية انبثقت وانفجرت من النبوة، فالنبوة خاصة بالأنبياء، والولاية خاصة بأهل الله الذين اجتباهم الله سبحانه وتعالى لمقام الولاية ولمقام الإصلاح». ص 11، هذا يعني أن عبد العزيز من الأولياء وخاصة الله الذين اجتباهم الله! ويترتب على ذلك، أن أي رد أو رفض أو اعتراض على الكبيطي هو في الواقع رد ورفض واعتراض على الله الذي اجتبى الكبيطي ونصّبه لمقام الولاية والإصلاح. لهذا يجب على المريد ضرورة الحذر من مثل هذه الوساوس تجاه الشيخ المجتبى من الله!
وهذا المعنى الذي ذكره الكبيطي “أنا ولي الله، أنا مجتبى من الله، أنا لدي رسالة من الله ورسوله” يكرره في أكثر من موضع، والغرض هو ترسيخ هذه الفكرة في أعماق المريد ليتحقق ارتباطه الذهني والنفسي به، فيتضخم ويتقدس في وعيه، فيكون هو المحور لوجوده الروحاني، ومن ثم يصل المريد إلى مقام “الفناء في الشيخ” فيكون مؤهلا بذلك للانضمام إلى “أهل الله وخاصته”!
الكبيطي واسطة بين الخلق والخالق
يرجع الدجال الكبيطي مرة أخرى للتذكير بأن مسلكه وطريقته سماه بالمنهج النبوي: «لأنه دعوة إلى رسول الله الذي يربط الخلق بالله سبحانه وتعالى، فلا يمكن تجاوز سيدنا رسول الله وربط العباد مباشرة بالله سبحانه، لأن ذلك من مهمة الأنبياء وليس من مهمة الأولياء». ص 12، وهذا كلام حق، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يربط الخلق بالخالق، ولا يمكن تجاوزه في التعرّف على الله والوصول إليه. لكن، كيف يعرف المسلم الدينَ والمنهج الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليتعرّف على ربه ويصل إليه، وليكون من أهل الله خاصته؟ الجواب هو: القرآن “وتفاسير الأئمة”، والسنة “وشروح الأئمة”، وهدي السلف الصالح. فمن ترك هذه المصادر الثلاثة، وذهب يبني دعوته على غير معطياتها فهو على التحقيق دجال خبيث، يريد تأسيس طريقة موازية لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
لكن، لماذا يصر الكبيطي على أن يكون واسطة بيننا والله ورسوله؟ يجيب الكبيطي بقوله: «وجود الأولياء والمشايخ والمربين هو وجود واسطة بين العبد ونبيه، إذ يُعتبر الولي أو الشيخ ناقلا للمريد أو للعبد من الغفلة إلى الحضور مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبمجرد أن يتصل ذلك المريد بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله يكمل تربيته ويوصله إلى الله سبحانه، وهذا ما يقوم عليه المنهج النبوي في طريقته وتربيته». ص 13، قلت: المضمون المخفي في هذا الكلام هو: لا يمكن الارتباط بالله إلا عبر رسول الله، وطريقتي منبثقة مباشرة عن رسول الله، إذن لا يمكن الارتباط بالله إلا من خلال طريقتي، وإلا بقي الرافض مع المحجوبين.
الوساطة بين الخلق والخالق مظهر من مظاهر الشرك
هذا يعني أن الكبيطي نصّب نفسه “واسطة” بين الخلق والخالق، وهذا أحد مظاهر الشرك التي حاربها الخطاب التوحيدي في القرآن والسنة. فإن من مرتكزات الرؤية التوحيدية الإسلامية أن علاقة العبد بربه علاقة مباشرة بلا وسطاء ولا شفعاء، والواسطة الوحيدة بينه وبين ربه هو النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالة الوحي وبيان معانيه، وهنا ينتهي دوره صلى الله عليه وسلم، ولهذا لما أكمل الله تعالى الوحي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على ترسيخ هذا المعنى في عقول ونفوس الصحابة -ونحن بالتبع-، حتى وجدناه ينهى عن رفعه فوق مقامه الذي أنزله الله تعالى فيه، فقال: (لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه) [صحيح البخاري].
الحضور مع رسول الله.. بين المصادر المعيارية وادعاء الوساطة
ثم قول الكبيطي: «يُعتبر الولي أو الشيخ ناقلا للمريد أو للعبد من الغفلة إلى الحضور مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، هذا القول من التلبيس، فالمسلم واسطته إلى الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواسطته إلى رسول الله هو: القرآن “وتفاسير الأئمة”، والسنة “وشروح الأئمة”، وهدي السلف الصالح. فهذه المصادر الثلاثة تنقل المسلم من “الغفلة المعرفية” إلى “الحضور المعرفي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم”، كما أن التزام المسلم بالآداب النبوية مثل أذكار الصباح والمساء، والحرص على ورد قرآني يومي، ورواتب الصلوات، وأيضا التزامه بالتعاليم التشريعية بالتحاكم إليها والخضوع لها، كل هذا ينقل المسلم من “الغفلة النفسية” إلى “الحضور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وبقدر ما يزداد العبد المسلم امتلاء علميا من القرآن “وتفاسير الأئمة”، والسنة “وشروح الأئمة”، وهدي السلف الصالح، وبقدر ما يزداد حرصا على الآداب النبوية والخضوع للأحكام التشريعية، يكون حظه اليومي من “الحضور والشهود” لله ولرسوله.
الآية التي تؤصل المعنى
أصل هذا المعنى الذي أشرت إليه هو قول الله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [آل عمران:31]، فأنت ترى المعادلة هنا: مَن ادعى محبة الله، إذن يجب عليه اتّباع السنة في ظاهره وباطنه، وبقدر ما يتحقق من ذلك، يكون حظه من محبة الله له، مع المغفرة لذنوبه وتقصيره.
الأحاديث النبوية توجب الاعتزال عند ظهور الدجاجلة
ولهذا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (دُعاةٌ إلى أبوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهُم لَنا؟ فقال: هُم مِن جِلدَتِنا، ويَتَكَلَّمونَ بألسِنَتِنا، قُلتُ: فما تَأمُرُني إن أدرَكني ذلك؟ قال: تَلزَمُ جَماعةَ المُسلِمينَ وإمامَهم، قُلتُ: فإن لَم يَكُنْ لهم جَماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصلِ شَجَرةٍ، حتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وأنتَ على ذلك) [صحيح البخاري]، فانظر لهذا التوجيه النبوي الدال على أنه عند فساد الزمان وكثرة الفتن وظهور الدجاجلة ودعاة جهنم، يجب على المسلم أن يجتنب ذلك كله، ويلتزم بما يقرّبه إلى ربه حتى يدركه الموت. يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: (يوشِكُ أن يَكونَ خيرُ مالِ المسلِمِ غنمًا يتبعُ بِها شَعَفَ الجبالِ ومواقعَ القطرِ يفرُّ بدينِهِ منَ الفتنِ) [سنن أبي داود]، فمثل هذه الأحاديث تدل على أن المسلم ليس بحاجة أصلا إلى “شيخ وولي” لينقله من الغفلة إلى الحضور، بل هو بحاجة إلى أن يأخذ بنصيب -حسب الإمكان- من علم القرآن والسنة وهدي السلف، ثم يحرص على التزام السنة في حياته وعلاقاته ونشاطاته. وكل هذا قد فصّله رسول الله ﷺ بكلامه وأفعاله، وتتابع على بيانه الصحابة والأئمة من بعدهم. والله الموفق.
المصدر
صفحة نورالدين قوطيط، على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
كشف الدجال الكبيطي.. حين يدّعي وراثة السر ويُسقط جهود الأمة
الدجال الكبيطي في “المنهج النبوي”.. من ادعاء العصمة إلى إلغاء البرهان


