كيف يمكن لأمةٍ أن تسلم سلاحها لعدوها ؟ وهل يمكن لليهود أن يُؤتمنوا على عهد، أو أن ينسحبوا طواعية من غزة وهم يعلمون أن ذلك يعني هزيمتهم المحققة؟ وهل يمكن للكبار أن يضعفوا حقاً؟ وقفةٌ مع واقع متغير، ومعضلة غزة المستمرة، وسؤال المصير الذي يلوح في الأفق.
المفاوضات والحرب.. كل شيء قابل للانفجار
سلمنا سلاحنا لعدونا عند دخول المغول، وعند سقوط الأندلس. فهل تقود حماس الأمة إلى سقوط جديد، أم تلعب مع الكبار لعبة محسوبة؟
فلنتكلم بالعقل. هل اليهود مأمونون؟ هل يوفون بالعهد؟ هل سينسحبون من غزة ويعودون إلى ما قبل السابع من أكتوبر؟ اعتقد أن هذا الأمر مستحيل.
إن انسحبت إسرائيل فعلاً وخرجت من غزة، فذلك يعني هزيمة إسرائيلية محققة. فقد خرجت، وعادت غزة إلى أهلها يحكمونها، ويمارسون فيها كل استعداداتهم السرية لما هو قادم.
تركيا وسوريا.. أوراق ضغط جديدة على إسرائيل
تركيا ترى نفسها دولة تقود أمة، وأردوغان يعتقد أنه يؤسس الجيش الذي سيفتح القدس في حياته أو بعد مماته. وقد أتيح له بعد الانقلاب الفاشل عليه أن يتدخل في سوريا وليبيا وأذربيجان، وقال إنه قد يتدخل بالطريقة نفسها في الأرض المحتلة.
والأمر نفسه مع أحمد الشرع في سوريا، ومع عشرات الآلاف من المقاتلين معه. يرون أنهم قد يكونون المقاتلين الذين تُوكل إليهم مهام كثيرة في طريق تحرير القدس.
وبالرغم من أن الأماني شيء، والواقع شيء آخر، إلا أن الأماني والواقع يسيران اليوم في طريق واحد. فقد سهل الواقع على تركيا التواجد في سوريا، وأصبحت ورقة ضاغطة على إسرائيل. حتى إن كثيرين يرون أن الحرب القادمة للكيان ستكون ضد سوريا وتركيا، وأن حرب إيران ستكون لعبة مقارنة بها.
الله يستنزف قوة الظالم شيئاً فشيئاً
الواقع يقول إن الله يستنزف قوة الظالم شيئاً فشيئاً، حتى يكون بمقدور عباده الصالحين التفوق عليه.
الواقع يقول إن جيش بشار قد تهاوى، وإيران قد تهاوت، وحزب حسن نصر الله قد دُمّر، وروسيا فقدت مئات الآلاف من جنودها وعتادها. حدث كل هذا قبل أن يأذن الله، وتخرج قوات ردع العدوان لتجني ثمرة الرعب الذي قذفه الله في قلوب الذين قتلوا الملايين من المسلمين في سوريا، وتستثمر الانتصارات الكبرى التي جعلت أهل الشام ولأول مرة وجهاً لوجه مع اليهود.
الكبار يضعفون.. روسيا وأمريكا في تراجع
الواقع يقول إن الكبار يضعفون. روسيا تضعف، وأمريكا تضعف، ومخزونها من السلاح أصبح في أمس الحاجة إلى سنوات جديدة من التصنيع العسكري المعقد. فمن أكبر مشاكل أمريكا بعد ديونها، أن سلاحها غالٍ ومعقد ومميز، لكنه في النهاية سيُطلق في الهواء، وستتناقص أعداده.
الواقع يقول إن أمريكا ترى الصين تتجه بهدوء وبرود نحو قيادة العالم، وترى نفسها تسقط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، ما كان لها أن تسقط فيها، خاصة في ذلك الوقت، ولكن الله يفعل ما يشاء.
حماس بين التسليم الشكلي والرفض المطلق
وفي هذا الواقع ترى حماس توافق على تسليم سلاحها ولكن… لأشخاص تثق بهم، ويُخزَّن في أماكن تعرفها، وكأنها حالة تجميد لاستخدام السلاح. والشرطة التي ستحكم القطاع سيكون من بين أفرادها عدد كبير من الشرطة التي تتبع حماس، وأعداد لا حصر لها من الموظفين سيبقون في مواقعهم ومناصبهم. بل سيكون لأبناء حماس الحق في ممارسة العمل العام الخدمي والسياسي.
لكن كل هذا سيحدث إذا وافقت إسرائيل على أن تخرج وتنسحب مهزومة، ويكون لحماس اليد العليا في غزة.
أما إذا رفضت إسرائيل – وإسرائيل سترفض – فستريد أن يكون لها رأي في كل تفصيلة، ووراء كل اسم.
إسرائيل لن توافق ما دامت حكوماتها يمينية متطرفة تهدر دماء المسلمين بلا خوف ولا حساب. إسرائيل، كما قال نتنياهو ولمح كثيراً، تسعى لتهجير أهل غزة، والاستيلاء على القطاع.
وفي أمريكا الحالية في أشد المسائل حساسية تجد ترامب يفعل ما يريده نتنياهو، حتى ولو خالف في سبيل ذلك المخابرات والخارجية الأمريكية، مثل ضرب إيران التي رفض كل من سبقوه الغرق في دوامتها.
حماس لن تسلم السلاح ولن تهدم المصانع
إذًا: حماس لن تسلم السلاح، ولن ترشدهم إلى الأنفاق، ولن تهدم مصانع وورش تصنيع الصواريخ، ولن تسير مع المجتمع الدولي إلا وفق آلية ورؤية تجعلها قادرة على استخدام السلاح الثقيل قبل الخفيف مرة أخرى.
وهذا مرفوض يهودياً، لأنه يعد تسليماً شكلياً لا قيمة له.
غزة ومعضلة الضغط العربي
الدول العربية والإسلامية ضغطت بالفعل على حماس للحصول منها على موافقة، ولكنها لن تضغط على مقاتل ليسلم سلاحه لليهودي الذي قتل مئة ألف من أهله.
وبما أن غزة مستمرة، والسلاح لن يُنزع أو يُسلَّم، فما هي مشكلة غزة؟ مشكلة غزة الوحيدة أن المقربين منها لا يستخدمون أي أوراق ضغط تُذكر على إسرائيل. وكأن القتلى في غزة قُتلوا في المكسيك، وليس على حدود مصر وسوريا والأردن. ولا نعرف إلى متى ستظل غزة تتحمل الأصعب.
الخلاصة
وفي المقابل، فإن تركيا ترى نفسها دولة تقود أمة، وسهل عليها الواقع التواجد في سوريا، وأصبحت ورقة ضاغطة على إسرائيل، حتى إن كثيرين يرون أن الحرب القادمة للكيان ستكون ضد سوريا وتركيا، وأن حرب إيران ستكون لعبة مقارنة بها. والواقع يؤكد أن الكبار يضعفون.
المصدر
صفحة علي عبد الرازق على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
المقاومة الفلسطينية ونزع السلاح بين النداء الإلهي ومكر الأعداء


