تركيا وسوريا في مواجهة اسرائيل

كيف يمكن لتركيا أن تسير خلف سوريا، بينما كان أردوغان يسعى للمصالحة مع نظام الأسد، وقوات “ردع العدوان” تتحرك من إدلب تريد حلب؟ وماذا لو وجهت إسرائيل ضربات قوية لسوريا بهدف إسقاط النظام، فهل تتدخل تركيا؟ وقفةٌ مع تحولات كبرى في الميزان الإقليمي، حيث يدرك اليهود أن قربهم من دمشق قد لا يكون ميزة لهم بقدر ما يقربهم من جحيم وبركان، مع من حرروا الشام وفتحوا دمشق.

تركيا سارت خلف سوريا.. قوات “ردع العدوان” تسبق أنقرة

تركيا سارت خلف سوريا. فقوات «ردع العدوان» لم تنتظر إذناً من أنقرة قبل أن تبدأ، بل كان أردوغان آنذاك يسعى للمصالحة مع نظام الأسد.

تحرّكوا من إدلب يريدون حلب، وأبى الله إلا أن تتحرر بلاد الشام من حكم آل الأسد، ومن الاحتلال الروسي الدموي، ومن المشروع الشيعي الذي حوّل سوريا كلها – حدوداً وثِقلاً ومكانة – إلى خادم لإيران.

رأتهم تركيا يتحركون بعد حلب، فركضت خلفهم. دعمتهم، وصارت المتحدث باسمهم أمام أنظمة العالم، ثم رأت المدن تتحرر واحدة تلو الأخرى، فأدركت أن قدرها ومصيرها من ذلك اليوم سيرتبط بسوريا.

التنسيق التركي العميق مع المسلحين في إدلب

كان المتابع للسياسة يرى التنسيق التركي مع المسلحين في إدلب عميقاً ومستمراً، وكان العالم كله يعلم لسنوات أن إدلب ومن فيها محسوبون على تركيا. ولم يكن يخفى على المتورطين في الشأن السوري الدور الذي تقوم به مخابرات تركيا هناك.

ولذلك قال ترامب بعد انتصار قوات ردع العدوان إن أردوغان هو الذي انتصر في سوريا، وأشاد بتركيا التي أصبحت أهم شريك للحكومة الجديدة.

العقبة الباقية.. إسرائيل والضربة الأخيرة

ولأسباب محلية وخليجية وعالمية، وبسبب أوضاع تمر بها دول كثيرة، قُوبل نظام الرئيس أحمد الشرع بالترحاب، ووُعدت سوريا برفع العقوبات، وصار رئيسها يلتقي الرؤساء… لكن العقبة بقيت: إسرائيل.

منذ الضربة الإسرائيلية الأخيرة والنقاش يتسع: إلى أين ستقود هذه الضربة إسرائيل وتركيا؟

توم باراك – سفير أمريكا في تركيا والممسك بملف سوريا – رفض الضربة، وأكد أن أنقرة لم تُبلَّغ، وأنها رصدت الطائرات وكان بإمكانها الرد. وقال أيضاً: «ربما كانت إسرائيل تحاول استدراج تركيا إلى فخ».

وقالت الرئاسة التركية إن سياسة نتنياهو الرخيصة الانتخابية لا قيمة لها، وأضافت أن تركيا ستظل تقف مع المظلوم ضد الظالم مهما كان الثمن.

أما مكتب نتنياهو فيقول إن تركيا توسع وجودها العسكري باتجاه الحدود الإسرائيلية، وإن إسرائيل تحركت قبل التصعيد. ويتحدث وزير الخارجية السوري الشيباني عن إمكانية الانضمام لاتفاقية مكة للدفاع المشترك.

إذا ضربت إسرائيل سوريا.. هل تتدخل تركيا؟

قد يكون مستبعداً أن تضرب إسرائيل تركيا مباشرة في الوقت الحالي، لكن ماذا لو وجهت إلى سوريا ضربات قوية، ودخلت حرباً حقيقية ضد حكومة الشرع بهدف إسقاط النظام؟ هل تتدخل تركيا؟

تركيا راهنت عليهم، وألقت بثقلها معهم من البداية، وساعدت في انفتاحهم على حكومات العالم. وصار معروفاً أن من يعادي سوريا الجديدة ويعمل لزعزعة استقرارها سيكون في مواجهة تركيا، ولهذا كان الأمر أسهل على السوريين.

إذا اعتبرنا أن للقادة في سوريا وتركيا عقولاً تعقل، فلا بد أن قرارات سرية قد اتخذت، وقنوات اتصالات مشفرة قد عملت، وقوات بدأت تتدرب، وصناعات عسكرية ذكية نشطت، ومسيرات خُزنت، وصواريخ أعدت، وأنفاقٌ حُفرت وامتدت.

لماذا؟ لأن من المستحيل ألا يكون لدى إسرائيل الآن خطط لشن سلسلة ضربات جوية وصاروخية مركزة على مطارات ومواقع عسكرية ومنشآت لوجستية في كامل سوريا وتركيا.

الدعم التركي الكامل سيحوّل الحرب إلى استنزاف طويل

هل ستعلن تركيا أن أي اعتداء على وحدة الأراضي السورية أو على قواتها المنتشرة هناك هو اعتداء على أمنها القومي؟ هل ستفعّل آليات دعم استخباراتي ولوجستي وعسكري مكثف؟ هل ستفتح ممرات إمداد آمنة وتوفر غطاءً جوياً؟ هل ستزود الجيش السوري الجديد بمنظومات دفاع جوي ومسيرات متقدمة، وتنسق عملياتياً بشكل مباشر؟ وهل ستتحرك البحرية التركية في شرق المتوسط وترفع حالة التأهب على طول الحدود؟

إن فعلت ذلك – وهو أهم من إعلان الدخول المباشر في الحرب – فسيدخل الجيش السوري المعركة بقوة ترعب إسرائيل وتشعل أزمة هجرة جديدة داخل الكيان.

الدعم التركي الكامل سيحوّل الحرب إلى استنزاف طويل لا تحتمله إسرائيل. اليهود يدركون أن التضاريس السورية معقدة: جبال ووديان ومدن مكتظة، وسيكون أمام الجيش السوري فرص لا تنتهي للاعتماد على المسيرات والصواريخ.

أهل الشام اليوم قادرون على جعل أي وجود إسرائيلي داخل أراضيهم «قبضاً على جمر»، لكنهم تعلموا الصبر وجرّبوا الاستعداد. وقرب اليهود من دمشق قد لا يكون ميزة لهم بقدر ما يقربهم من جحيم وبركان، حيث سيكونون على موعد مع من حرروا الشام وفتحوا دمشق.

الاستعداد للحرب خير من الهروب منها

ولم يبقَ غير عُشر الواحد بالمئة في الجولان محتلاً، وهم يرفضون التنازل عنه. الاستفزاز الإسرائيلي لن يتوقف إلا إذا كان له ثمن. والاستعداد للحرب خير من الهروب منها، وتكبيد العدو خسائر أفضل من تحمل ضرباته المعلنة.

البدء في كسر الغرور، وتخطي الخطوط الحمراء، ورفع السقف، لا يجب أن تكون حلولاً مستبعدة. فأحياناً لا يصنع الأمن غير الحرب، ولا يوقف الخطر غير المواجهة، ومن كان الله معهم فممّا يخافون؟

أليس الذي نصرهم على الروس والإيرانيين قادراً على أن ينصرهم على غيرهم؟ بلى، ومن ينصرهم الله فلا غالب لهم. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].

المصدر

صفحة علي عبد الرازق، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

خوف أعداء الإسلام من وحدة المسلمين

التعليقات معطلة