العزلة

هل تساءلت يومًا لماذا يختار بعض العاملين في ميدان الدعوة العزلة والتفرد، رغم أن الإسلام يدعو إلى الجماعة والتعاون؟

وإذا كانت العزلة آفة خطيرة تصيب العمل الإسلامي، فما هي أسبابها الجذرية، وكيف يمكن للمسلم أن يتطهر منها ويعود إلى رحاب الجماعة؟

هل العزلة طريق إلى السلام الداخلي أم إلى الهلاك الروحي والدعوي؟

في هذا المقال الأول عن آفة “العزلة” نستكشف معناها الحقيقي لغة واصطلاحاً، ثم نتعقب الأسباب العشرة الكاملة التي تدفع العامل إلى التفرد والانعزال عن جماعة المسلمين، متناسياً أن السفينة لا تبحر بطاقم من رجل واحد.

والآفة الرابعة التي يصاب بها بعض العاملين ، وعليهم أن يعملوا جاهدين على التطهر منها : إنما هي العزلة أو التفرد ، ولكي يكون لدينا إلمام دقيق بأبعاد ومعالم هذه الآفة سنتناولها على النحو التالي :

أولاً : معنى العزلة أو التفرد

لغة : العزلة أو التفرد في اللغة تعنى الابتعاد أو التنحي جانباً ، قال صاحب لسان العرب 🙁 عزل الشيء يعزله عزلاً ، وعزّله فاعتزل وانعزل وتعزّل : نحَّاه جانباً فتنحى ، وقوله تعالى :{إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ} [الشعراء:212] معناه : أنهم لما رموا بالنجوم – كما في قوله تعالى {وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن یَسۡتَمِعِ ٱلۡـَٔانَ یَجِدۡ لَهُۥ شِهَابࣰا رَّصَدࣰا} [الجن:9] منعوا من السمع )1 (1) معنى العزلة لغة: ابن منظور، لسان العرب، مادة (عزل)، والآيتان من سورة الشعراء آية 212 وسورة الجن آية 9..

اصطلاحاً : أما في اصطلاح الدعاة فيراد بها إيثار حياة التفرد على حياة الجماعة ، وذلك بأن يكتفي العامل بإقامة الإسلام في نفسه ، غير مبال بالآخرين ، وبما هم فيه من ضياع وهلكة ، أو أن يقيم الإسلام في نفسه ، ويسعى جاهداً لإقامته في الناس ، ولكن بجهود فردية بعيدة عن التعاون و التآزر من بقية العاملين في الميدان2(2) معنى العزلة اصطلاحاً: السيد نوح، آفات على الطريق، ص37 (بتصرف)..

ثانياً : الأسباب الجذرية للعزلة أو التفرد

لكي نعالج هذه الآفة، لا بد أن نتعرف على جذورها العميقة. وإليك أهم عشرة أسباب تؤدي إلى العزلة:

السبب الأول: الوقوف عند بعض النصوص الشرعية والغفلة عن البعض الآخر

الوقوف عند بعض النصوص الشرعية المرغبة في العزلة ، مع الغفلة عن موقعها من النصوص الأخرى الداعية إلى حياة الجماعة:

فقد جاءت بعض النصوص الشرعية مادحة للعزلة ، ومرغبة فيها كقوله صلى الله عليه وسلم 🙁 يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)3 (3) حديث “خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ”: رواه البخاري (7088) عن أبي سعيد الخدري. وكإجابته للذي سأل : أيُّ النّاسِ أفْضَلُ؟ قائلاً 🙁 فَقالَ: مُؤْمِنٌ يُجاهِدُ في سَبيلِ اللَّهِ بنَفْسِهِ ومالِهِ، قالوا: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعابِ يَتَّقِي اللَّهَ، ويَدَعُ النّاسَ مِن شَرِّهِ..)4 (4) حديث “مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعابِ”: متفق عليه: البخاري (7086)، مسلم (1888). وكقوله في حديث حذيفة بن اليمان :(.. فاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولو أَنْ تَعَضَّ بأَصْلِ شَجَرَةٍ، حتّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وأَنْتَ على ذلكَ)5 (5) حديث حذيفة في الفتن: رواه مسلم (1847) عن حذيفة بن اليمان. وكقوله 🙁 من خير معاش الناس لهم : رجلٌ مُمْسِكٌ عنانَ فرَسِهِ في سبيلِ اللهِ، يَطيرُ على متْنِهِ، كُلَّما سَمِعَ هَيْعَةً أوْ فَزْعَةً طارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي القتلَ والموتَ مظانَّهُ  ورجلٌ في غُنَيْمَةٍ، في رأسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أوْ بَطْنِ وادٍ مِنْ هذِهِ الأودِيَةِ، يُقيمُ الصلاةَ ويُؤْتِي الزكاةَ، ويعبدُ ربَّهُ حتى يأتِيَهُ اليقينُ؛ ليس مِنَ الناسِ إلّا فِي خيرٍ)6 (6) حديث “من خير معاش الناس”: رواه مسلم (1888) عن أبي هريرة..

وكذلك جاءت بعض النصوص الشرعية الأخرى داعية إلى السير تحت لواء الجماعة ، و العيش في كنفها كقوله تعالى : {وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِۚ} [المائدة:2] {وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ… } [آل عمران:103] {إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلَّذِینَ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِهِۦ صَفࣰّا كَأَنَّهُم بُنۡیَـٰنࣱ مَّرۡصُوصࣱ} [الصف:4] وكقوله صلى الله عليه وسلم 🙁 …عليكُم بالجماعَةِ وإيّاكم والفُرْقةَ، فإنَّ الشَّيطانَ مع الواحدِ و هو مِن الاثنينِ أبعدُ و مَن أراد بَحْبَحَةَ الجنَّةِ فعلَيهِ بالجماعةِ )7 (7) حديث “إيّاكم والفُرْقةَ وعليكُم بالجماعَةِ”: رواه الترمذي (2165) وحسنه، واللفظ له. ( …. وأنا آمركم بخمس : اللهُ أمَرَني بهِنَّ: السَّمعِ، والطاعةِ، والجِهادِ، والهِجرةِ، والجَماعةِ؛ فإنَّه مَن فارَقَ الجَماعةَ قِيدَ شِبرٍ فقد خَلَعَ رِبْقةَ الإسلامِ عن عُنُقِه،إلّا أنْ يُراجِعَ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وإنْ صلّى وإنْ صامَ؟ فقال: وإنْ صلّى وإنْ صامَ وزعم أنه مسلم )8 (8) حديث “أنا آمركم بخمس”: رواه أحمد (22017) والطبراني، وحسنه الألباني. ( يد الله مع الجماعة )9 (9) حديث “يد الله مع الجماعة”: رواه الترمذي (2166) والحاكم..

والعامل الذي يقف عند النصوص الأولي المرغبة في العزلة ناسياً أو متناسياً صلتها بالنصوص الأخرى الداعية إلى مخاطبة الجماعة ، و العيش في رحابها ، يبتلى أو يصاب لا محالة بآفة العزلة أو التفرد10(10) السبب الأول (الوقوف عند بعض النصوص): السيد نوح، آفات على الطريق، ص38-39..

السبب الثاني: التعلق بظواهر عزلة بعض السلف دون فهم خلفياتها

الوقوف عند ظاهرة العزلة التي أثرت عن بعض السلف مع الغفلة عن الظروف التي دعت إلى ذلك :

وقد يكون الحامل على العزلة ما أثر عن بعض السلف : أنهم آثروا العزلة على مخالطة الجماعة ، ومعايشتها ، فها هو نبي الله إبراهيم – عليه السلام – يقول لقومه كما حكى القرآن الكريم : {وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ … } [مريم:48] وقد كان الحامل له على ذلك استنفاذ وسائل التغيير والإصلاح ، ثم إصرار قومه على الكفر ، الأمر الذي خشي معه الفتنة في الدين ، ففر منهم واعتزلهم .

وها هو أبو ذر ، وابن عمر ، ومعهما جمع من الصحابة يعتزلون جماعة المسلمين ، ويعيشون وحدهم لما وقعت الفتنة ، وقد كان الباعث لهم على ذلك ، صيانة أيديهم أن تغمس في دماء زاكية ، طهرها الله – عز وجل – ولا يعرف : من المصيب ومن غير المصيب.

وهذا هو الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ، يقضى أخريات أيام حياته في عزلة بعيداً عن الناس ، وقد كان عذره ، تجنب مصادمة السلطات حقناً لدماء المسلمين .

وإن العامل الذي يقرا عن هذه العزلة ، التي عاشها هؤلاء وينسى ظروفها وملابساتها يتولد في نفسه معنى الإقتداء و التأسي ، أو على الأقل المحاكاة و التشبه ، فيلجأ إلى حياة العزلة ، بعيداً عن جو الجماعة حتى وإن لم يكن لهذه العزلة ما يبررها وما يدعو إليها 11(11) السبب الثاني (الوقوف عند ظاهرة عزلة السلف): المرجع السابق، ص39..

السبب الثالث: الوهم بأن الجماعة تذيب الشخصية وتلغي الذاتية

الظن أن حياة الجماعة تلغى دائماً ذاتية المنتمى إليها ، وتؤثر على شخصيته مع الغفلة عن منهج الإسلام في التوفيق بين الفردية والجماعة :

وقد يكون الحامل على العزلة ظن بعض العاملين أنه يعيش مع الجماعة وانتمائه إليها يلغى ذاتيته ، وتذوب شخصيته فيبقى إمعة ، إن أحسن الناس أحسن ، وإن أساءوا أساء ، مع الغفلة عن منهج الإسلام في التوفيق بين الفردية و الجماعية ، إذ يقول هذا المنهج على دعوة الفرد إلى أن يعيش في كنف الجماعة ، ويستظل بظلها على النحو الذي قدمنا في الوقت الذي يؤكد فيه أنه مسئول مسئولية كاملة عن كل تصرف يقع منه فيقول له : {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةࣱ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ} [الأنعام:164] {كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ} [المدثر:38] {لَّا تَجۡزِی نَفۡسٌ عَن نَّفۡسࣲ شَیۡـࣰٔا} [البقرة:48] {بَلِ ٱلۡإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِیرَةࣱ ۝١٤ وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِیرَهُۥ} [القيامة:14-15] {وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا یُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَیۡءࣱ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۤۗ} [فاطر:18] وأن عليه أن يبذل النصيحة بشروطها وآدابها لكل واحد في الجماعة مهما علا كعبه ، ومهما عظمت مكانته ( أَلَا إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ قالوا: لمَن يا رسولَ اللهِ؟ قال: للهِ ولكتابِه ولرسولِه ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم.)12(12) حديث “الدين النصيحة”: رواه مسلم (55) عن تميم الداري. (المؤمِنُ مرآةُ أخيهِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ يَكُفُّ عليه ضَيعتَه، ويَحوطُه مِن وَرائِه ) وفي رواية 🙁 المؤمن مرآة أخيه إن رأي فيه عيباً قومه )13(13) حديث “المؤمن مرآة أخيه”: رواه أبو داود (4918) والبخاري في الأدب المفرد..

ولقد عاش الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وعاش المسلمون بعضهم مع بعض فما رأينا فرداً ذابت شخصيته أو تلاشت فرديته في الجماعة وإنما رأينا النصيحة و الشورى والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، وما قول بعضهم لعمر 🙁 لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا ) بعيد .

وبهذه الدعوة ينشأ ويبنى في نفس المسلم كيان داخلي متميز واضح المعالم و الحدود ، وتبقى أعصابه صاحية منتبهة لكل ما يمسه ، ولو من بعيد . إن هذا الظن ، وهذه الغفلة ينتهيان بالعامل لا محالة إلى أن يلجأ إلى العزلة ، فيصاب بآفة من أخطر الآفات14(14) السبب الثالث (الظن أن الجماعة تلغي الذاتية): السيد نوح، آفات على الطريق، ص40..

السبب الرابع: الغفلة عن طبيعة تكاليف مخالطة الجماعة والعيش بين الناس

وقد يكون الحامل على العزلة الغفلة عن طبيعة تكاليف مخالطة الجماعة و العيش بين الناس ، إذ أن طبيعة هذه التكاليف : أنها كثيرة ضخمة ، تستوعب حياة الإنسان من أول يوم إلى آخر يوم ، وقد لا تنتهي ، وغالباً ما تكون على خلاف ما تهوى الأنفس ، وما لم يكن العامل منتبهاً إلى ذلك ، فإنه يعمل نفسه من التزكية و التربية ، و المجاهدة وتسيطر عليه الأهواء و الشهوات وبمرور الأيام يضعف ويعجز عن القيام بهذه التكاليف ، وحينئذٍ يبحث عن مخرج أو ملجأ فلا يجد سوى العزلة أو التفرد15(15) السبب الرابع (الغفلة عن تكاليف مخالطة الناس): المرجع السابق، ص40..

السبب الخامس: التذرع بأن مخالطة الناس تشغل عن التفرغ للعبادة مع الغفلة عن المفهوم الصحيح للعبادة

وقد يكون الحامل على العزلة التذرع بأن مخالطة الناس تشغل عن التفرغ للعبادة من صلاة إلى صيام إلى قراءة القرآن إلى ذكر إلى دعاء ، إلى استغفار إلى تفكر …. الخ مع الغفلة عن المفهوم الصحيح للعبادة ، إذ المفهوم الصحيح للعبادة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ( أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ، من القوال والأعمال الظاهرة و الباطنة ، فالصلاة و الزكاة و الصيام و الحج عبادة ، و الدعاء والاستغفار و الذكر وتلاوة القرآن عبادة ، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام عبادة و الوفاء بالعهود عبادة و الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجهاد للكفار و المنافقين عبادة ، والإحسان للجار و اليتيم و المسكين وابن السبيل و الخادم و الرحمة بالضعيف و الرفق بالحيوان عبادة ، وكذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه والرضا بقضائه والتوكل عليه و الرجاء في رحمته و الخوف من عذابه وأمثال ذلك كله عبادة )16(16) تعريف العبادة عند شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 1/91-92. … والقرآن الكريم والسنة النبوية يصدقان هذا المفهوم الذي قاله شيخ الإسلام . على أن مخالطة الناس لا تمنع أن يكون للمسلم أوقات يخلو فيها بنفسه ليؤدى واجباً ، أو يتقرب إلى الله بنفل أو يحفظ علماً ، أو يحقق مسألة ، أو يتلو قرآناً ، أو يذكر ويتفكر ، أو يحاسب نفسه ، وذلك هو معنى قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه 🙁 خذوا حظكم من العزلة )17(17) قول عمر بن الخطاب “خذوا حظكم من العزلة”: أخرجه مالك في الموطأ. كأن غياب المفهوم الصحيح للعبادة عن بال المسلم العامل ، وحصره العبادة في دائرة الشعائر التعبدية ، متوهماً أن حياة الجماعة تحول بينه وبين التفرغ الكامل لأداء هذه الشعائر ، كل هذا يوقع لا محالة في آفة العزلة أو التفرد 18(18) السبب الخامس (التذرع بالعبادة): السيد نوح، آفات على الطريق، ص40-41..

السبب السادس: اليأس من تغيير الواقع وهروب من المسؤولية

الاعتذار بانتشار الشر والفساد مع الغفلة عن دور المسلم حين ينتشر الشر والفساد

وقد يكون الحامل على العزلة الاعتذار بانتشار الشر والفساد مع الغفلة عن دور المسلم حين ينتشر الشر والفساد ، إذ أن دور المسلم في هذه الحال أن ينشط للمقاومة بكل الأساليب المتاحة ، والوسائل الممكنة ولا يلجأ إلى العزلة إلا عند تمكن الداء وعجز الوسائل وخوف الفتنة . وإذا ما غفل المسلم العامل عن حقيقة هذا الدور فإنه يفر لأول وهلة إلى العزلة أو التفرد ، وتتحول الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد، وصدق الله العظيم القائل : {وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضࣲ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ} [البقرة:251] . {وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضࣲ لَّهُدِّمَتۡ صَوَ ٰ⁠مِعُ وَبِیَعࣱ وَصَلَوَ ٰ⁠تࣱ وَمَسَـٰجِدُ یُذۡكَرُ فِیهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِیرࣰاۗ} [الحج:40] : وصدق الرسول – صلى الله عليه وسلم – الناصح : ( مثل القائم على حدود الله و الواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ) 19(19) السبب السادس (الاعتذار بانتشار الشر): حديث السفينة سبق تخريجه. والآيتان من سورة البقرة آية 251 وسورة الحج آية 40..

السبب السابع: الخوف والهلع من مشاق الطريق

الاطلاع على صور من المحن والشدائد ابتلى ويبتلى بها العاملون لدين الله على مدار التاريخ ، مع الغفلة عن موقف هؤلاء العاملين من هذه الصور :

وقد يكون الحامل على العزلة الاطلاع على صور من المحن والشدائد ابتلى ويبتلى بها العاملون لدين الله على مدار التاريخ ، مع الغفلة عن موقف هؤلاء العاملين من هذه الصور، إذ أن موقف هؤلاء إنما كان اليقين التام بأن الابتلاء سنة من سنن الله في الدعوات ، ثم الاعتراف بالتقصير و اللجوء إلى الله أن يثبت أقدامهم على الطريق ، وأن ينصرهم وقد قبل الله منهم فثبتهم ونصرهم {وَكَأَیِّن مِّن نَّبِیࣲّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّیُّونَ كَثِیرࣱ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَاۤ أَصَابَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسۡتَكَانُوا۟ۗ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِینَ ۝١٤٦ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّاۤ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِیۤ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ ۝١٤٧ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡیَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡـَٔاخِرَةِۗ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ} [آل عمران:146-148] نعم إن العامل إذا اطلع على هذه الصور ، وكان في غفلة عن موقف أولئك الممتحنين يسيطر عليه الخوف و الهلع ، ويحاول أن يجد مخرجاً ، وحينئذٍ تسول له نفسه ، ويزين له الشيطان أن المخرج إنما يكون في العزلة أو التفرد فيركن إلى ذلك 20(20) السبب السابع (الاطلاع على المحن): السيد نوح، آفات على الطريق، ص42، والآيات من سورة آل عمران 146-148..

السبب الثامن: صحبته نفر من المسلمين منهجهم العزلة ، وسيرتهم التفرد

وقد يكون الحامل على العزلة صحبته نفر من المسلمين منهجهم العزلة ، وسيرتهم التفرد نظراً لأن المرء شديد التأثر بقرينه ، لاسيما إذا كان هذا القرين ذا شخصية مؤثرة وممن يقتدي أو يتأسى به . يقول صلى الله عليه وسلم : ( المرءُ على دينِ خليلِه، فلْينظرْ أحدُكم من يُخاللُ) 21(21) السبب الثامن (صحبة أهل العزلة): حديث “الرجل على دين خليله” رواه أبو داود (4833) والترمذي (2378)..

السبب التاسع: تعدد الهيئات والجماعات العاملة لدين الله

يُعد هذا السبب من أخطر الأسباب المعاصرة التي تدفع إلى العزلة، بل إنه يكاد يكون ظاهرة خاصة بهذا العصر. فمع كَثْرة التنظيمات والهيئات والجماعات التي تنتمي إلى الإسلام وتعمل في ميدانه، قد يجد المسلم العامل نفسه في حيرة وتردّد شديدين، ويتساءل في دهشة: مع أي هذه الجماعات أنتمي؟ وأيها هو الأقرب إلى الصواب؟ وأيها يجب أن أدعم، وأيها يجب أن أبتعد عنه؟

وهذه الحيرة، إن لم تُحلّ بمنهجية واضحة، فإنها سرعان ما تنتهي بالمسلم إلى نتيجة واحدة، وهي العزلة التامة والتفرد، فيعتزل العمل مع الجميع بحجة أنه لم يجد “الجماعة المثالية” أو “الطريق الأصح”، فيخسر بذلك نفسه ويخسر دعوته، وينقطع عن نهر العمل الإسلامي الجاري، ليصبح مجرد متفرج أو ناقد بعيد عن الميدان.

معايير لتقييم أي جماعة أو هيئة

والحل الأمثل للخروج من هذه الحيرة، أن يكون لدى العامل معايير محدّدة وثابتة، يستطيع بواسطتها أن يُقيّم أي جماعة أو هيئة، ويحكم على مدى قربها من منهج الله ورسوله. وهذه المعايير، التي يستطيع من خلالها أن يُحدد موقفه، هي كالتالي:

1- وضوح الهدف والغاية: أن تكون الجماعة هدفها الأسمى هو تطبيق شرع الله ومنهجه في الأرض، وإعلاء كلمة الله، وليس لها أهداف دنيوية أو شخصية. قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49].

2- إخلاص النية لله وحده: أن يكون كل ما تصدره من أقوال وأفعال، خالصاً لوجه الله تعالى، لا يُراد به سمعة ولا مكانة ولا مال. قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحۡیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ۝١٦٢ لَا شَرِیكَ لَهُۥۖ وَبِذَ ٰ⁠لِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ﴾ [الأنعام: 162-163].

3- الولاء والبراء الصحيحان: أن يكون ولاؤها المطلق لله ورسوله والمؤمنين، وألا يكون لأي طاغوت أو نظام أو حزب يعادي الله ورسوله. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِیُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِینَ یُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَ ٰ⁠كِعُونَ ۝٥٥ وَمَن یَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَـٰلِبُونَ﴾ [المائدة: 55-56].

4- المنهج الوسطي المتوازن: أن تفهم الإسلام فهماً وسطاً، بعيداً عن الغلو والتشدد، وبعيداً عن التفريط والتهاون. وأن تعمل به كله، من أصغر السنن كالسواك إلى أعظم الفروض كالجهاد، دون أن تترك جزءاً منه بحجة أنه غير مناسب للعصر.

5- الإعداد والتربية المتكاملة: أن يكون همها الأساسي بناء الشخصية المسلمة المتكاملة، التي تجمع كل خصال الخير، وتستعد لعون الله ونصره. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وقال: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ۝٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10].

6- الهمة العالمية: أن لا تقف عند حدود مجتمعها أو قطرها، بل تتوسع في تحقيق رسالة الإسلام لتشمل المجتمع كله، بل والعالم أجمع، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

7- السعي للوحدة والائتلاف: أن تجتهد في الربط بين الشخصيات المسلمة، بحيث تصدر عن رأي واحد، وتصير فكراً واحداً وقلباً واحداً، وإن تعددت الأجساد. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

8- الواقعية والفهم للواقع: أن تنطلق في عملها من ترتيب دقيق مبني على دراسة وفهم الواقع باستمرار، ثم التعامل معه بحكمة. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].

9- مراعاة الأولويات (الفقه في الدين): أن تراعي الأولويات في العمل، فتُقدّم الأصول على الفروع، والفرائض على النوافل، والمجمع عليه على المختلف فيه، تماماً كما صنع النبي صلي الله عليه وسلم حين بدأ بتحطيم الأصنام في النفوس قبل تحطيم الأصنام في الكعبة. ولا تتساهل في الأصول المجمع عليها، مع التماس الأعذار في الفروع المختلف فيها، مما يفتح باب التعاون مع جميع العاملين.

10- المنهاج الواضح للتربية: أن يكون لها منهاج واضح الأركان، محدد المعالم، يأخذ بيد الفرد من طور إلى طور، ويشبع تطلعاته، ويجيب عن تساؤلاته، ويرفع من مستواه العلمي والعملي والإيماني.

11- الثبات والصبر على الشدائد: أن يكون قد ظهر ثباتها وصبرها على مشاق الطريق، فصمدت أمام الإرهاب والاضطهاد، واستعلت على المحن، وبذلك تكون قد استحقت أن تكون إماماً ورائداً لباقي العاملين. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31].

12- الخبرة والدراية بالطريق: أن تكون قد قطعت شوطاً طويلاً في العمل، واكتسبت دراية وخبرة بالطريق، مما يوفر على من يسير معها جهداً ووقتاً ومالاً.

13- التأني وعدم الاستعجال: أن يكون دأبها التأني والتروي، وعدم الاستعجال في النتائج. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: 35].

14- وجود القيادة الرشيدة: أن يكون معها من يوجهها ويرشدها، بحيث يرتب العمل وتوضع الأمور في نصابها، وأن ينزل جميع أبنائها على رأي هذا الموجه، ما دام في المعروف.

15- التناصح وقبوله: أن يكون هناك تناصح بشروطه وآدابه بين أفرادها، وقبول لهذا التناصح والرضا به، من صغيرهم لكبيرهم، ومن كبيرهم لصغيرهم.

16- الدقة والأمانة في الاختيار: أن تتسم بالدقة والأمانة في اختيار العاملين، لتقطع الطريق على المتربصين وأهل النفاق الذين يريدون إفساد العمل. قال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: 102].

17- الاتباع لا الابتداع: أن يكون مسارها الاتباع للهدي النبوي، لا الابتداع في الدين. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110]، والمراد بالعمل الصالح هو المتبع للشرع22(22) السبب التاسع (تعدد الهيئات والجماعات): السيد نوح، آفات على الطريق، ص42-44 بتصرف واختصار..

السبب العاشر: الغفلة عن الآثار المدمرة للعزلة

الغفلة عن الآثار المترتبة على العزلة سواء منها ما يتصل بالعاملين أو بالعمل الإسلامي :

وأخيراً قد يكون الحامل على العزلة الغفلة عن الآثار المترتبة على العزلة سواء منها ما يتصل بالعاملين أو بالعمل الإسلامي ، على النحو الذي سنعرض له بعد قليل ، إذ أن من غفل عن الآثار الضارة المترتبة على أمر ما وقع لا محالة في هذا الأمر 23(23) السبب العاشر (الغفلة عن الآثار): المرجع السابق، ص44..

الهوامش

(1) معنى العزلة لغة: ابن منظور، لسان العرب، مادة (عزل)، والآيتان من سورة الشعراء آية 212 وسورة الجن آية 9.

(2) معنى العزلة اصطلاحاً: السيد نوح، آفات على الطريق، ص37 (بتصرف).

(3) حديث “خير مال المسلم غنم”: رواه البخاري (7088) عن أبي سعيد الخدري.

(4) حديث “مؤمن في شعب من الشعاب”: متفق عليه: البخاري (7086)، مسلم (1888).

(5) حديث حذيفة في الفتن: رواه مسلم (1847) عن حذيفة بن اليمان.

(6) حديث “من خير معاش الناس”: رواه مسلم (1888) عن أبي هريرة.

(7) حديث “إياكم والفرقة وعليكم بالجماعة”: رواه الترمذي (2165) وحسنه، واللفظ له.

(8) حديث “أنا آمركم بخمس”: رواه أحمد (22017) والطبراني، وحسنه الألباني.

(9) حديث “يد الله مع الجماعة”: رواه الترمذي (2166) والحاكم.

(10) السبب الأول (الوقوف عند بعض النصوص): السيد نوح، آفات على الطريق، ص38-39.

(11) السبب الثاني (الوقوف عند ظاهرة عزلة السلف): المرجع السابق، ص39.

(12) حديث “الدين النصيحة”: رواه مسلم (55) عن تميم الداري.

(13) حديث “المؤمن مرآة أخيه”: رواه أبو داود (4918) والبخاري في الأدب المفرد.

(14) السبب الثالث (الظن أن الجماعة تلغي الذاتية): السيد نوح، آفات على الطريق، ص40.

(15) السبب الرابع (الغفلة عن تكاليف مخالطة الناس): المرجع السابق، ص40.

(16) تعريف العبادة عند شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 1/91-92.

(17) قول عمر بن الخطاب “خذوا حظكم من العزلة”: أخرجه مالك في الموطأ.

(18) السبب الخامس (التذرع بالعبادة): السيد نوح، آفات على الطريق، ص40-41.

(19) السبب السادس (الاعتذار بانتشار الشر): حديث السفينة سبق تخريجه. والآيتان من سورة البقرة آية 251 وسورة الحج آية 40.

(20) السبب السابع (الاطلاع على المحن): السيد نوح، آفات على الطريق، ص42، والآيات من سورة آل عمران 146-148.

(21) السبب الثامن (صحبة أهل العزلة): حديث “الرجل على دين خليله” رواه أبو داود (4833) والترمذي (2378).

(22) السبب التاسع (تعدد الهيئات والجماعات): السيد نوح، آفات على الطريق، ص42-44 بتصرف واختصار.

(23) السبب العاشر (الغفلة عن الآثار): المرجع السابق، ص44.

المصدر

المصدر: كتاب “آفات على الطريق” بقلم د. السيد نوح، ص37-49 (بتصرف)

اقرأ أيضا

الوسطية والتوازن في العزلة

التعليقات معطلة