تصميم صور المنشورات 10 3

هناك سجدات مختلفة.. سجدات بعضها يغيّر التاريخ. إحدى هذه السجدات استغرقت من الزمن بضع ثوانٍ لا أكثر. لكن الطريق إليها لم يكن سهلاً ولا يمكن اختزاله في تلك اللحظة.

المشهد الأول: صباح يوم الزينة

في صباح ذلك اليوم خرج رجال يحملون الحبال والعصي مطاردين الذهب وطامعين المناصب والقرب من العرش. بعد السجود كانت الأجساد ذاتها تطمع في دار أخرى ونعيم آخر لكن تطلعهم بأجساد ممزقة استقرت فوق جذوع النخل، وقد صغرت الدنيا كلها في أعين أصحابها.

وبين ذلك الصباح وذاك المساء كانت واحدة من أعجب التحولات في التاريخ. تحول لم تصنعه الجيوش ولا الممالك ولا السيوف. لقد صنعته لحظة انكشف فيها الفرق بين الوهم والحقيقة.

إن يوم الزينة لم يكن مجرد مواجهة بين موسى والسحرة. لقد كان يوماً اصطدمت فيه الأباطيل كلها بحقيقة واحدة. حقيقة التوحيد.

كانت شمس الضحى تتعالى في كبد السماء، تسكب نورها الكاشف على ميدان لم تشهد مصر أوسع ولا أرهب منه. العيون معلقة بالساحة، والأنفاس محبوسة في الصدور. فرعون يجلس في كبريائه، محاطاً بحرسه وكهنته، يرمق الحشود بنظرة الواثق المتمكن بعد أن أرسل في المدائن حاشرين فجُمع أمامه آلاف السحرة: ثمانون ألف ساحر يتقدمهم كبراؤهم السبعون الأشهر والأعلم.

صفوة عقول المملكة.. خبراء الخداع، وأرباب التخييل وصناعة الوهم والاسترهاب. محترفو تجميل القبيح وتزيين الباطل وتحويل الهزيمة إلى انتصار والباطل إلى حق والحق إلى باطل.

ربما كان فرعون يحكم الأجساد بالسوط والسيف لكنه لم يكن يستغني عمن يسحر العقول ويرهب الأعين كجزء أصيل من الحالة الفرعونية وليس مجرد استدعاء عابر ليوم واحد. لكن السحرة أدركوا أن الأمر جلل فربما لم يتم جمعهم بهذا الكم من ربوع مصر وقراها ونجوعها في يوم واحد بهذه الطريقة.. آن لهم إذاً أن يستغلوا الموقف.

وقف السحرة في اصطفاف مهيب يحملون حبالهم وعصيهم، تملأ نفوسهم طموحات دنيوية خالصة ثم توجهوا إلى فرعون بسؤال يختصر غايتهم كلها: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: 41].

الأجر.. الذهب والفضة والجاه والمكانة.. جاءهم الرد الفرعوني الذي يرفع سقف أطماعهم إلى عنان السماء: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: 42].

القرب من العرش… ربما لم يطلبوه تصريحاً لكن حيهلا.. الحظوة أمر مرحب به والوعود تسكر النفوس، وتدفعها لتقديم أقصى طاقاتها.

المشهد الثاني: موقف موسى وموعظته

في قلب هذه الأجواء المشحونة بالترقب يقف موسى ومعه أخوه هارون. لقد كان المشهد يتجاوز فكرة المواجهة الفردية.. نحن أمام رجل يقف أعزل في مواجهة عدد هائل من طائفة حرفتها صناعة الوهم وحراسة الزيف.. متدرعا بيقين يملأ صدره، ومعية ربانية تحيط به من كل جانب. وقبل أن تندلع عاصفة الخداع، أطلق فيهم موعظته القوية بعزة مذهلة محذراً الحشود المتحدية أمامه من التمادي: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ﴾ [طه: 61].

كلمات صادقة نزلت كالصاعقة على القلوب، فاهتزت صفوف السحرة: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: 62].

قبل أن يلقي موسى عصاه، وقبل أن يعاينوا أي معجزة مادية تخطف الأبصار، كانت كلمات الحق المزلزلة قد فعلت فعلتها. بمجرد أن سمعوا نبرة اليقين الصافية، وبمجرد أن لمسوا تلك القوة الكاسحة التي يستمدها الرجل من إيمانه؛ ارتبكت الصفوف. والتنازع هو الشق الأول في جدار أي كيان باطل. لقد تصدعت أركان بنيانهم الهش، واهتزت ثقتهم تحت وطأة الصدق، فاحتاجوا إلى أن يلملموا شتات أنفسهم، وأن يتبادلوا جرعات التثبيت الزائفة: ﴿قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ﴾ [طه: 63].

ويا لها من مفارقة! يذكرون أنفسهم بالتهمة الجاهزة والمعلبة التي سوّقها فرعون، لعلهم يخدعون آذانهم التي التقطت ذبذبات الحق. يقنعون أنفسهم بأن هذا الرجل ليس سوى متآمر يسعى لهدم “طريقتهم المُثلى”. مُثلى؟! أهي حقا كذلك؟ أي مثالية في استعباد الناس وذبح أطفالهم؟ هو خداع النفس الضروري لاستكمال المهمة المظلمة التي هم مقبلون عليها.

ولأن الباطل لا يقف على قدمين ثابتتين، كان لابد من مزيد من الحث والتشنج الأجوف، والحشد النفسي: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ﴾ [طه: 64]. لقد أرادوا أن يُخفوا تنازعهم باصطفاف جسدي محكم، وأن يداروا قلقهم باستعلاء زائف.

ولأن السحرة محترفون في صناعة الإيهام، فهم يدركون أن من أسرار السيطرة على الوعي هو تصدير الإحساس المطلق بالثقة. لذلك تقدموا نحو موسى بثبات مصطنع، وعرضوا عليه خيار البداية بأدب يغلفه غرور المتمكن: ﴿يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [طه: 65].

هم من يمنحونه الخيار وهم من يأخذون بزمام المبادرة. طريقة مدروسة لإيصال رسالة للخصم وللجماهير بأن الأمر سيان عندهم، وأن النتيجة محسومة لصالحهم أياً كان من سيبدأ النزال.

المشهد الثالث: ثبات النبوة

هنا يتجلى ثبات النبوة الهادئ والمختلف تماماً عن تنازعهم الخفي.. لم ينازعهم موسى، ولم يظهر عليه أي اضطراب أو تعجل. لقد تنازل لهم عن المبادرة ببساطة شديدة، ومنحهم المساحة كاملة ليفرغوا كل ما في جعبتهم تحت ضوء شمس الضحى الساطعة: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ﴾ [طه: 66].

إن ثقة موسى لم تكن مصطنعة تستخفي خلفها صراعات القلق.. لقد كانت ثقة تستمد جذورها من حقيقة الرسالة والاتصال المطلق برب العالمين. وشتان ما بين ادعاء الثقة وبين اليقين!

ثم جاءت اللحظة الحاسمة.. عشرات، بل مئات وآلاف السحرة يتقدمون. ينفخون، وينفثون، ويتمتمون بتعاويذهم، ويعقدون عقدهم، ثم في لحظة واحدة يطلقون حبالهم وعصيهم وهم يصرخون بالقسم: “بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ”. هكذا أعلنوها، قميئة، سخيفة، وسمجة! “بعزة فرعون”.. لابد من الشعار. لابد من العنوان العريض الذي يبرر وجودهم.

السحرة في الغالب لا يعبدون فرعون كما يعبده العوام، فلهم عقائدهم وعهودهم المظلمة في عوالم السحر. فما علاقة فنهم وتعاويذهم بعزة فرعون؟ إنها ببساطة الغاية من وجودهم في ذلك الميدان وفي ذلك اليوم.. مجرد أدوات لتلميع نعله. وكل إمكاناتهم مسخرة لهدف واحد: تزيين فرعون ووجوده وترسيخ الهتاف باسمه.

المشهد الرابع: السحر العظيم

لم تمض لحظات حتى امتلأت الساحة بالحبال والعصي. نعم هي حبال وعصي حتى لو خُيل للجماهير المحتشدة أن الأرض انشقت عن أودية من زئبق حي يزحف نحوهم.. لن تحولها الطلاسم والنفثات والعقد إلى غير حقيقتها… ستظل حبال وعصي يصحبها وهم.. مجرد وهم..

ولتبدأ أخطر لحظات المواجهة، وأعظم اختبار مرّ على قلب موسى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116].

لقد كان سحراً عظيماً بشهادة القرآن الحكيم. خداع بصري متلاطم يخطف الأبصار.. يزلزل القلوب.. ويجمد الدم في العروق. وعبر بوابة العين تسللت الرهبة لتعصر الأرواح. لكن الصورة وحدها هي ما استطاعوا تغييره.. تحولت الحبال والعصي إلى أمواج تبدو حية كأنها أفاعٍ تتلوى.. ورغم زيف المشهد إلا أنه قد ترك أثره المقبض على جميع الحاضرين في تلك الساحة…

حتى نبي الله موسى.. في خضم هذا الموج المتلاطم من الخداع، تحركت الفطرة البشرية داخل موسى عليه السلام: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ [طه: 67].

النبي المكلم، والرسول من أولي العزم، استشعر الخوف. ربما هو خوف المصلح من أن تنخدع الجماهير بهذا الزخرف الباطل قبل انجلاء الحقيقة.. خوف الداعية الصادق على قلوب الناس من أن تبتلعها تلك الأمواج الكثيفة من الأوهام. السحرة مؤثرون فعلاً.. ينفذون إلى العقول والقلوب عبر الأعين.. والمهونون من خطرهم يعيشون في عزلة تامة عن واقعهم.

المشهد الخامس: التوجيه الرباني

الموقف كان يستدعي تدخلاً حاسماً لإنقاذ المشهد والسيطرة على هذا الهاجس من الخوف الذي تسرب إلى قلب موسى. هنا جاء التوجيه الرباني المباشر، سريعاً وواضحاً، يمسح كل ذرة قلق، ويثبت القلب المتوجس: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾ [طه: 68].

أنت الأعلى بإيمانك.. بمعية الله لك.. بيقينك المطلق في الحق الذي تحمله.. فكيف تخاف إذن؟

﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 69].

هنا زالت هواجس الخوف تماماً من قلب الكليم عليه السلام، وقبل أن يلقي عصاه لتلتهم حبالهم، ألقى العقيدة الصافية لتستقر في أسماعهم: ﴿قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81].

مهما تعاظم هذا الإفك، ومهما بدت صورته مبهرة = سيبقى سحراً.. والقاعدة الربانية قاطعة لا تقبل الاستثناء: السحر فساد. والفساد لا يثمر، والله لا يصلح عمل المفسدين… أبداً.

المشهد السادس: إلقاء العصا وانقلاب الموازين

ثم ألقى موسى. وما حدث بعد هذا الإلقاء غيّر وجه التاريخ: ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: 45].

تلك القطعة الخشبية البسيطة ابتلعت في ثوانٍ معدودة كل ذلك الزيف الذي يسعى. هي لم تعد عصًا بعد الآن. فجأة انشق المشهد عن مخلوق هائل يتعاظم أمام الأبصار لحظة بعد أخرى حتى خُيّل للناظرين أن تنينًا أسطوريًا قد خرج من باطن الأرض وارتفع جسده الضخم فوق الساحة المزدحمة، والتفَّ كجبلٍ حيٍّ يتحرك، ثم اندفع بين آلاف الحبال والعصي التي غطت الميدان حتى كادت تحجب ترابه، يلتقمها في سرعة مروعة.

الساحة كانت قد امتلأت بالزيف فجاءت أفعى موسى الحقيقية أكبر من أن تُقاس بها؛ تجتاح ذلك البحر المتلاطم من الأوهام كما يجتاح السيل الجارف عيدان القش، حتى بدا للناظرين أن الباطل كله يُسحب من الأرض سحباً ويُلقى في جوف الحقيقة.. ميدان كامل من الوهم يختفي أمام أعينهم في لحظات معدودات.

وانقشع السحر.. وتلاشت الحبال والعصي، وعاد الميدان فارغاً إلا من حقيقة واحدة ساطعة وواضحة وضوح شمس الضحى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 118-119].

هزيمة مروعة، وفضيحة مدوية تجرعها فرعون وحاشيته على مشهد من الذين حشروا ليشهدوا انتصاره المنتظر. كأني أرى بعيني الجماهير مذهولة، وفرعون المبهوت يتشبث بأطراف كرسيه كأن صاعقة ضربته.

المشهد السابع: سجدة السحرة

أما الزلزال الحقيقي فقد ضرب صفوف السحرة أنفسهم. هم لم ينشغلوا في تلك اللحظة بالصغار والهزيمة التي لحقت بفريقهم.. ما لفت انتباههم وعصف بأرواحهم كان أمراً جليلاً.. إنها الآية.. الحقيقة التي سحقت إفكهم بلا رجعة.. تلك الأفعى الهائلة لم تكن وهماً.

هم أهل التخييل وأرباب الصنعة. والساحر قد يسحر أعين الناس لكن يستحيل أن يسحر عينه بنفسه. هم يدركون تماماً أين تنتهي حيل البشر وأين تبدأ قدرة الخالق. لذلك أدركوا مباشرة بخبرة وعلم أن ما حدث يقع خارج نطاق الإنس والجن.. هذا ليس سحراً ولا يشبه السحر في شيء.

في تلك اللحظة الفارقة من عمر الزمان، تهاوت كل الأطماع الدنيوية، وسقطت الأقنعة الزائفة: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾ [طه: 70].

﴿فَأُلْقِيَ﴾.. يا له من لفظ وبناء.. كأن قوة هائلة اجتاحت قلوبهم فدفعتهم وألقتهم. قوة اليقين الجارفة التي سلبتهم قدرتهم على الوقوف، فدفعت أجسادهم دفعاً إلى الأرض. لم يتمالكوا أنفسهم، وخروا للأذقان ساجدين خاشعين مضطرين أمام عظمة الآية.

كما نعاين من معجزات الله يومياً.. نطفة تتحول إلى كائن يملأ الدنيا صخباً، حبة تشق ظلمات الأرض لتصبح نبتة خضراء.. لولا إلف العادة ونقصان التأمل لخررنا ساجدين مسبحين في كل لحظة. أما هؤلاء، فقد رأوا عروق الخشب الميت تنبض بالحياة لتصبح ثعباناً مبيناً يلقف حبالهم، فلم تملك أقدامهم أن تحملهم لحظة واحدة إضافية في صف الباطل.

لقد كانت سجدة واحدة محت آثام سنوات، وأثبتت أن اللحظة الصادقة كفيلة بإعادة صياغة التاريخ الشخصي للإنسان بأكمله. وفي كل إنسان بذرة وأمل أن يتغير مهما بدا حاله بعيداً… هؤلاء الذين احتشدوا في الصباح لهدم دعوة موسى، صاروا في ومضة عين أعظم الشهود على صدقها.

في الصباح الباكر كانوا يسألون في طمع مادي خالص: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾. وفي المساء، وتحت ظلال التهديد وتقطيع الأوصال سيقولون بيقين أرسخ من الجبال: ﴿إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 50].

رحلة قصيرة في حساب الزمن، لكنها امتدت في عمق المعنى لتختصر المسافة بين الدنيا والآخرة، وبين الخوف واليقين، وبين الوقوف كأدواتٍ رخيصة والسجود أحراراً لله رب العالمين.

هي كما أخبرتك في مفتتح كلامي… سجدة غيّرت التاريخ. استغرقت بضع ثوانٍ، لكنها قلبت الموازين بالكلية في واحد من أعجب التحولات في مسيرة البشرية.

المشهد الثامن: انكشاف حقيقة الملأ

لقد غُلب السحرة، وحان وقت الوفاء بالشرط الذي ألزم الملأ به أنفسهم حين حشدوا الجماهير: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: 40]. المنطق يقتضي أن يكون الشرط معلقاً باتباع “الغالب” أياً كان. غير أن الهوى المسبق فضح نفسه في مفتتح دعوتهم، فحددوا الانحياز للسحرة ابتداءً.

تلك الشروط الأنيقة كانت ذراً للرماد في العيون. الغالب كان موسى، والسحرة أنفسهم آمنوا برب العالمين، ورغم ذلك، لم يتبع الملأ السحرة ولم يخضعوا للآية التي انتصرت. الاتباع المزعوم لم يكن حباً في السحرة، والمفاصلة لم تكن رغبة في جلاء الحق. الأمر برمته كان قناعاً لحقيقة تتكرر دوماً: الاتباع مشروط بما يوافق الهوى، والغلبة المنشودة عندهم هي غلبة لها صفات محددة لا غلبة البينة والبرهان.

وبمجرد أن فارق السحرة هذا المسار، سقطت قيمتهم، وتبددت الوعود، وانهارت الشروط. أتباع الباطل جاهزون دائماً لإسقاط أي متبوع يخالف أهواءهم، حتى لو كان فرعون نفسه، وإلا لبحثوا عن صنم جديد يحدثهم بما يشتهون.

المشهد التاسع: تهديد فرعون ورد السحرة

أما السحرة، فكانوا في شأن آخر يكاد يلامس عنان السماء. لقد خروا ساجدين. وبدأت المرحلة الحقيقية من وجودهم. سنستمر في تسميتهم “بالسحرة” لغياب اسم آخر نعرفهم به، والحقيقة أنهم منذ السجدة قد تجردوا من هذه المهنة للأبد. لقد صاروا مؤمنين، وبعد قليل سيرتقون شهداء.

وهذا السجود المباغت زلزل أركان مدعي الألوهية، ووجد فرعون نفسه أمام مشهد يهدد هيبته. كيف تجرؤ نفوس على الإيمان بإله غيره قبل أن يصدر مرسومه بالإذن؟ استشعر فرعون عندئذ انهيار جدار الرهبة الذي بناه حول ملكه لعقود، فانفجر مهدداً بالوعيد الوحشي: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 71].

التهديد بقطع الأطراف، والصلب العلني، والتشويه المروع. كيف سيرد هؤلاء الذين جاءوا في الصباح يساومون على الذهب والمناصب؟ في حسابات المنطق المادي، كان يمكن لهؤلاء الرجال أن ينكروا، أو يلجؤوا للتقية ادعاءً بأنهم ما زالوا على دينه لينجوا بحياتهم.

غير أنهم في تلك اللحظة قد اختاروا الصدق والاستعلان التام: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72].

لقد وجهوا لعدوهم رسالة تحمل إثباتاً ونفياً قاطعين. أثبتوا له قضاءً محلياً مؤقتاً، وأثراً محدوداً بعاجل دنياهم: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. ونفوا عنه تماماً القدرة على الإضرار الحقيقي بجوهرهم: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾.

كيف يكون تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، والصلب، والتعذيب الوحشي “لا ضير”؟ كيف يستهينون بهذا الألم المرعب وهم يقرون بإمكانية وقوعه الحتمية؟ السر يكمن في وضوح الوجهة.. في البوصلة التي استقرت أخيراً: ﴿إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 50].

هذا هو اليقين الذي احتل مساحات صدورهم، فأزاح كل هم آخر، واستبدله بهمّ واحد عظيم، هو همّ اللقاء والساعة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 51].

﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 73].

المشهد العاشر: القاعدة الذهبية

هكذا تتجلى القاعدة الذهبية: همّ الآخرة متى استقر فعلاً في قلب إنسان، كفاه الله كل هموم الأرض. مطلبهم صار فقط المغفرة واستعلوا به على ألم العذاب فقالوا: افعل أقصى ما تملك. قطع الأوصال، واصلب الأجساد… كأنهم اكتشفوا فجأة أن قوة المتجبرين تقف عند حدود هذه الحياة الفانية، وهم قد وجدوا الحياة الباقية فتحرروا من قيد الخوف، وكسروا صنم الرهبة الذي سكن عقولهم لسنوات.

قد يعجب المرء حين يتأمل هذا التحول الجذري، وكيف خرجت عبارات من أروع ما قيل في الصدع بالحق عن الدار الآخرة من أفواه كانت منذ فترة قصيرة تتمتم بطلاسم المشعوذين. كيف قالوا: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ۝ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ ۝ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾ [طه: 74-76].

كلمات نورانية محكمة تضيء بالعلم والوعي كما ترى. كيف عرفوها ومتى تعلموها؟ هل تسرّبت إليهم من قبل مجيئهم دعوة موسى وهارون؟ أم هي الفتوح الربانية التي تتنزل على القلوب حين تصدق، فتخرج كلماتها حية وضيئة؟ أياً كان السبب، فقد تكلموا، وكان لكلماتهم وقع اليقين الخالص.

المشهد الحادي عشر: ثبات عجيب

في ثبات عجيب طرحوا معادلة الوجود ببساطة متناهية: الجنة والنار. الثواب والعقاب. النجاة والهلاك. هذا الخطاب المباشر الواضح، يستخف به كثيرون اليوم زاعمين أنه لا يؤثر إلا في محدودي العقول، فيتكلفون خطابات معقدة متفلسفة ظناً منهم أنها الأجدى والأنفع. لكن رغم مكانة السحرة كصفوة لعقول عصرهم، فقد تجاوزوا كل استعراض فكري، وأعلنوا الحقيقة عارية مجردة دون تقعر أو تعقيد. الغاية هي رضا الله، والهدف هو الجنة.

ورغم هذا الطابع الإيماني الأخروي المبهر، احتفظ خطابهم بواقعية شديدة وإدراك عميق لأبعاد الدنيا وقواعدها. لم يجعلهم إيمانهم في معزل عن قراءة الأحداث، فواجهوا فرعون بحقيقته العارية: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: 126].

هذه هي عقدته الحقيقية. ينقم منهم الإيمان، وينتقم لقبولهم البينة. إن انزعاج فرعون الحقيقي كان في التفلت من سيطرته المحكمة على سحرته. والقضية عنده كانت تتلخص في أن يكون الإيمان إيماناً يتحرك بالأمر والإذن: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. هو يرى لنفسه الحق المطلق في تحديد أفكار الناس، وفي الحكم عليهم، ولا يهوى العيش إلا مع عبيد يهللون لخطواته. أما من قرر بإرادة مستقلة، فهو عنده متآمر لابد من تشويهه بدعاية سوداء جاهزة: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾.

تناسى فرعون في لحظاته أنه هو من أتى بهم من أنحاء البلاد، وافترض مؤامرة وهمية ليبرر البطش بهم بعد خطيئتهم الوحيدة التي كانت نسيان الحصول على إذن قبل السجود.

المشهد الثاني عشر: الدعاء والخاتمة

أدرك السحرة كل هذا، ولخصوه في كلماتهم الجامعة الواعية، قبل أن يختموا مشهدهم المهيب بالدعاء الذي يختصر كل شيء: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126].

لقد طلبوا الصبر؛ لمعرفتهم اليقينية بضراوة الثمن القادم. وطلبوا الثبات حتى تفيض الأرواح وهي متشبثة بعهد الإسلام وصدق اليقين.

إن الإنسان مخلوق غاية في التعقيد.. يحمل في داخله قابلية مذهلة للتحول الإيجابي. الذين اصطفوا لتحدي النبوة في أول النهار، أنهوا يومهم شهداء يلقنون الدنيا معنى الثبات. سجدة واحدة محت آثام سنوات، وأثبتت أن اللحظة الصادقة كفيلة بإعادة صياغة التاريخ الشخصي بأكمله.

بعد انفضاض الجمع

ثم انفض الجمع، ومالت شمس يوم الزينة نحو الغروب. وتُركت الساحة شاهدة على تحول جذري غيّر وجه التاريخ. خرج السحرة من المشهد ليدخلوا ساحة الخلود ويصيروا أيقونة لكل من انتصر على خوفه، ولكل من تيقن أن العلو الزائف ينتهي في اللحظة التي يتحرر فيها الإنسان من الخوف.

وعاد فرعون إلى قصره يجر أذيال خيبة ثقيلة.. عاد يرتجف من عجزه أمام أرواح لم يستطع كسرها بتمزيق أجساد أصحابها.. كان يظن أن دماء السحرة ستغسل عار هزيمته، والمعركة قد انطوت صفحتها عند جذوع النخل.. لكنه لم يكن يدري أن سقوط السحر لم يكن سوى نذير خفي لأهوال قادمة ستعصف به غداً، حين تأتي السنين… فتجف العروق، وتختنق الحقول، ويزحف الجوع والموت البطيء لينهش مع الجراد والقمل والضفادع ما تبقى..

المصدر

صفحة د. محمد علي يوسف على منصة ميتا، بتصرف يسير.

اقرأ أيضا

هدايات من قصة موسى

ميقات موسى: رحلة القرب التي لا تُنسى

التعليقات معطلة