كيف تحول ضابط استخبارات أمريكي مخضرم من مراقب لشركة إماراتية إلى وسيط محوري يعيد هندسة التحالف التكنولوجي بين واشنطن وأبوظبي؟ ولماذا حصلت الإمارات على رخصة استثنائية لشراء أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي، بينما حُرمت منها دول أكبر حلفاء أمريكا في المنطقة؟ وهل أصبحت الرقائق الإلكترونية هي “النفط الجديد” الذي يصيغ تحالفات القرن الحادي والعشرين؟
قصة عميل CIA في أبوظبي.. من مراقب إلى وسيط محوري
قصة عميل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA المخضرم ‘جوني غانون’ Jonny Gannon في أبوظبي، والتي تصدرت الصحيفة الأمريكية اليوم (الأحد)، تتخطى إثارة الدراما الجاسوسية إلى دلالات أمنية وسياسية مذهلة. فالضابط الذي تصفه ‘وول ستريت جورنال’ بأنه “أحد أكثر ضباط السي آي إيه خبرة في الشرق الأوسط”، الذي سبق أن شارك في عمليات سرية معقدة (من بينها تهريب عائلات جواسيس من “قبضة أنظمة قمعية في المنطقة”)، والذي وصل إلى منصب رفيع داخل الوكالة يعادل رتبة لواء.
مهمة المراقبة: هل تشكل G42 خطراً على الأمن القومي الأمريكي؟
كان مكلفًا بمراقبة شركة ‘G42’ الإماراتية، أكبر شركة للذكاء الاصطناعي في الدولة، بعدما تصاعدت شكوك واشنطن إزاء تطور علاقات الإمارات التكنولوجية مع الصين، وبالتحديد مع شركات مثل ‘هاواوي’ Huawei ومجموعة BGI وكذلك ByteDance مالكة منصة ‘تيكتوك’.
المهمة الأساسية للجاسوس الأمريكي كانت تقييم ما إذا كانت الشركة الإماراتية تشكل خطرًا على الأمن القومي الأمريكي أو منفذًا محتملاً لوصول التكنولوجيا الأمريكية الحساسة إلى بكين.
تحول غانون إلى وسيط محوري مثير للجدل
لكن ما حدث لاحقًا -بحسب الصحيفة الأمريكية’، أن ‘غانون’ تحوّل إلى “وسيط محوري مثير للجدل” Crucial Controversial Intermediary، لأنه لم يكتفِ برفع التقارير إلى واشنطن، بل لعب دورًا مباشرًا في مساعدة أبوظبي على تبديد الشكوك الأمريكية بشأن علاقاتها مع الصين، وهو ما مهّد لإعادة تموضع ‘G42’ بالكامل داخل الفلك التكنولوجي الأمريكي!
خطوات G42 لإرضاء واشنطن
فيذكر التحقيق أن الشركة الإماراتية اتخذت سلسلة خطوات غير مسبوقة لإرضاء واشنطن، شملت التخارج من استثماراتها المليونية في ‘بايت دانس’ ByteDance، وإنهاء معظم شراكاتها التقنية الحساسة مع الصين، ثم بناء تحالفات استراتيجية بعشرات أو مئات ملايين الدولارات مع شركات أمريكية عملاقة مثل مايكروسوفت Microsoft و’أوبن إيه آي’ OpenAI، في تحول مفاجئ حمل أبعادًا أمنية وسياسية واضحة، إلى جانب تداعياته الاقتصادية.
دبلوماسية الرقائق.. النفط الجديد للقرن الحادي والعشرين
ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر إذا وُضع في سياقه الجيوسياسي. فمنذ بدء الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين، أصبحت الرقائق الإلكترونية المتقدمة أحد أبرز أدوات الأمن القومي الأمريكي، ففرضت واشنطن خلال السنوات الأخيرة قيودًا صارمة على تصدير المعالجات المتطورة إلى الشرق الأوسط خشية انتقالها إلى الصين.
الرقائق حلّت محل النفط في معادلات التحالفات
مثلما تكشف تحقيقات ‘وول ستريت جورنال’ أن الرقائق الإلكترونية حلّت اليوم محل النفط الذي صاغ تحالفات القرن العشرين، وأن خوادم الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات أصبحت لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات والقواعد العسكرية. وقبل هذا وذاك، تكشف أن الإمارات من أكبر الرابحين في “دبلوماسية الرقائق”.
مكافأة الحرب على إيران.. رخصة استثنائية لرقائق إنفيديا
لكن المفاجأة في تحقيق استقصائي آخر نشرته ‘وول ستريت جورنال’ قبل يومين، بعنوان ترجمته الحرفية: “الإمارات كوفئت برقائق ذكاء اصطناعي خفية مقابل دعمها الحرب الأمريكية على إيران”، أن استراتيجية “تمحك القطة بقدم صاحبها” التي انتهجتها الإمارات مع الولايات المتحدة، ارتقت (أو بالأحرى تدنّت) إلى مستوى أخطر مع شن الحرب الأمريكية على إيران نهاية فبراير الماضي، وعادت على أبوظبي بالمزيد من “المكافآت”.
الحصول على رخصة استثنائية لشراء معالجات Blackwell من إنفيديا
فبحسب التقرير، حصلت الإمارات على رخصة “استثنائية” لشراء أكثر رقائق الذكاء الاصطناعي تقدّمًا وطلبًا في العالم، وفي مقدمتها معالجات ‘بلاكويل’ Blackwell من شركة ‘إنفيديا’ Nvidia العملاقة.
الدور الإماراتي الحاسم في عملية “الغضب الملحمي“
ووفق بيانات وزارة التجارة الأمريكية -التي نقلتها أيضًا صحيفة ‘هندوستان تايمز’- فإن هذه الرخصة جاءت كـ”مكافأة” للدور الإماراتي الحاسم ميدانيًا خلال عملية “الغضب الملحمي”؛ والذي شمل المشاركة في تنفيذ عشرات الغارات الجوية على أهداف داخل إيران، والمساهمة في اعتراض مئات الصواريخ والمسيّرات على القواعد الأمريكية بالخليج، إلى جانب حماية خطوط الملاحة الدولية والعمل على استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وكذلك تقديم دعم لوجستي وعسكري مباشر لإسرائيل في “زئير الأسد”.
استثناء غير مسبوق يضع الإمارات في فئة تصديرية خاصة
اللافت أن هذه الامتيازات (المكافأة الأمريكية) وضعت الإمارات في فئة تصديرية خاصة تضم دولًا مثل كوريا الجنوبية وعددًا من الدول الأوروبية، رغم أنها ليست عضوًا في أنظمة “الرقابة الدولية على الصادرات التكنولوجية”، وهو ما وصفه موقع ‘سيمافور’ Semafor بأنه “استثناء غير مسبوق”. بل وحصلت أبوظبي على “امتيازات تقنية” لا يتمتع بها حتى أكبر الحلفاء التقليديين لواشنطن في المنطقة (السعودية ومصر).
G42.. من موضع مراقبة إلى بوابة ملكية للتكنولوجيا الأمريكية
ومن قلب هذا المشهد السينمائي، تطل شركة ‘G42′ الإماراتية مجددًا. فبعدما كانت “موضع مراقبة” من الاستخبارات الأمريكية، أصبحت اليوم البوابة الملكية لدخول أحدث منتجات التكنولوجيا الأمريكية إلى الخليج، كما تحولت إلى شريك رئيسي لشركات عملاقة، مثل مايكروسوفت وOpenAI وأمازون وأوراكل Oracle و’إنفيديا’ Nvidia، في مشاريع مراكز البيانات العملاقة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
قفزة أكبر من العلاقات الاقتصادية
ورغم أن الاستثمارات الإماراتية في الاقتصاد الأمريكي تتجاوز تريليون دولار (التزامات)، مع خطط لرفعها إلى نحو 1.4 تريليون دولار خلال العقد المقبل (حسب تصريحات إدارة ترمب)، فإن التحولات الأخيرة على مسار التحالف التكنولوجي تمثل “قفزة” أكبر من العلاقات الاقتصادية.
الذكاء الاصطناعي.. عنصر القوة الجيوسياسية للعقود المقبلة
إذ تؤكد دراسات صادرة عن مؤسسة ‘راند’ RAND البحثية ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS أن التقنيات والمعالجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ستكون أهم عناصر القوة الجيوسياسية خلال العقود المقبلة، وأن التحكم في سلاسل توريد الرقائق الإلكترونية لم يعد قضية صناعية، بل جزءًا من الأمن القومي للدول الكبرى.
دبلوماسية الظل التقنية
ومن هذا المنظور، تبدو قصة ضابط السي أي إيه الأمريكي ‘جوني غانون’ أكثر من مجرد مهمة سرية في الإمارات تحولت إلى صداقة وصفقة، لأنها تكشف نموذجًا جديدًا لما يسميه بعض الباحثين “دبلوماسية الظل التقنية” Shadow Tech Diplomacy، حيث لا يقتصر دور الاستخبارات على جمع المعلومات، بل يمتد إلى بناء الثقة، وإعادة هندسة التحالفات، والتأثير في قرارات الشركات والدول، وتوجيه مسارات الاستثمار بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة الصين وإيران وغيرهما من خصوم؛ مرئيين وغير مرئيين.
المصدر
صفحة هاني الكبيسي على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
المخطط الإماراتي-الإسرائيلي: الاستحواذ على البحر الأحمر وتقسيم العالم العربي


