كيف حطّمت حروب غزة وإيران أحلام الإسرائيليين في الإمارات؟
كيف يمكن أن تتحول “جنة التطبيع” التي حلم بها آلاف الإسرائيليين في الإمارات إلى كابوس من الهواجس والانزواء؟ وما الذي جعل الدولة الخليجية التي احتفت علنًا باستضافتهم تجد نفسها في قلب تداعيات الحروب التي شنّتها إسرائيل؟ وهل انتهت أحلام “التعايش الإبراهيمي” بعد طوفان الأقصى وحرب غزة والحرب على إيران؟
جنة التطبيع — كيف بدأت الحكاية؟
- انتقال تامار شمولوفيتز إلى الإمارات
قبل ست سنوات، انتقلت “تامار شمولوفيتز” من إسرائيل إلى الإمارات حالمةً بحياة جديدة سعيدة بعدما حصل زوجها على وظيفة حكومية في مجال تكنولوجيا المعلومات بمدينة رأس الخيمة على ساحل الخليج. وسرعان ما وجدت ابنتاها، اللتان كانتا في الخامسة والثامنة من العمر، في المسبح الخاص وخيارات الترفيه ما لم تجداه في تل آبيب. التحقتا بمدرسة إنجليزية المنهج، بينما بنت الأم صداقات مع نساء من جنسيات وديانات وخلفيات لم تألفها في المجتمع الإسرائيلي.
تقول “شمولوفيتز”: “كانت فرصة لا تتكرر في العمر، قوبلنا بحفاوة بالغة وشعرنا بالأمان منذ اللحظة الأولى”.
- ازدهار الجالية اليهودية بعد اتفاقيات أبراهام
بعد توقيع “اتفاقيات أبراهام” عام 2020 برعاية أمريكية، شهدت الإمارات نموًا لافتًا في الجالية اليهودية. إذ توافد آلاف الإسرائيليين، وانضم إليهم يهود يحملون جوازات سفر أجنبية. فنشأت شبكة اجتماعية حيوية، وتحولت فيلا فخمة في دبي إلى كنيس، وأصبح من المألوف رؤية العديد يرتدون القلنسوة اليهودية Kippah في الشوارع، واجتمعت العائلات اليهودية لإعداد خبز “الشالا” Challah في أيام السبت Shabbat وفي الأعياد الدينية، وأقيمت حفلات زفاف وموائد عيد الفصح اليهودي في أماكن عامة، بينما افتُتحت مطاعم تقدم طعام “الكوشر” (الحلال وفق الشريعة اليهودية)، وخصصت المتاجر الإماراتية أقسامًا كبيرة لأصنافها.
- الرعاية الرسمية والتعايش الإبراهيمي
ولم يكن هذا الازدهار اجتماعيًا فحسب، بل رحّبت السلطات الإماراتية بنمو الجالية اليهودية وتعهدت بحمايتها، وأُدرجت دراسات “الهولوكوست” (المحرقة) ضمن المناهج التعليمية. وفي أوائل عام 2023، افتُتح “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي، وهو مجمع يضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا، ليصبح أحد أبرز الرموز المعمارية لمشروع التعايش الإماراتي.
- الطفرة الاقتصادية
وعلى الصعيد الاقتصادي، تطورت العلاقات بسرعة البرق. إذ أوضحت إحصائيات الخارجية الإماراتية أن حجم التبادل التجاري بين الإمارات وإسرائيل تجاوز 14.5 مليار دولار أمريكي خلال الفترة من سبتمبر 2020 إلى مايو 2026. كما وصل عدد الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين إلى 120 رحلة أسبوعيًا، فيما بلغ عدد المسافرين نحو 1.53 مليون شخص في عام 2025.
نقطة الانكسار — طوفان الأقصى وحرب غزة
- اهتزاز الصورة المثالية
لكن تلك الصورة التي بدت أقرب إلى نموذج مثالي للتطبيع الإبراهيمي، اهتزت — وربما تحطمت — مؤخرًا أمام اختبارات متتالية. فوفقًا لتقرير موسع نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، بات الإسرائيليون واليهود المقيمون في الإمارات يعيشون واقعًا مختلفًا: رموز دينية تختفي من الأماكن العامة، وتجمعات تستتر في المنازل الخاصة، ومطاعم تحذف إشارات “الكوشر”، وعائلات تعيد التفكير في البقاء، وموجات تميل إلى الرحيل بحثًا عن ملاذات أكثر أمنًا.
- المفارقة الكبرى
المفارقة أن الدولة الخليجية التي احتفت علنًا باستضافة الإسرائيليين تجد نفسها اليوم في قلب تداعيات الحروب التي شنّتها إسرائيل ولا تزال تخوض تبعاتها.
- بداية الانهيار: 7 أكتوبر 2023
كانت نقطة الانكسار الأولى مع طوفان 7 أكتوبر 2023، الذي أعقبته حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة. ومع امتداد العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى لبنان واليمن وسوريا ثم إيران، وتصاعد الإدانات الدولية لجرائم الحرب في غزة وللإرهاب الاستيطاني الممنهج في الضفة الغربية، وجد الإسرائيليون المقيمون في الإمارات أنفسهم في أجواء عزلة لا إرادية.
- نظرات الاستياء ومقتل الحاخام
لم يقتصر الأمر على تبدل المناخ السياسي وملاحظة نظرات الاستياء في عيون المارة في المولات وداخل الكمبوندات. ففي عام 2024، قُتل الحاخام الإسرائيلي “تسفي كوغان” في دبي، وحُكم على ثلاثة مواطنين أوزبكيين بالإعدام وعلى رابع بالسجن، بينما لم تكشف السلطات عن هويات العديد ممن اعتقلوا أو عن دوافع الجريمة التي كانت نقطة تحول في الإحساس بالأمان لدى المجتمع اليهودي.
- الحرب على إيران وتداعياتها
وبعد اشتراك إسرائيل مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران نهاية فبراير 2026، ورد إيران بإطلاق الصواريخ والمسيّرات على الإمارات التي تستضيف قواعد أمريكية ومنصات القبة الحديدية الإسرائيلية، تفاقم شعور الإسرائيليين واليهود بالخطر المحدق بجنة الأحلام.
- واقعة رحلة “فلاي دبي“
وفي الشهر الماضي، كانت أحدث حلقات مسلسل الرعب مع واقعة رحلة “فلاي دبي” التي كانت تنقل نحو 180 إسرائيليًا إلى تل آبيب، وكادت أن تتحوّل إلى عملية انتحارية مستوحاة من هجمات 11 سبتمبر، لولا صدفة قدرية بطلها “سباك” من الركاب.
هواجس الانزواء — كيف تغيرت الحياة اليومية؟
- “لحظة خيبة أمل كبرى”
واليوم، أصبح السؤال المطروح: هل يستطيع الإسرائيليون مواصلة حياتهم في الإمارات كما تمنّوا؟ الحاخام “يهودا سارنا” الذي شغل سابقًا منصب كبير حاخامات المجلس اليهودي في الإمارات، ويعمل حاليًا محاضرًا في جامعة نيويورك أبوظبي، يجيب باختصار: “هذه لحظة خيبة أمل كبرى”.
- استطلاع الرأي: 69% يرون الاتفاقيات سلبية
والحقيقة أن “صورة” التطبيع المثالي والتعايش الإبراهيمي لم تكن تحظى بإجماع شعبي كامل. ففي استطلاع أجراه “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” في أبريل 2023، قال 69% من الإماراتيين إن اتفاقيات أبراهام ستؤثر سلبًا على المنطقة. ومع ذلك، لم تشهد البلاد احتجاجات شعبية أو أي مظاهر اعتراض علني (لأسباب يعرفها من تعامل مع الأمن الإماراتي).
- الاختفاء من الأماكن العامة
وبعد 7 أكتوبر، آثر كثير من الإسرائيليين في الإمارات الابتعاد عن الظهور العام، أحيانًا بتشجيع من مسؤولين محليين (حسب “نيويورك تايمز”). فأزالت مطاعم وكافيهات لافتات “الكوشر”، واختفت حسابات تجارية يهودية من منصات السوشيال ميديا. واضطر أحد متاجر البقالة المتخصصة في الأغذية اليهودية إلى تأمين أبوابه، فيما كان حارس الأمن عند المدخل “يصوّر جوازات سفر المتسوقين”. وخارج روضة أطفال يهودية، وقف “حراس أمن يرتدون نظارات شمسية” إلى جوار سيارة الشرطة الإماراتية.
- التفاصيل الصغيرة: إزالة المزوزاه وإغلاق بيت العائلة الإبراهيمية
حتى التفاصيل الصغيرة اكتسبت دلالة جديدة. فقد أزال عدد من الإسرائيليين المقيمين في الإمارات علب “المزوزاه” Mezuzah التي تضم نصوصًا دينية يهودية وتُثبت عادة على قوائم الأبواب، من مداخل منازلهم. وأصبح المستثمرون الإسرائيليون في دبي أكثر حذرًا إزاء الكشف عن هوياتهم، بينما أُغلق “بيت العائلة الإبراهيمية” مع اندلاع الحرب الإيرانية، لأجل غير مسمى.
- القلق من العداء الكامن وسياسات نتنياهو
ولم يعد القلق لدى الإسرائيليين مرتبطًا فقط باحتمالات التعرض لهجوم، بل أيضًا بكيفية مواصلة العيش في بيئة تتزايد عدائيتها “الكامنة”، وتتداخل فيها الهوية الدينية مع الجنسية، ومع عواقب سياسات نتنياهو وأفعال “بن غفير” الإجرامية وتصريحات “سموتريتش” الإرهابية.
من بقي؟ ومن رحل؟
“إلياز”: من رأى في الإمارات خيارًا أفضل
ومع ذلك، لم يغادر البعض ممن لا يزال يرى في الإمارات خيارًا أفضل من العودة إلى إسرائيل. ومن هؤلاء “إلياز”، وهو رائد أعمال شاب انتقل إلى دبي في الوقت الذي كان فيه آخرون يهمّون بالرحيل. فيقول إن “الوضعين الاقتصادي والأمني في إسرائيل أسوأ”.
وقد أسس “إلياز” شركة لإنتاج المحتوى التسويقي والبودكاست، ثم لحقت به عائلته. لكنه لا يخفي أن مستجدات الحياة في الإمارات تفرض عليه حسابات دقيقة، خصوصًا في التعامل مع زملائه العرب والإيرانيين والباكستانيين. لكن المفارقة أنه يعتبر ذلك ثمنًا مقبولًا، مفسّرًا ذلك بالقول: “رغم كل شيء، أشعر بأمان أكبر هنا مما أشعر به في إسرائيل”.
المصدر
صفحة هاني الكنيسي على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
حصان طروادة الصهيوني.. كيف تحولت الإمارات إلى أداة لتدمير العرب؟
كهنة النهايات.. الحاخام بن أرتسي بماذا تنبأ للسنوار وما حقيقته؟


