كيف يمكن للإنسان أن يعرف أبعاد شخصيته ومعالمها دون أن يخالط الناس ويرى كيف يتعاملون معه، وكيف يتفاعل مع حاجاتهم ومشاكلهم؟ وماذا يحدث عندما تحرم النفس من المرآة التي تكشف لها عيوبها، ومن المعين الذي يساعدها على إصلاحها، ومن الميدان الذي توظف فيه طاقاتها وتكتسب الخبرات؟ وقفةٌ مع آثار العزلة المدمرة على العاملين والعمل الإسلامي، وثلاث عشرة خطوة عملية للخلاص والوقاية من هذه الآفة، مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح.
آثار العزلة أو التفرد
هذا وللعزلة أو التفرد آثار ضارة ، وعواقب سيئة ، سواء على العاملين ، أو على العمل الإسلامي ودونك هذه الآثار :
آثار العزلة على العاملين
أولا: جهلهم بأبعاد ومعالم شخصيتهم
ذلك أن الإنسان – مهما يكن ذكاؤه، ومهما تكن فطنته – لا يمكنه وحده أن يعرف أبعاد ومعالم شخصيته معرفة دقيقة، بل لابد من آخرين يعينونه على ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر، لا يستطيع الإنسان أن يكتشف ما في شخصيته من أثرة وأنانية أو إيثار وتعاون، إلا إذا عاش بين الناس وخالطهم، ورأى أصحاب الحاجات منهم، ثم تأمل في نفسه، هل تقسو وتجمد، فتشح وتبخل؟ وحينئذٍ تكون الأثرة والأنانية، أو ترق وتلين فتجود وتعطى؟ وحينئذٍ يكون الإيثار والتعاون.
وكذلك لا يمكنه أن يقف على ما في شخصيته من حلم وأناة، أو حمق وعجلة، إلا إذا خالط الناس وصادف طبقات من غير أولى الكياسة، ونظر: هل يقابل خشونة ألسنتهم باللين، وغلظة قلوبهم بالرفق؟ وهنا يكون الحلم والأناة، أو يقابلها بمثلها أو أشد؟ وهنا يكون الحمق والعجلة.
وأيضاً لا يعرف الإنسان ما لديه من الشجاعة الأدبية أو الجبن والخور إلا إذا لزم الجماعة، ورأى من يخطئ ثم تبصر في نفسه: هل يهون عليها أن تقول لهذا المخطئ: إن الصواب في غير ما نطقت، والحق في غير ما رأيت، والخير في غير ما أتيت؟ وهنالك تكون الشجاعة الأدبية، أو يعز عليها أن تقول ذلك فتصمت وتخرس؟ وهناك يكون الجبن والخور.
وبالمثل لا يدرك الإنسان ما تنطوي عليه شخصيته من صدق وكذب، من أمانة وخيانة، من نظام أو فوضى، إلا إذا عاش في وسط الجماعة، وحدث أفرادها، أو ائتمنوه على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، أو ضرب لهم موعداً، أو أعطى من نفسه عهداً لهم، ثم نظر: هل يحدثهم بما يوافق الحقيقة والواقع؟ فيكون صدوقاً، أو بما يخالفها فيكون كذوباً. وهل يحافظ على دمائهم وأموالهم وأعراضهم فيكون أميناً، أو يعتدي عليها ويهدرها؟ فيكون خائناً. وهل يحافظ على عهده، ويفي بوعده؟ فيكون دقيقاً منضبطاً منظماً أو يهمل ويخلف؟ فيكون فوضوياً غير دقيق ولا منظم ولا منضبط.
كأن المسلم إذا عاش في عزلة أو منفرداً فإن شخصيته تبقى مجهولة لديه، وذلك هو الخسران بعينه، إذ ربما يفعل الشر ظاناً أنه الخير، وربما يترك الخير، معتقداً أنه الشر: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: 103-104].
ولعل هذا الأثر هو المفهوم من قوله ﷺ: (المؤمن مرآة المؤمن…)1 (1) حديث “المؤمن مرآة أخيه”: سبق تخريجه في المقال الأول. ومن قول عمر – رضى الله عنه -: (أهديت إلينا عيوبنا) أي أن الطريق التي يعرف بها المسلم أبعاد ومعالم شخصيته من كمال أو نقص، قوة أو ضعف – فينمى نواحي الكمال والقوة، ويستكمل ويقوى نواحي النقص والضعف – إنما هي الجماعة، وبغيرها يعيش المسلم في عماية وعلى غير هدى2(2) الأول من آثار العزلة على العاملين (الجهل بالشخصية): السيد نوح، آفات على الطريق، ص44-45..
ثانياً: حرمانهم من المعين على إصلاح عيوبهم
ذلك أن الإنسان قد يهدى إلى عيوبه، لكنه قد يكون من ضعف الإرادة، وخور العزيمة بحيث يعجز بمفرده عن إصلاح وتقويم هذه العيوب، ولابد له من معين، يعينه على نفسه، وحين يختار العزلة أو التفرد يحرم هذا المعين، ويبقى طوال حياته غارقاً في المعاصي والسيئات. ولعل هذا الأثر هو المفهوم مما جاء: (المؤمن مرآة أخيه إذا رأي فيه عيباً أصلحه)3(3) رواية “إذا رأى فيه عيباً أصلحه”: سبق تخريجه. (من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً، إن نسى ذكره، وإن ذكر أعانه)4(4) حديث “من أراد الله به خيراً”: رواه أحمد (7650) والطبراني..
ثالثاً: تعطيل بعض طاقاتهم وإمكاناتهم
ذلك أن الإنسان – كما هو معلوم – مؤلف من جسد وعقل وروح، أو بعبارة أخرى من مادة وروح، والروح مزود بطاقة من الغرائز تشبه الخيوط الدقيقة المتقابلة المتوازية، كل غريزتين منهما متجاورتين في النفس، وهما في الوقت ذاته مختلفتان في الاتجاه: الخوف والرجاء، الحب والكره، الاتجاه إلى الواقع والاتجاه إلى الخيال، الطاقة الحسية والطاقة المعنوية، الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بما لا تدركه الحواس، حب الالتزام والميول إلى التطوع، الفردية والجماعية، السلبية والإيجابية ….الخ كلها غرائز متوازية، ومتقابلة – كما ترى – وهي بتوازيها وتقابلها – تؤدى مهمتها في ربط الكائن البشرى بالحياة، كأنما هي أوتاد متفرقة، متقابلة تشد الكيان كله، وتربطه من كل جانب يصلح للارتباط، وهي في الوقت ذاته توسع أفقه وتفسح مجال حياته، فلا ينحصر في نطاق واحد، ولا في مستوى واحد، بيد أن تحقيق التوازن والتكامل في حياة الإنسان مرهون بإعطاء كل غريزة من هذه الغرائز حقها، دون زيادة أو نقص.
والجماعة هي المجال الوحيد الذي يوظف سائر طاقات المسلم ويعمل كل الغرائز بدرجات متساوية ومتوازية في نفس الوقت، فتتكون الشخصية السوية المتكاملة، الخالية من أي انفصام أو اعوجاج والمحصنة ضد كيد الشيطان وإغوائه. وإذا حدث أن ابتعد المسلم عن الجماعة وآثر حياة العزلة أو التفرد فإنه تتعطل – لا محالة – بعض طاقاته وإمكاناته، وحينئذٍ يكون الخلل أو الانفصام في شخصيته، فضلاً عن وجود الفراغ الذي يمكن أن يستغله شياطين الإنس والجن في إغوائه وإضلاله، ولعل هذا الأثر هو ما لفت النبي ﷺ النظر إليه بقوله: (… فمن أحب منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد..)5(5) الثر الثالث (تعطيل الطاقات): حديث “فإن الشيطان مع الواحد” سبق تخريجه. السيد نوح، ص45-46..
رابعاً: قلة رصيدهم من الخبرات والتجارب
ذلك أن العمل لدين الله طريق مليئة بالأشواك محفوفة بالمخاطر، والمسلم الحصيف الذكي هو الذي تكون لديه الخبرة أو التجربة التي تمكنه من التغلب على هذه المخاطر، والنجاة من تلك الأشواك. وليس هناك مجال أرحب وأوسع – يكتسب فيه المسلم الخبرات ويتعلم التجارب – سوى العيش مع الناس ومخالطتهم. وحين ينأى المسلم العامل بنفسه عن الجماعة، ويرضى بالعزلة أو التفرد فإنه يحرم هذه الخيرات، وتلك التجارب، ويبقى طول حياته ضيق الأفق قاصر النظر، لا يعرف كيف يواجه أبسط المشكلات، فضلاً عن أمهاتها وعظائمها. ولعل هذا الأثر هو ما نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة)6(6) الأثر الرابع (قلة الخبرات): حديث حامل المسك متفق عليه: البخاري (2101)، مسلم (2628)..
خامساً: سيطرة اليأس والقنوط على نفوسهم
ذلك أن المسلم العامل لدين الله – لاسيما في هذا العصر – يأتيه الشيطان بين الحين والحين ويلقى عليه هذه التساؤلات: ما المخرج وأعداء الله – في داخل الأمة الإسلامية وفي خارجها – كثير؟ وهم الآن ممسكون بخناق العالم الإسلامي، ولديهم خطط ماكرة وأساليب خبيثة؟ ويستطيع المسلم المخالط للناس والعامل من خلال جماعة دفع هذه التساؤلات، بأنه ليس وحيداً في هذا الميدان، وإنما هناك آخرون سواه يسيرون في نفس الطريق، وأولئك لهم من الأساليب والإمكانات ما يعينهم على مواجهة أعدائهم، وإحباط مكائدهم ومخططاتهم. أما إذا كان في عزلة أو يعمل وحده، فإن هذه التساؤلات تظل تلح عليه وليس هناك ما يدفعها به، حينئذٍ يدب اليأس في قلبه والقنوط إلى نفسه فيفتر وربما ترك العمل لدين الله7(7) الأثر الخامس (سيطرة اليأس): السيد نوح، آفات على الطريق، ص46..
سادساً: قلة رصيدهم من الأجر والثواب
ذلك أن الذي يعيش مع الناس ويخالطهم يجد أمامه مجالات رحبة، وميادين واسعة لتحصيل الأجر والثواب، فهناك مجالس العلم للإفادة أو الاستفادة، وهناك عيادة المرضى وزيارة الإخوان تأكيداً لمودتهم أو تهنئة بنعمة، أو تعزية على مصيبة، وهناك إرشاد للناس وتوجيههم إلى الخير، ومد يد المعونة على ما يسد حاجاتهم، أو تقوى به شوكتهم …. وهكذا. أما الذي يعيش منفرداً أو منعزلاً فإنه يحرم من هذه الميادين وتلك المجالات، وبالتالي يقل رصيده من الأجر والثواب8(8) الأثر السادس (قلة الأجر والثواب): المرجع السابق، ص46..
سابعاً: عدم تمكنهم من إقامة دين الله في أنفسهم اليوم أو غداً
ذلك أن الباطل لا يفتأ لحظة عن العمل بهدف أن تتحول الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد، فلا يستطيع المسلم العامل أن يؤدى دوراً أو أن يقوم بواجب، وما يمكن أن يتحقق للباطل مثل ذلك، إلا إذا فرَّ أهل الحق من الميدان، أو عملوا متفرقين، والمعتزل واحد فرَّ من الميدان، أو آثر أن يعمل وحده، ومن كان كذلك فإنه سيضيق عليه حتماً اليوم أو غداً. ولعل ذلك هو ما أشارت إليه تلك النصوص التي ذكرناها آنفاً في أسباب العزلة أو التفرد: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]. (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)9(9) الأثر السابع (عدم تمكنهم من إقامة الدين): المرجع السابق، ص47، وحديث السفينة سبق..
ثامناً: تعريضهم أنفسهم للإثم والغضب الإلهي
ذلك أن من فارق الجماعة فقد عرض نفسه للإثم والغضب الإلهي، وأنى للمسلم أن يطيق ذلك أو يتحمله؟ ولعل هذا الأثر هو ما تفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية…)10(10) الأثر الثامن (تعريضهم للإثم): حديث “من خرج من الطاعة…” متفق عليه: البخاري (7054)، مسلم (1849)..
تلكم أهم آثار العزلة أو التفرد على العاملين وهي في جملتها مستفادة من قوله صلى الله عليه وسلم: (من فارق الجماعة شبراً، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)11(11) حديث “من فارق الجماعة شبراً”: رواه أحمد (22017) والطبراني، وحسنه الألباني. وكأنه يعنى بذلك أن من خرج عن الجماعة وفارقها في الأمر المجمع عليه، فقد عرض نفسه للهلاك والضياع إذ لا يؤمن عليه حينئذ الوقوع في جميع الآثار المذكورة آنفاً أو على الأقل في بعضها، تماماً كما يحدث للدابة إذا جعلت الربقة أو الطوق الذي يجعل في عنقها لئلا تشرد فإنه لا يؤمن عليها الهلاك والضياع.
آثار العزلة على العمل الإسلامي
أما آثارها على العمل الإسلامي فتدور حول:
- سهولة ضرب العمل الإسلامي والقضاء عليه
سهولة ضربه والقضاء عليه أو على الأقل إجهاضه فلا يؤتى ثماره إلا بعد تكاليف كثيرة وزمن طويل نظراً لضعفه بسبب تفرق العاملين وعدم تضامنهم ولعل ذلك هو السر في حرص أعداء الله على أن يظل المسلمون منقسمين على أنفسهم تحت شعار: (فرق تسد). ولعله السر أيضاً في الأمر بالوحدة ونبذ الفرقة والتنازع: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
- الحرمان من العون أو المدد الإلهي
ذلك أن العمل الإسلامي مهما تكن طاقاته وإمكاناته فهو بحاجة إلى عون وتأييد من الله عز وجل وقد وعد الله أنه لا يعطى هذا العون وذلك التأييد إلا إذ كان القائمون على العمل الإسلامي متضامنين متكاتفين, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يد الله مع الجماعة)12(12) الثاني (الحرمان من العون الإلهي): حديث “يد الله مع الجماعة” سبق تخريجه في المقال الأول. ولئن ترتب على هذا الحرمان امتحان أو ابتلاء فإنه يكون رحمة وبركة على العاملين المتضامنين ونقمة وعذاباً على القاعدين وكذلك على العاملين المتفرقين: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: 4-6] (إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم)13(13) حديث “إذا أنزل الله بقوم عذاباً”: رواه مسلم (2879) عن أم سلمة..
الطريق للخلاص والوقاية من العزلة
ومادمنا قد وقفنا على أسباب العزلة وآثارها فإن من السهل أن ندرك طريق الخلاص والوقاية منها وتتلخص في ثلاث عشرة خطوة عملية:
- الفهم التام للعلاقة بين نصوص العزلة ومخالطة الناس
(1) الفهم التام للعلاقة أو الصلة القائمة بين النصوص الشرعية المرغبة في العزلة والأخرى الداعية إلى مخالطة الناس ولزوم الجماعة: فإن ذلك الفهم كفيل بانتزاع المسلم إن كان صادقاً مع نفسه من حياة العزلة وإلقائه في أحضان الجماعة نظراً لأن مخالطة الجماعة هي الأصل والعزلة أمر طارئ لا يكون إلا عند الضرورة التي لا يبقى معها دين ولا حياة14(14) الطريق الأول للخلاص: السيد نوح، آفات على الطريق، ص48..
- فهم ظروف عزلة السلف
(2) الفهم التام للظروف أو الأسباب التي دعت بعض السلف إلى العزلة أو التفرد: فإن ذلك الفهم كثيراً ما يحول بيننا وبين الاقتداء بهم في هذا الشأن لا سيما إذ عرفنا أن عزلة هؤلاء لم يكن من ورائها ضرر فقد كانت دولة الإسلام قائمة والراية مرفوعة والدين كله لله أما عزلتنا الآن فمن ورائها ضرر كثير نظراً لغياب دولة الإسلام وإمساك أعداء الله بخناقنا وصدهم عن سبيل الله كثيراً وحاجتنا إلى سواد كثير وجهود ضخمة متعاونة متآزرة لإعادة السلطان لله15(15) الطريق الثاني: المرجع السابق، ص48..
- التوفيق بين الفردية والجماعية
(3) الإلمام الدقيق بمنهج الإسلام في التوفيق بين الفردية والجماعية: فإن ذلك كفيل بدفع المسلم إلى أن يعيش في أحضان الجماعة في الوقت الذي يحافظ فيه على ذاتيته أو فرديته16(16) الطريق الثالث: المرجع السابق، ص48-49..
- الفهم الصحيح للعبادة
(4) الوقوف على المفهوم الصحيح للعبادة: فإنه كاف في القضاء على العزلة والحمل على ملازمة الجماعة ومخالطة الناس دون أن يكون هناك أدنى حرج في أن الأوقات تنفق في غير الطاعة والعبادة17(17) الطريق الرابع: المرجع السابق، ص49..
- مجاهدة النفس
(5) مجاهدة النفس وأخذها دوماً بالشدة والحزم: لئلا تسيطر عليها الأهواء وتستبد بها الشهوات فتدفعها إلى العزلة والفرار من تكاليف مخالطة الجماعة والعيش بين الناس18(18) الطريق الخامس: المرجع نفسه..
- فهم الدور الواجب عند انتشار الشر
(6) فهم الدور الواجب على المسلم حين ينتشر الشر ويعم الفساد: فإن ذلك كاف في إخراج أي عامل من عزلته وحمله على مخالطة الناس واقتحام الخطوب من أجل القضاء على الشر ومقاومة الفساد أو على الأقل تحجيمهما19(19) الطريق السادس: المرجع نفسه..
- اللجوء إلى الله
(7) اللجوء التام إلى الله عز وجل والاستعانة الصادقة به فإن من يستعين بالله يعينه الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].
- التخلص من صحبة أهل العزلة
(8) التخلص من صحبة من كان منهجهم العزلة وسيرتهم التفرد مع ملازمة صف العاملين: فإن ذلك له دور كبير في القضاء على العزلة20(20) الطريق الثامن: السيد نوح، آفات على الطريق، ص49..
- فهم حقيقة الهيئات والجماعات العاملة لدين الله
(9) الإلمام التام بحقيقة الهيئات والجماعات العاملة لدين الله: فإن ذلك سينتهي به حتماً إلى نبذ حياة العزلة والسير مع من كانت على الخير كله وقائمة بالحق جميعه21(21) الطريق التاسع: المرجع نفسه..
- دراسة منهج النبي في بناء الدولة الإسلامية
(10) الوقوف على حقيقة المنهج الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تشييد صرح ودولة الإسلام الأولي: فإن ذلك يعين على التخلص من العزلة ويحمل على الانحياز للجماعة اقتداء وتأسياً به صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: 21].
- إدراك تعاون أعداء الله فيما بينهم
(11) إدراك أن أعداء الله من الكافرين والمنافقين يتعاونون فيما بينهم ويعملون لضرب الإسلام مجتمعين لا متفرقين في شكل أحلاف عسكرية: (حلف وارسو – حلف الأطلنطي) وفي شكل أسواق تجارية: (السوق الأوروبية المشتركة) وفي شكل برلمانات وهيئات سياسية: (البرلمان الأوروبي) وفي شكل اتحادات جمهورية وولاياته (جمهوريات الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية). وإذا كان هذا شأن أعداء الله وهم على الباطل وبينهم من خلافات جوهرية فأولى بنا نحن المسلمين لا سيما أننا على الحق وليست لدينا خلافات جوهرية أن نواجههم بنفس الأسلوب أي مجتمعين لا متفرقين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: 73].
- التأمل في حياة المخلوقات المحيطة بنا
(12) التأمل في حياة المخلوقات المحيطة بنا الموجودة حولنا فإن ذلك التأمل سيقودنا حتماً إلى أن هذه المخلوقات ما تعيش في عزلة وإنما تعيش مجتمعة متعاونة لتؤدى دورها فها هي المجموعة الشمسية تتعاون لتوفير الضياء والدفء لسائر الكائنات الحية وها هي جماعة النحل تتعاون في بناء بيوتها وتنظيفها وتوفير الحماية لها ثم تسرح لتمتص رحيق الأزهار ولتخرجه في النهاية عسلا مصفي فيه شفاء للناس ومثل ذلك يحدث لجماعة النمل وباقي المخلوقات مما حدا بالشاعر أن يقول:
النمل تبنى قراها في تماسكها *** والنحل تجنى رحيق الشهد أعوانا
وإذا كان هذا شأن المخلوقات التي لا عقل لها فكيف بنا نحن بني آدم الذين ميزنا الله بالعقل والحرية والإرادة وجعلنا سادة في هذا الكون وهكذا يمكن أن يؤدى مثل هذا التأمل إلى نبذ حياة العزلة والعيش مع الجماعة وبين الناس22(22) الطريق الثاني عشر: المرجع نفسه، والبيت الشعري منقول عن بعض الأدباء..
- استحضار آثار العزلة المدمرة
(13) الوقوف على حقيقة الآثار المترتبة على العزلة أو التفرد وقد ذكرناها آنفاً فإن ذلك يقود من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد إلى العيش بين الناس ومخالطتهم حذرا من الوقوع في هذه الآثار أو تلك العواقب23(23) الطريق الثالث عشر: المرجع نفسه..
الخلاصة
العزلة أو التفرد آفة خطيرة تصيب العاملين في سبيل الله، وتترك آثاراً مدمرة على الفرد والعمل الإسلامي معاً. ففي الفرد، تؤدي العزلة إلى جهل الإنسان بأبعاد شخصيته، وحرمانه من المعين على إصلاح عيوبه، وتعطيل طاقاته وإمكاناته، وقلة خبراته وتجاربه، وسيطرة اليأس والقنوط على نفسه، وقلة رصيده من الأجر والثواب، وعدم تمكنه من إقامة دين الله، وتعريضه للإثم والغضب الإلهي. وفي العمل الإسلامي، تؤدي العزلة إلى سهولة ضربه والقضاء عليه، والحرمان من العون الإلهي الذي وعد الله به الجماعة المتضامنة. والعلاج من هذه الآفة يقوم على ثلاث عشرة خطوة عملية مستمدة من الكتاب والسنة.
الهوامش
(1) حديث “المؤمن مرآة أخيه”: سبق تخريجه في المقال الأول.
(2) الأول من آثار العزلة على العاملين (الجهل بالشخصية): السيد نوح، آفات على الطريق، ص44-45.
(3) رواية “إذا رأى فيه عيباً أصلحه”: سبق تخريجه.
(4) حديث “من أراد الله به خيراً”: رواه أحمد (7650) والطبراني.
(5) الثر الثالث (تعطيل الطاقات): حديث “فإن الشيطان مع الواحد” سبق تخريجه. السيد نوح، ص45-46.
(6) الأثر الرابع (قلة الخبرات): حديث حامل المسك متفق عليه: البخاري (2101)، مسلم (2628).
(7) الأثر الخامس (سيطرة اليأس): السيد نوح، آفات على الطريق، ص46.
(8) الأثر السادس (قلة الأجر والثواب): المرجع السابق، ص46.
(9) الأثر السابع (عدم تمكنهم من إقامة الدين): المرجع السابق، ص47، وحديث السفينة سبق.
(10) الأثر الثامن (تعريضهم للإثم): حديث “من خرج من الطاعة…” متفق عليه: البخاري (7054)، مسلم (1849).
(11) حديث “من فارق الجماعة شبراً”: رواه أحمد (22017) والطبراني، وحسنه الألباني.
(12) الأول من آثار العزلة على العمل الإسلامي (سهولة الضرب): السيد نوح، آفات على الطريق، ص47-48، والآيات من سور آل عمران والأنفال والمائدة.
(13) الثاني (الحرمان من العون الإلهي): حديث “يد الله مع الجماعة” سبق تخريجه في المقال الأول.
(14) حديث “إذا أنزل الله بقوم عذاباً”: رواه مسلم (2879) عن أم سلمة.
(15) الطريق الأول للخلاص: السيد نوح، آفات على الطريق، ص48.
(16) الطريق الثاني: المرجع السابق، ص48.
(17) الطريق الثالث: المرجع السابق، ص48-49.
(18) الطريق الرابع: المرجع السابق، ص49.
(19) الطريق الخامس: المرجع نفسه.
(20) الطريق السادس: المرجع نفسه.
(21) الطريق السابع: الاستشهاد بسورة البقرة آية 186.
(22) الطريق الثاني عشر: المرجع نفسه، والبيت الشعري منقول عن بعض الأدباء.
(23) الطريق الثالث عشر: المرجع نفسه.
المصدر
المصدر: كتاب “آفات على الطريق” بقلم د. السيد نوح، ص37-49 (بتصرف).


