هل يليق بخطاب الأنبياء أن يُوزن بميزان “الإعجابات” و”المشاهدات”؟ أم أن فقه الترند يحول الدعوة إلى استعراض يرضي الخوارزميات قبل أن يرضي الله؟
وصايا الخوارزميات.. حين يصبح النشر استجداءً للأرقام
إن هذه المواقع التي فُرضت علينا فرضا، وغدت منافذ اضطرارية للبلاغ في ظل التضييق والمنع في الواقع؛ تكاد تحولنا إلى أسرى لمنطقها الخاص.
بعد التقييدات الكثيرة التي طالت حسابي هذا، وفي كل مرة أردتُ فيها العودة للنشر، كنتُ أتلقى سيلاً من الوصايا التقنية الجاهزة حول خوارزميات المنصات وكيفية إنعاش التفاعل والوصول إلى عدد كبير من المتابعين:
(انشر في ساعات الذروة حصرا لضمان «الريتش»، استخدم كلمات مثيرة في السطر الأول لتجلب القارئ، لا تتجاوز في نصك 200 إلى 400 حرفا فالناس لا تقرأ، بسّط فكرتك لدرجة الاختزال الشديد لتناسب السرعة، واكتب «الترند» فورا وتحدث فيما يتحدث فيه الناس لتتصدر القوائم).
من مقام البلاغ إلى منطق الاستعراض.. كيف تسلبنا المنصات أمانة التبليغ؟
فانتبهتُ إلى حقيقةٍ مخيفة:
إن هذه المواقع التي فُرضت علينا فرضا ، وغدت منافذ اضطرارية للبلاغ في ظل التضييق والمنع في الواقع؛ تكاد تحولنا إلى أسرى لمنطقها الخاص ، فالاستسلام المطلق لهذه الخوارزميات يجر الخطاب الدعوي من (مقام البلاغ) إلى (منطق الاستعراض)، ويُحدث إخلالاً بمقاصد الدعوة؛ إذ تجعلنا (عقلية السوق) نقع في فخ (الرواج)، فنختار الموضوع لأنه (يُطلب ويُنشر) لا لأنه (يُعلّم ويُصلح) وهذا انحراف بميزان التربية الذي قرره الله بقوله: {وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} ؛ ” قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ” صحيح البخاري ط التأصيل 1/ 244
ومنه نخلص إلى ( فقه البناء التراكمي) ؛ لأن الخوارزمية تطلب “القفز” للنتائج المثيرة، والربانية تقتضي (الصبر) على البناء المتدرج وبناءً عليه: يكون البلاغ على قدر (حاجة المكلف) ومصلحة دينه، لا على قدر (شهوة النفس) وما تطلبه لغة الأرقام.
الوجبة السريعة والغذاء المتكامل.. تشبيه بصري بين الترند والعلم الراسخ
تأملتُ هذا الواقع وأنا أخضع لنظام (حمية غذائية) هذه الأيام، فوجدتُ الرابط عجيباً!
إن الفرق بين (الجمهور العابر) و (الجيل الراسخ) كالفرق – تماما – بين الوجبة السريعة والغذاء المتكامل؛ فالوجبة السريعة (محتوى الترند) قد تسد جوعك اللحظي وتغريك بمذاقها، لكنها لا تبني جسدا ولا تمنح صحة، بل تورث (انتفاخا رقميا) وهزالاً في القيم.
{يَذْهَبُ جُفَاءً}.. الزبد يملأ الوادي لكنه لا يثبت
و(الترند) في حقيقته هو {الزَّبَدُ} الذي يذهب جفاءً ولو ملأ الآفاق ضجيجا، أما العلم الراسخ فهو {مَا يَنفَعُ النَّاسَ} وهو الذي يمكث في الأرض ويبني العقول، فالله تعالى يقول: {قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} وهذا برهانٌ ساطع على أن (فتنة الأرقام) وتضخم المشاهدات لا تمنح القيمة للمحتوى إن كان فارغا من النفع، فالطيبُ طيبٌ وإن قلّ مريدوه، والخبيثُ خبيثٌ وإن ملأ ضجيجُه الآفاق.
دروس من الأنبياء.. نوح وموسى والقلة المؤمنة التي صنعت الأمة
وهنا استذكرتُ منهج الأنبياء؛ فنوح عليه الصلاة والسلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وما آمن معه إلا قليل، لكنهم كانوا (أمة) في ميزان الحق، ثم إنني تأملتُ في حال موسى عليه الصلاة والسلام، كيف كان يقف هو ومن معه أمام ضجيج فرعون وملئه، وصخب جيوشه، وهتاف العامة الغوغاء خلفه؛ ورغم هذا الضجيج الذي ملأ الأرض، لم يقم الميزان الشرعي لتلك الكثرة وزنا، بل قال الله تعالى عن الفئة القليلة الثابتة: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}؛ فجعلهم (أمة) كاملة الميزان، لأن قيمتهم تكمن في تمسكهم بالحق وإقامة العدل به، لا في ضجيج الكثرة الذي كان يحيط بهم من كل جانب.
فالميزان الشرعي لا يعرف الكثرة الكاثرة دليلاً على الصحة، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، ويقول أيضاً: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}،
إن (فقه الترند) قد يصنع (إعجابا) لحظيا، لكنه يفتقر لمقاصد (الوحي)؛ فالترند مادة (إثارة) تطلب الآذان، والوحي مادة (إنارة) تطلب القلوب والعمل..
خطر “الرؤوس الجهال”.. حين تصنع الخوارزميات مشايخ بلا علم
والخشية كل الخشية، أن تحولنا هذه الخوارزميات إلى (رؤوس) تُصدّرها الأرقام بلا علم ولا فقه؛ ففي الحديث: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً… حتى إذا لم يُبقِ عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» متفق عليه.
شهوة الظهور وقواصمها.. من معاناة سفيان الثوري مع النية إلى فتنة التصدر
إن فقه الترند يبرز الرؤوس بناءً على خوارزمية الانتشار لا ملكة العلم، مما قد يغذي (شهوة الظهور) التي كان السلف يهربون منها، ويصفون السعي خلف (الغرائب) و(الطبوليات) لأجلها بأنها من (قواصم الظهور)؛ إذ تُفسد النية وتُذهب بركة العلم. وهنا نستحضر قول سفيان الثوري: «ما عالجتُ شيئاً أشدّ عليّ من نيتي» رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي 317/1.
فكيف بمن تعالج نيتَه خوارزميةٌ قائمةٌ أصلاً على تغذية الرغبة في “الظهور” والتصدر؟!
حدثوا الناس بما يعرفون.. انتهاك القاعدة النبوية في مواسم الترند
وهذا المسلك –مع خطره التربوي– يخالف قاعدة التعليم والنشر الأثرية: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذب الله ورسوله؟» رواه البخاري في صحيحه وترجم له بـ: (بَاب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا).
فأين هذا المنهج الرباني مما نراه اليوم من إقحام العامة فيما يختلف فيه الناس في كل مواسم الطاعات، أو جرّهم لنقاش دقائق العلم ومعضلات المسائل التي كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجمع لمثلها أهل بدر؟!
لقد صارت خفايا المسائل التي تُحفظ لهيبتها المجالس، تُعرض اليوم في (مزاد الترند) ؛ ليُفتى فيها بغير علم، ويُجادل فيها بغير هدى، ضياعا لأمانة العلم، وطلبا لرواجٍ زائل على حساب استقرار الأفهام.
القاعدة التي يجب أن تحكمنا:
إن الأمانة تقتضي أن نُقدّم للناس (غذاءً روحيا) متكاملاً، عمادُه الدليل ورأسه الإخلاص، ولو تراجع فيه التفاعل؛ فإحياءُ عقلٍ واحدٍ بمنهجٍ رصين يلقى الله به، خيرٌ من حشد آلاف العقول بضجيجٍ مستبين لا يورث إلا تشتتا.
ليس المهم أن نصل لكل الناس، المهم حين نصل.. هل بلّغنا (الحق) كما أراده الله، أم أننا نشرنا ما تريده الخوارزمية؟
حمية المحتوى.. لماذا أرفض منطق الخوارزميات؟
لذا.. خلف كواليس التفاعل أقول: لماذا لا أتبع نصائح الخوارزميات؟
لأنني بين (خداع الأرقام) و(أمانة العلم)، وبين عقلية (السوق) ومقام (البلاغ)، وبين الوجبات السريعة و(غذاء العلم).. أدركتُ معنى (الحمية) الحقيقي؛ حمية المحتوى التي تحمي الفكرة من التسطيح، والمنهج من التميع، والنفوس من الفتنة.
فمَن استبدلَ ببركةِ الصدقِ فتنةَ الأرقام، فقد ضيَّع مقامَ (الربانية) ليُرضي منطقَ (الخوارزمية). لذا؛ سيبقى (غذاءُ العلم) مَصونا عن (مَزادات الترند)، فليسَ الشأنُ في كثرةِ الواصلين، بل في براءةِ ذمةِ المُبلِّغين يومَ الدِّين.
اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من خزي التخلي كما نعوذ بك من بطر التصدر.
المصدر
صفحة خالد أوصيف، على منصة ميتا.


