تصميم صور المنشورات 4 3

قبل أن تطأ جيوش المسلمين أرض بيت المقدس، كانت السماء قد سبقتهم إليه.. فالإسراء لم يكن مجرد رحلة، بل كان إعلانًا أن القدس في قلب الرسالة، لا في هامش المعارك.

القدس لم تُفتح بالسيف أول مرة.. بل فُتحت بالنبوّة

حين يُختزل الحديث عن بيت المقدس في الفتح العمري أو التحرير الصلاحي، فإننا – من حيث لا نشعر – نبتُر أصل الحكاية، ونفصل النتيجة عن بدايتها.

فالقدس لم تدخل التاريخ الإسلامي أول مرة مع الجيوش، بل دخلته مع الوحي، ولم تُفتح أول مرة بالسيف، بل فُتحت بالنبوّة.

إن الإسراء والمعراج لم يكن حدثًا روحانيًا عابرًا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان نصرًا إلهيًا وفتحًا نبويًا بامتياز؛ نصرًا جاء بعد عام الحزن، وبعد الشدة والابتلاء، حين ضاقت الأرض بما رحبت، فانفتحت السماء.

لقد شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون مواساة نبيه، وإظهار مقامه، وإثبات صدق نبوته، مرتبطةً ببيت المقدس. فكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إعلانًا صريحًا أن القدس ليست هامشًا في الرسالة، بل في قلبها النابض.

فتحٌ بالمعجزة..وتثبيتٌ للأحقية

كان الإسراء معجزةً نبويةً كبرى، أقام الله بها الحجة على المكذبين، وبرهن بها على صدق نبوته، وربط بها بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ربطَ عقيدةٍ لا ينفصم. لكن الأعمق من ذلك أن الإسراء كان فتحًا للمعنى: فتحًا للأحقية، وفتحًا للشرعية، وفتحًا للوصاية.

وحين أمَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الأنبياءَ والمرسلين في المسجد الأقصى، لم يكن ذلك مشهدًا تعبديًا رمزيًا فحسب، بل إعلانًا كونيًا حاسمًا:

إعلانًا بأن الرسالة قد خُتمت، وبأن القيادة الجامعة قد انتقلت، وبأن بيت المقدس – الذي كان مقام الأنبياء – صار في تلك الليلة مقامَ خاتمهم وإمامهم.

فإن كان الأقصى محجَّ الأنبياء، فقد غدا في الإسراء والمعراج مقامَ الختم، وموضع النسخ بالحضور.

بيت المقدس… بوابة السماء

من المسجد الأقصى بدأ المعراج، ومنه عُرج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، إلى مقامٍ لم يبلغه ملكٌ مقرّب ولا نبيٌّ مرسل. وهنا تتجلّى دلالة عميقة لا يجوز إغفالها:

القدس ليست فقط أرض الأنبياء، بل بوابة السماء في مسار الختم النبوي.

ثم كان الإكرام الأعظم للأمة: أن هذا القرب الإلهي لم يُحجب عنها. ففي ذلك المقام الفريد فُرضت الصلاة، لتكون:

معراجًا يوميًا للمؤمن، وصلةً دائمة بين العبد وربه، وتجسيدًا عمليًا لمعنى القرب الإلهي. وليس عبثًا أن يكون: أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد، كأن الأمة أُعطيت، في السجود، نصيبًا من معراج نبيها.

المسجد الأقصى… وصناعة الرجال

ليس من العبث أن يكون المسجد هو بوابة الفتح، ولا أن يكون بيت المقدس في قلب هذا المعنى. فالمساجد، في التصور القرآني، ليست جدرانًا للعبادة فحسب، بل مصانع للرجال:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾[النور:36].

وإذا كانت هذه الوظيفة عامة في بيوت الله، فإن المسجد الأقصى يتقدّمها نموذجًا وقدوة؛ فهو:

أولى القبلتين ابتداءً، وثالث الحرمين الشريفين حرمةً ومقامًا، وموضعُ توأمةٍ عقدية بينه وبين سائر مساجد الأمة.

بهذا الارتباط القبلي والتعبدي، غدا الأقصى جزءًا من الأساس الروحي والتربوي للأمة، لا قضية طارئة ولا شعارًا موسميًا.

وإذا لم يعد قبل الصلاة للأمة فهو قبل الجهاد لها، وإذا حرمنا عمارته، فلا نحرم روحه.

الفتح النبوي… وصناعة التاريخ قبل وقوعه

وليس الفتح النبوي محصورًا في الإسراء والمعراج وحده، بل تجلّى أيضًا في توجيه التاريخ قبل وقوعه.

فآخر قرارٍ عسكريٍّ اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في مرض وفاته، كان إنفاذ سرية أسامة بن زيد نحو تخوم الشام، أرض الأنبياء، وعلى مقربةٍ من بيت المقدس.

لم يكن ذلك قرارًا عابرًا، بل تثبيتًا للاتجاه:

أن الشام – وبيت المقدس في قلبها – مقصدٌ استراتيجيٌّ مرسوم بالوحي.

وبهذا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم مساهمًا في الفتح العمري، لا بالسيف، بل بتحديد الجغرافيا، وترتيب الأولويات، وربط القرار السياسي بالمقصد النبوي.

فالفتح العمري لم يكن قفزةً مفاجئة، بل حصادَ مسارٍ بدأ بالتوجيه النبوي، وتأكد بالطاعة، وتُوّج بالعدل.

من وعد الخندق إلى يقين الفتح

لم تكن سرية أسامة بن زيد، ولا الفتح العمري لبيت المقدس، حدثين مقطوعين عن الغيب، بل كانا ثمرةً طبيعية ليقينٍ سابق، لوعد الله وبشارة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ يقينٍ تأسّس على الوعد قبل الواقع، وعلى الإيمان قبل التمكين.

ففي غزوة الخندق، والمسلمون محاصرون، والنبي صلى الله عليه وسلم يحفر مع أصحابه، والفأس في يده، ويده في الأرض، وقلبه معلّق برب السماء، بشّرهم بفتح فارس والروم.

لم تكن تلك البشارة قراءةً سياسية، بل يقينًا موصولًا بالوحي، نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشدّ لحظات الضيق، فسبق به الفتح وقوعه، وسبق به النصر ميدانه.

ذلك اليقين نفسه هو الذي تُرجم عمليًا في إنفاذ سرية أسامة بن زيد في آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم؛ أمر بها رسول الله، ونفّذها أبو بكر، وأتمّ مسارها عمر، فكان ذلك تتويجًا لمسارٍ متصل:

يقينٌ نُطق به في الخندق، وتوجيهٌ رُسم في حياة النبي، وطاعةٌ ثُبّتت بعد وفاته، فكان دخول عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس تسليمًا وعدلًا، لا اقتحامًا ولا انتقامًا.

وهكذا يتّضح أن الفتح العمري لم يكن إلا تنزيلًا تاريخيًا لفتحٍ نبويٍّ صاغه اليقين، وحرّكته الطاعة، وحفظته السنن.

لماذا نحتاج هذا المفهوم اليوم؟

لأن معركة القدس اليوم ليست معركة حدودٍ فحسب، بل معركة سردية وشرعية وهوية. ومن لا يملك سرديته، يُنزَع حقه، ولو امتلك بعض القوة.

إن استحضار الفتح النبوي لبيت المقدس يعيد القضية إلى أصلها:

فالقدس أمانة نبوية قبل أن تكون قضية سياسية، والأمة وارثة حق، لا طالبة اعتراف، وفقدان السيطرة لا يعني فقدان الأحقية.

خاتمة

من يفصل القدس عن الإسراء، ويفصل الإسراء عن المعراج، ويفصل المعراج عن الصلاة، ويفصل الصلاة عن المسجد، ويفصل المسجد عن صناعة الرجال…إنما يختزل القضية ويُفرغها من روحها.

أما من جمع هذه المعاني، أدرك أن:

بيت المقدس فُتح بالنبوة، ومُهِّد له بالتوجيه، وثُبّت بالعدل، ويُحفَظ اليوم بالصلاة، وبالمساجد، وبالرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع.

ذلك هو الفتح النبوي…

وحين يُستعاد، لا تعود القدس وحدها، بل تعود البوصلة كلها.

المصدر

مجلة منار الإسلام، الأستاذ عبد الصمد فتحي.

اقرأ أيضا

دور الحافظ ابن عساكر في التهيئة لتحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين

التعليقات معطلة