المعارك المصطنعة

كيف يمكن لشابٍ أن يخرج من معتكف رمضاني وقد تغيرت نظرته إلى قوم كان يكرههم أكثر من الكافرين المعتدين، بعد أن كان يرى فيهم شياطين يستخفون في مساليخ البشر، وصنعة يهود وماسونيين، وخطة لحرق البلاد وقتل العباد؟ وكيف يمكن لدعاية معتمدة على السيناريو المؤثر واللقطة الإنسانية المعبرة، بمشاركة علماء النفس والاجتماع وعلماء الدين، أن تشحن عشرات الألوف من ضباط الجيش والشرطة ورجال القضاء بهذا الحقد الأعمى، حتى يرتكبوا أفظع الجرائم دون أن يهتز لهم جفن؟ وقفةٌ مع معارك مصطنعة تكلف الأوطان أعماراً جديدة وأثماناً باهظة، بينما العدو الحقيقي ينتظر.

معتكف غيّر القلب.. من كره أعمى إلى محبة لا تُصدق

اعتكف معنا شاب منذ عدة سنوات في العشر الأواخر من رمضان.. جاء مع بعض أصحابه لِمَا أخبروه عنه من الأجواء الروحانية والإيمانيّة التي تعتري معتكفنا، وأظن أجواء المعتكفات كلها ملآى بمثل هذه الروحانيات..

عاش معنا المعتكف كله بصلواته، وخلواته، وسحوراته وإفطاراته..

رأى الكبير منا يخدم الصغير إن كان عليه الدور في الخدمة… فهو يقدم الطعام، ويغسل الأطباق، وينظف دورات المياه، ويُقِم المسجد..

ورأى كبار القوم وهم ليِّنون في أيدي صغارهم على ما لهم من هالة وقدر خارج المسجد..

سمع نشيج البكاء آخر الليل في صلاة التهجد، وحضر دعوات الختمات التي تُختم من المعتكفين على مدار الساعة!!

حضر دروس التفسير في العصر… ودروس السيرة عقب التراويح..

حضر الضحكات البريئة الجميلة، والشكايات المهذبة النبيلة..

حضر نُعاسنا في أذكار الصباح، وعيوننا الزائغة يمنة ويسرة مع الطعام القادم إلى المسجد عند أذكار المساء..

حضر ختمة التراويح، وصلاة الضحى بعد جلسة الذكر إلى الشروق..

حضر براءة الأطفال وهم يصخبون في المسجد، وضراعة الشيوخ وهم يبكون فيه كذلك..

حضر هذا كله… والعجيب أنه حضر مثل هذه الأجواء الإيمانية لأول مرة في حياته..

الصدمة.. كان يكره الإخوان أكثر من الكافرين

وحدث أن زارني أو زرته (لا أذكر تحديداً) في عيد الفطر الذي أعقب هذا المعتكف لأهنئه بالعيد وأسلم عليه..

وكان صاحبنا هذا حديث عهد بالجيش.. أنهى خدمته فيه منذ أشهر قليلة.. وكان في سلاح شديد الحساسية، أخبرني عنه حينئذ، ولا داعي لذكره..

وفي لحظة من لحظات الصدق مع النفس، والصراحة مع من يجالسه قال لي:

هل تعرف أنني كنت أكره الإخوان المسلمين أكثر من كرهي للكافرين المعتدين؟!

وأنني كنت كلما نزلت إلى مدينتنا في إجازة من الإجازات تمنيت لو كان معي سلاح لأقتلهم جميعاً به!!

وأنني كنت لا أطيق أن يجمعني بهم طريق واحد، أو تعامل واحد لكثرة ما كان في قلبي من كره لهم، وحنق عليهم!!

التوعية المشبوهة.. محاضرات شيطانية تغذي الكراهية

ذلك لأنني أول ما رُشحت للخدمة في سلاحي الذي كنت فيه، وجدتني أدعى لمحاضرات توعوية تصاحبها مقاطع تصويرية تتحدث كلها عن حسن البنا الماسوني، وعن الإخوان صنيعة اليهود، وعن خططهم التي لا تكاد تنتهي لحرق البلاد، وقتل العباد!!

حضرنا محاضرات حدّ الامتلاء… جميعها تتكلم عن هؤلاء الشياطين الذين يستخفون في مساليخ البشر، وكيف أنهم عدونا قبل الصهاينة، وأن خطر الصهاينة أهون ألف مرة من خطر الإخوان المسلمين!!

يقول صاحبي:

فامتلأت نفسي غلا وحنقاً عليهم، وكرهاً لهم لم أكرهه لغيرهم!!

وحتى عندما دعاني صديقي لأعتكف العشر الأواخر، وجدت نفسي لا أطيق أن يجمعني مكان بهم حتى ولو كان بيت الله!!

إلى أن دخلت معهم جنتهم..

فطهروا قلبي نحوهم دون أن يعلموا ما كان فيه من الحنق عليهم، والبغض لهم!!

وجعلوني أعيش الحال الذي أزال كل مقال!!

العداوة التي لا علاقة لها بسلامة الأوطان

علمت في هذه الأيام القلائل أنه ليس كل الرواة يُسمَع لهم.. وأنه ليس كل من يُشَيطَنون نصدق على شيطنتهم!!

وعلمت أن هناك عداوة ليس لها علاقة بسلامة الأوطان بقدر ما لها علاقة بنفْس بني الإنسان، والحقد على كل من يُشعرهم أن في الوطن من يستطيع أن يقول لهم: لا، أو يحاول أن يذكرهم بأنهم بشر يخطئون ويصيبون، وليسوا ملائكة معصومين!!

ضريبة الشحن المعنوي.. جرائم لا يهتز لها جفن

تركت صديقي يومها، وفي النفس غُصَصٌ لا يعلم بها إلا الله..

فالذين شحنوا هؤلاء المساكين شحنوا عشرات الألوف غيرهم من ضباط الجيش والشرطة، ورجالات القضاء، وأصحاب الوظائف العليا، والكلمات النافذة في الأوطان!!

علمت بعدها لِمَ تجرأ الجندي على قتل أخيه الثائر الأعزل في رابعة والنهضة ورمسيس والعباسية ومصطفى محمود وماسبيرو ومحمد محمود وغيرها من الميادين!!

علمت بعدها لِمَ كانوا يعذبون المعتقلين حتى الموت دون أن يهتز لهم جفن!!

علمت بعدها لِمَ حرقت الجثث، وقتل المصابون، وحُطِّمت البيوت وسرقت مصاغات النساء، وأجهزة الأولاد دون أن يشعر أحدهم بلسعة واحدة من تأنيب الضمير!!

إنه الشحن المعنوي المدروس… الذي يستعان عليه بالسيناريو المؤثر، واللقطة الإنسانية المعبرة، وعلماء النفس، وعلماء الاجتماع، وعلماء الدين… ناهيك عن أحداث مصطنعة، ومسلسلات محبوكة أنفق عليها الملايين بل المليارات!!

صحبة في معتكف كفيلة بدحض الرواية

وهم يعلمون أنهم حتى وإن أتقنوا الحبكة وانفردوا بالرواية فإن صُحبةً في معتكف، أو زمالة في عمل، أو مشاركة في نشاط نقابي أو اجتماعي أو إنساني كفيل بدحض الرواية، وتصحيح التصور المغلوط… لذلك تجدهم مع كل هذه الدعايات الشيطانية يغلقون كل المنافذ الإخوانية، حتى لا تخالف روايتهم أخلاق المروي عنهم فتسقط الرواية، ويُكتَشَف كذب صاحبها، وهو والله ما سيحدث أو ما يحدث عادة عندما يعايش الإنسان العادي هؤلاء المروي عنهم، ويقارن بين ما يراه من دماثة خلق، وصدقه في حب الأوطان وأهلها.. ساعتها يقول: آمنت وصدقت ما رأيت وكذبت أذني.

حين يخالف الإنسان ما شحنوه عنه

قال لي ضابط في الجيش يوماً أيام كنت جندياً في الجيش:

هل تقبلني صديقاً؟

قلت: ولِم لا؟

قال: لأنك ملتزم وأنا مُدخّن، ولي بعض الهفوات التي تعرفها..

فقلت له: وهل تحسبني ملاكاً؟!

كلنا مساكين مستورون، ووالله إنك بدماثة خلقك ورحمتك بجنودك قد تفوق أمثالي عند الله عشرات المرات!!

فقال: لكنني على غير طريقك الذي أعرفه!!

فقلت: ليس لي طريق إلا هداية الخلق، وتحبيب الناس في ربهم، وحفظ دينهم، ورعاية أوطانهم، ووالله ليس لي فيما وراء ذلك حبة خردل!!

لكنها الهالات المصطنعة حول هؤلاء وهؤلاء.. مما جعل الناس -وأنت منهم- يكرهون بمحامل السوء السابقة عما توقعات الخير اللاحقة!!

ولا زلنا بعدها صديقين، وقد رأى مني بعدها خلاف ما شحنه به قادته قبلها!!

جمعة أمين يضحك بعد السجن!

ولما خرج الأستاذ جمعة أمين -رحمه الله- من السجن بعد محنة الستينيات القاسية كان بعض أقاربه -كما حكى لنا- يتعجبون أنه يضحك مثلهم، بل وينكّت ويحكي المواقف الضاحكة… حتى سمع بعضهم يقول لمن بجواره بصوت خفيض: (ده بيضحك زيّنا)

وقد كانوا معذورين في ذلك… فالإعلام كان يكلمهم عن أبي جهل وأصحابه، بينما وجدوهم أناساً مسلمين طبيعيين يحبون الأوطان، ويسعون في هداية الإنسان!!

الأوطان غالية والحفاظ عليها واجب

أعرف أنني أطلت عليكم… لكن الأوطان غالية، والحفاظ عليها واجب..

ولن يصنع الغل والحقد شيئاً.. لأن الليل يتبدد ظلامه بانبلاج الفجر وسطوع الشمس.. وهذا ما لا نشك في حدوثه، لكننا نرجو ألا تطول مدتنا فتخسر أوطاننا وأمتنا..

ونحن والله لسنا شياطين.. ونحن والله لسنا غادرين.. ونحن والله لسنا مخربين… ولو أردنا ذلك لكنّا، وقد كان عندنا من الأعداد والإمكانات ما كان يعيننا على فعل ذلك.. لكننا آثرنا أوطاننا على أنفسنا، وساجنونا وحابسونا يعلمون ذلك!!

وغالب أهلنا في مصر يعلمون ذلك..

فهلا وفرنا على الأوطان أعماراً جديدة، وأثماناً باهظة فأوقفنا فيها نزيف السجون، وإيغار الصدور قبل أن يفاجئنا العدو الحقيقي المنتظر؟!!

ليتهم يفهمون، ويُسرعون.. فما أقبح وأخسر الفهم بعد فوات الأوان!!

المصدر

صفحة د. خالد حمدي، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

كلمات في حق الإخوان المسلمين

التعليقات معطلة