الضربة الاسرائيلية الأخيرة

هل كانت الضربة الإسرائيلية الأخيرة رسالةً إلى تركيا، أم إلى سوريا، أم استدراجاً للرد ثم الحرب وإشعال المنطقة؟ وما سر السعار الذي أصاب اليهود من سوريا وتركيا، بينما يدرك نتنياهو أن ما خفي في العلاقة التركية-السورية أعظم مما يظهر؟ وقفةٌ مع تحولات كبرى في الشرق الأوسط، حيث سقط نظام الأسد، وانهار المشروع الإيراني، وتجنبت روسيا المجازفة، وخلت الساحة لأهلها، فأصبحت سوريا خطاً دفاعياً متقدماً لتركيا، وصارت قوة سوريا من قوة تركيا، بينما يتربص الإسرائيليون ويبحثون عن فرصة لقلب الطاولة.

الضربة الإسرائيلية.. غطرسة وبلطجة وإفشال للتجربة السورية الجديدة

لا شك أن الضربة امتداد لغطرسة وعربدة وبلطجة إسرائيل في المنطقة، وسعي اليهود الدؤوب لإفشال التجربة السورية الجديدة، ومنع قيام دولة سورية قادرة على حماية سيادتها والدفاع عن أرضها.

لم يتخيّل الإسرائيليون أن عام 2024 لن ينقضي إلا وقد وصل إلى حكم سوريا رجال لا يختلف فكرهم الجوهري عن فكر القاعدة وطالبان ومجاهدي الشيشان، وغيرهم، وإن اختلفت الأساليب والجنسيات والمدارس.

هؤلاء، بما يؤمنون به من فكر جهادي، أصبحوا أخطر ما يهدّد مستقبل الكيان، ولطالما عملوا لعقود طويلة على منع وصول حملة هذا الفكر وهذا المنهج إلى السلطة في أي دولة إسلامية.

الغرب كله كان يرى ضرورة الإبقاء على نظام الأسد

كان الغرب كله يرى ما يراه الإسرائيليون من ضرورة الإبقاء على نظام بشار الأسد، لأنه كان يضمن لهم الأمن، والإلتزام بعدم الرد عليهم، لكن أقدار الله جاءت بما لا تشتهي سفن اليهود.

سقط النظام، وهرب بشار الأسد، وانهار المشروع الإيراني في سوريا، وتجنّبت روسيا المجازفة واستسلمت للواقع، وخلت الساحة في بلاد الشام لأهلها.

تركيا.. حضور ونفوذ مرحب به في سوريا

وهنا: لم يعد للفراغ الذي تركته إيران وروسيا إلا الحضور والنفوذ التركي، وهو حضور وتواجد ونفوذ مرحب به في سوريا، لأنه يتماشى مع إرادة السوريين.

تركيا تريد لسوريا ما يريده السوريون لأنفسهم تماماً.

أصبحت سوريا خطاً دفاعياً أمامياً ومتقدماً لتركيا، وصارت قوة سوريا من قوة تركيا، وأمن سوريا في المدى القريب سيصبح مرتبطاً عملياً وعملياتياً بأمن تركيا.

الإسرائيليون يعضون على أصابعهم من الغيظ

لماذا يعض الإسرائيليون على أصابعهم من الغيظ؟

ليست المشكلة في قرب تركيا من سوريا، بل في أنها ورثت النفوذ وملأت الفراغ، ليس في سوريا فحسب، بل في المنطقة بأسرها.

كان الإسرائيليون يعدّون لحلف عربي-مصري-سعودي-إماراتي-إسرائيلي-مغربي-سوداني-يوناني، يُراد له أن يفرض أمراً واقعاً للتصدي لإيران، ويحوّل الاتفاقيات الإبراهيمية إلى واقع إقليمي شامل.

لكن تركيا زاحمتهم ونافستهم، واحتلت الفراغ الإقليمي الكبير، وأعلنت مع السعودية وباكستان عن تشكيل حلف سني جديد.

الأتراك يسارعون في تثبيت سوريا وتسليحها

وسط هذا كله يرى الإسرائيليون الأتراك يسارعون في تثبيت سوريا وتسليحها، وترسيخ وجودهم العسكري فيها، والانغماس العميق في بناء جيش سوري قوي، يستطيع التصدي للضربات والرد عليها، وفرض معادلات وقواعد اشتباك جديدة.

ويدرك نتنياهو (واليهود عموماً) أن ما خفي في العلاقة التركية-السورية أعظم مما يظهر.

المبعوث الأمريكي يؤكد أن تركيا رصدت الطائرات الإسرائيلية

المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا وسفير واشنطن لدى تركيا، توم باراك، أكّد أن الأتراك رصدوا الطائرات الإسرائيلية المتجهة شمالاً، وكان بإمكان تركيا الاستعداد للرد.

وربما كان هذا ما يتمناه نتنياهو: رد تركي متهور وسريع يستدعي رداً إسرائيلياً، فيكون فرصة لقلب الطاولة في سوريا، وفرض الرؤية الإسرائيلية على أهل الشام.

لكن هذا لم يحدث حتى الآن، لأن تركيا وسوريا اتحدتا لمنع تنفيذ أجندة الإسرائيليين أو السماح لعملائها بتقسيم البلاد، فلا تتعجب من السعار الذي أصاب اليهود من سوريا وتركيا.

سوريا.. اختيار اللحظة المناسبة للرد

سوريا لن تتمكن من البناء الحقيقي والعميق إلا إذا اختارت اللحظة المناسبة للرد العسكري، فتردّ بقوة تُكبّد العدو خسائر حقيقية ملموسة، وتدخله في مرحلة يدرك فيها أن زمن الصمت قد ولّى.

إذا تغطرسّت إسرائيل وضربت سوريا، ثم جاء الرد السوري بطريقة تجعلهم يخسرون بقدر ما يكسبون، ويُقتل منهم بقدر ما يقتلون، ويُنزع منهم الأمن والاستقرار بقدر ما ينزعونه من الآخرين… عندها فقط سترضخ إسرائيل لاتفاقية وهدنة تسمح لسوريا بالبدء في البناء الحقيقي.

لا بناء بموافقة إسرائيلية

أما من يصدّق بإمكانية بناء جيش نظامي حديث وقوة جوية سورية بموافقة إسرائيلية أو بسماح منها، فكمن يصدّق أن اليهود يوفون بالعهود.

لن تتوقف إسرائيل عن استفزاز سوريا إلا بعد أن ترى صواريخ السوريين ومسيّراتهم تطاردهم فوق المدن المحتلة والجولان.

فتح الشام.. حدث عظيم وسنة إلهية

لقد نصر الله السوريين نصرًا عزيزًا، وأكرمهم بفتح الشام ودخول دمشق. وهذا حدث عظيم في سياقات التاريخ، وتحقيق حيّ لسنن الله في خلقه، حيث ينزع الملك ممن يشاء ويؤتيه من يشاء، ويداول الأيام بين الناس.

فمن يُحسن قراءة التاريخ يعلم أن ما بعد فتح الشام لن يكون كما كان قبله، وأن القادم بإذن الله لن يكون لصالح اليهود، بل لصالح المسلمين بإذن الله.

قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 40-41].

المصدر

صفحة علي عبد الرازق، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

إسرائيل والبحث الدائم عن عدو جديد: سيناريوهات المواجهة القادمة

سوريا ومصر ودورهما في كسر الهيمنة الصهيونية والأمريكية عن المنطقة العربية

التعليقات معطلة