تصميم صور المنشورات 20

سورةٌ تُقرأ في كل صلاة، وتُكرر في اليوم سبع عشرة مرة.. فهل وقفت يومًا على أسرارها العقدية والتربوية والدعوية التي جعلتها أعظم سورة في كتاب الله؟

بين يدي التدبر: فضل القرآن وأهمية مدارسته

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد:

فإن خير الكلام كلام الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وبعد:

فيا سعد من جعل القرآن والسنة مصدره في الهداية والأحكام والمواقف؛ إذ لا يضل بإذن الله تعالى إذا ضل الناس ولا يلبس عليه الحق بالباطل إذا التبس على الناس، قال سبحانه (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء: 9].

وقال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82]، وقال سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89]، وقال سبحانه عن القرآن  (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42]، وقال صلى الله عليه وسلم : (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم)1(1) رواه مالك في الموطأ (3338) وغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع(2937)..

وإن خير ما تقضـى فيه الأعمار ويبتغى منه الأجر من الله عز وجل تدبر آيات القرآن والاستزادة منها، ولا سيما في زماننا اليوم الذي يعج بالفتن والشبهات والملذات والنوازل العظيمة من التظليل والتلبيس! وامتثالاً لأمر الله عز وجل لنا بتدبر القرآن ومدارسته والاستزادة بهديه وأحكامه رأيت أن أجمع ما مر علي في مدارسة القرآن وتفسيره فيما مضى _من عقود عمري_ بما فتح الله به من الاستنباطات والمفاهيم والتدبرات في سور القرآن مبتدأ بالفاتحة ثم البقرة إلى ما بعدها من السور إلى خاتمة القرآن، وهذا ليس تفسيرًا للقرآن وإنما هي وقفات في بعض الآيات التي ظهر لي منها في أغلب سور القرآن بضبط السير وتصحيح المسار، فما كان في ذلك من حق وصواب فمن الله عز وجل فهو المانُّ به وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان.

أسأل الله عز وجل الهداية والسداد والإخلاص والصواب.

تدبرات في سورة الفاتحة

ما من سورة من سور القرآن تناولها المفسـرون والمتدبرون بالعناية كسورة الفاتحة.

وأقتصر من ذلك على ما يلي:

أسماء سورة الفاتحة ودلالاتها

  • (سورة الحمد) للبدء فيها بقوله تعالى: (الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) .
  • وتسمى (بالسبع المثاني والقرآن العظيم) لقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: 87]، وقال صَلى الله عَلَيه وَسَلم: (أُمُّ القُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ)2(2) رواه البخاري (4704)..
  •  وتسمى (بأم القرآن) للحديث السابق.
  • وتسمى (بالفاتحة)، لأنه افتتح بها المصحف.
  • وتسمى (بسورة الصلاة) لقوله صَلى الله عَلَيه وَسَلم في الحديث القدسي: (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، … الحديث)3(3) رواه مسلم (395)..
  • وتسمى (بالراقية) لقراءة أبي سعيد الخدري بها على من لدغته العقرب فشفاه الله بها، وقال له النبي صَلى الله عَلَيه وَسَلم (وما يدريك أنها رقية)4(4) البخاري (5749)..

مكانة السورة وأفضليتها

2 ) وهي أعظم سورة في القرآن («لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ» قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ»)5(5) رواه البخاري (5006)..

الحمد لله: استغراق المحامد لله رب العالمين

3 ) (الْحَمْدُ لِلَّهِ) تفيد استغراق جميع الحمد والمحامد لله تعالى؛ فهو سبحانه المحمود في ذاته وصفاته وربوبيته وألوهيته وأفعاله، وكل صفاته صفات كمال وحمد، وهو المحمود سبحانه على كل حال: حال المنع والعطاء والشدة والرخاء، والإكرام والابتلاء، وكل صفاته وأفعاله -منزهة عن النقص- يستحق بها الثناء كله والمحبة كلها والتعظيم كله.

أدب الدعاء: التقديم بالثناء قبل المسألة

4) يعلمنا الله عز وجل في هذه السورة العظيمة أدبا من آداب الدعاء ألا وهو التقديم بين يدي المسألة بالثناء على الله عز وجل وحمده وتعظيمه ثم الدخول في المسألة، وذلك بالبدء بحمد الله رب العالمين وأنه الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والإقرار له بالعبودية حتى قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ثم الدخول في سؤاله سبحانه الاستعانة (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وسؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم في قوله (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).

الدين: بين الجزاء والملة والنظام

5) (الدِّينِ) الوارد في قوله سبحانه: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) هو يوم الجزاء والحساب ويطلق الدين ويراد به (الملة) كما في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19]، كما يراد به النظام والشريعة كما في قوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) [يوسف: 76].

إياك نعبد وإياك نستعين: علاج الرياء والعجب

6) في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، علاج لمرض الرياء ومرض العجب، فقوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) يحقق الإخلاص ويدفع الرياء، وقوله تعالى: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يحقق الافتقار إلى الله تعالى والتبرؤ من الحول والقوة، ويطرد العجب والكبر.

أنواع الهداية في طلب الصراط المستقيم

7) الهداية المطلوبة في دعائه سبحانه: (اهْدِنَا الصِّـرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) هدايتان:

أولا: هداية الدلالة والإرشاد إلى الحق، ثانيا: هداية التوفيق والإذعان للحق بعد بيانه. وطلب هذه الهداية يشمل هدايات كثيرة: أعظمها الهداية للإسلام المضاد للكفر، وبعد ذلك الهداية للسنة المضادة للبدعة، والهداية للطاعة المضادة للفسوق والعصيان، والهداية لما اختلف فيه من الحق في أمور الدين كلها، والهداية إلى الحق فيما تعارض فيه الأدلة وتعارضت فيه المصالح والمفاسد، كما أن طلب الهداية للصراط المستقيم تتضمن سؤال الله عز وجل الثبات على الحق والدعوة إليه بعد الهداية إليه، وبهذا يظهر لنا الحاجة العظيمة؛ بل الـضرورة إلى هذا الدعاء العظيم الذي يحتاجه المسلم في كل أحواله وأعماله وأوقاته.

صراط المنعم عليهم ومحايدة طرق الضالين

8) والهداية إلى الصـراط المستقيم هي: الهداية إلى صراط الذين أنعم الله عز وجل عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومحايدة طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين.

والهداية إلى صراط المنعم عليه تعني أمرين:

الأول: الهداية إلى الفهم النقي الصحيح لدين الإسلام، والثاني: الهداية إلى حسن القصد وصلاح النية في تطبيق المفاهيم الصحيحة لهذا الدين، وتخلف واحدة من هاتين الهدايتين يخسـر العبد الهداية إلى الصراط المستقيم كما خسـرها المغضوب عليهم من اليهود الذي حرموا هداية حسن القصد والإخلاص، وخسـرها الضالون من النصارى الذين حرموا هداية الفهم الصحيح للدين.

الولاء والبراء: ثمرة كلمة التوحيد في الفاتحة

كما يفهم من سؤال الله عز وجل تجنب صراط الكفار من يهود ونصارى وغيرهم التأكيد على عقيدة الولاء والبراء التي هي الثمرة العظيمة لكلمة التوحيد؛ فطلب الهداية لصـراط المنعم عليهم يتضمن موالاتهم ومحبتهم ونصرتهم والكينونة معهم فهمًا وقصدًا ودعوة وجهادًا، وطلب اجتناب طرق الكفار يتضمن عداوتهم والبراءة منهم ومن كفرهم وفهمهم ومقاصدهم.

الفاتحة وبيان أصول الدين والرد على أهل الباطل

9) والمقصود أن سورة الفاتحة قد اشتملت على بيان أصول الدين ومُحْكَمَاتِه، كما اشتملت على بيان أصول الكفر والبدع وتفنيدها.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (فصل في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل: وهذا يعلم بطريقين: مجمل ومفصَّل؛ أما المجمل فهو أن الصـراط المستقيم متضمن معرفة الحق وإيثاره وتقديمه على غيره، ومحبته والانقياد له والدعوة إليه وجهاد أعدائه بحسب الإمكان، فبهذا الطريق المجمل يعلم أن كل ما خالفه فباطل، وهو صراط الأمَّتين: الأمّة الغضبية وأمة أهل الضلال، وأما المفصل فبمعرفة المذاهب الباطلة واشتمال كلمات الفاتحة على إبطالها)6(6) (مدارج السالكين: 1/82)..

ثم شرع رحمه الله في ذكر ما تضمنته الفاتحة من الرد على المذاهب الباطلة، بالتفصيل فذكر منهم المنكرون لوجود الله والفلاسفة الزنادقة الذين ينفون علم الله بالجزئيات، والرافضة وتكفيرهم للصحابة، والجهمية وانكارهم للصفات، ومنكري النبوات، والجبرية والقدرية وقد ذكر الرد عليهم بالتفصيل لمن يرغب الرجوع إليه.

فرضية القراءة وبطلان الصلاة بدونها

إذن فلا غرابة وهذا شأن هذه السورة أن أوجب الشارع الحكيم قراءتها وتكرارها في كل صلاة، ورتبت بطلان الصلاة على عدم قراءتها، قال صَلى الله عَلَيه وَسَلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)7(7) مسلم (394)..

الهوامش

(1) رواه مالك في الموطأ (3338) وغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع(2937).

(2) رواه البخاري (4704).

(3) رواه مسلم (395).

(4) البخاري (5749).

(5) رواه البخاري (5006).

(6) (مدارج السالكين: 1/82).

(7) مسلم (394).

اقرأ أيضا

في تدبر القرآن

الاستشفـاء بالقرآن .. لأمراض الفرد والأمة

التعليقات معطلة