لو

كيف يمكن لكلمة صغيرة لا تتجاوز طولها حرفين أن تبتلع أعماراً وتدفن فرصاً وتلقي في الروح يقيناً قاسياً بأن كل ما كان متاحاً بالأمس قد تخثر وصار جزءاً من الماضي؟ وما سر هذه الكلمة الكابوسية التي لا تولد إلا بعد أن يغلق الإصلاح بابه، وتنغلق الأبواب التي كان يمكن فتحها، ويمضي القطار الذي كان يمكن اللحاق به؟ وكيف تحول “غداً” و “بعد حين” إلى “لو” في لحظة الندم الأخير، حين يقف الإنسان على أعتاب الأبدية وقد أُغلق باب العمل إلى غير رجعة؟ وقفةٌ مع الكلمة التي ترافق كل تفريط، وتكشف أن العمر لا يضيع بانفجار واحد مدوٍّ، بل يتسرب من بين الأصابع في صورة تأجيلات صغيرة، حتى يأتي اليوم الذي تتجمع فيه كلها وتتحول إلى “لو”.

للحروف والأعمار.. كلمة “لو” تولد في الصفحة الأخيرة

للحروف والكلمات أعمار… بعضها يولد في أول الحكاية، فيفتح أبواباً، ويغيّر مصائر، ويرسم طرقاً جديدة. وبعضها لا يظهر إلا عند الصفحة الأخيرة. كلمة “لو” من ذلك النوع الأخير.. صغيرة هي لا يتجاوز طولها حرفين، لكنها لا تُولد إلا بعد أن يغلق الإصلاح بابه.

هي ليست مجرد لفظ يردده اللسان. هي صوت الأبواب الثقيلة بعد أن أُوصدت. صدى الفرص حين تبتعد، فلا يبقى منها إلا غبارها. أنين اللحظات التي ماتت وهي تنتظر قراراً لم يأت ورماد الحرائق التي كان يمكن إخمادها بكوب ماء. ارتداد الخطوات في ممرٍ انتهى إلى بابٍ لا يُفتح وصرير المفاتيح التي أصبحت تحتفظ بالذكرى… ولا تفتح شيئاً.

هي الكلمة التي يكتشف الإنسان معها أن الزمن لا يسير إلى الخلف

هي برودة المقاعد بعد أن يغادرها أصحابها. وأثر الأقدام على شاطئٍ ابتلعه المد. وميض المصابيح التي انطفأت قبل أن نصل إليها. وهي الكلمة التي يكتشف الإنسان معها أن الزمن لا يسير إلى الخلف، وأن بعض اللحظات لا تُستعاد… مهما بلغ صدق الندم.

ما من كلمةٍ ابتلعت أعماراً ودفنت فرصاً كما فعلت “لو”. تأتي غالبا متأخرة.. ميتة.. لا تحمل خلاصاً ولكنها تلقي في الروح يقيناً قاسياً بأن كل ما كان متاحاً بالأمس قد تخثر وصار جزءاً من الماضي. هي لا تُنقذ غريقاً، ولا تسترد قطاراً غادر المحطة بغير رجعة. كل ما تتقنه حقاً هو منح الندم حنجرة ليصرخ بها.. في اللحظة التي يلفظ فيها العمل أنفاسه الأخيرة.

مشهد القطار.. الكلاسيكية الأبدية لـ”لو

لذلك، لم يكن غريباً أن تتشبع صفحات التاريخ والدراما بهذه الكلمة الكابوسية. جميعنا يعرف هذا المشهد الكلاسيكي.. البطل يركض على رصيف المحطة بكل ما تبقى في رئتيه من هواء. القطار يبدأ في التحرك والمسافة بينه وبين الباب المعدني البارد مجرد أمتار قليلة. كل الحسابات توحي بأنه سيلحق به. ثم.. تنغلق الأبواب بصرامة. يتحرك القطار ببطء مستفز ويواصل البطل الركض بمحاذاته لثوانٍ، ثم تتباطأ قدماه المنهكتان حتى يتوقف تماماً، ويراقب الأضواء الحمراء وهي تبتعد في صمت ولامبالاة.

المرارة الحقيقية لم تكن في فوات القطار.. المشكلة أنه قد وصل.. لكن متأخراً بثوانٍ معدودات. في تلك اللحظة، لا يتردد في جمجمته سوى دوي كلمة واحدة: “لو”. لو غادرت الفراش أبكر قليلاً.. لو لم أتعثر.. لو ركضت أسرع. لكن القطارات لا تكترث لـ”لو”. لقد مضى الأمر.

في سورة الزمر.. مشهد يفوته العمر كله

في سورة الزمر مشهد يظهر أقصى ما في هذه الحالة وأشد ما تحمله “لو” من إيلام. مشهد من لا يفوته قطار… بل يفوته العمر كله. هناك، لا يركض إنسان خلف باب عربة أُغلق ولكن يقف على أعتاب الأبدية، وقد أُغلق باب العمل إلى غير رجعة، ولم يبق في يده إلا الكلمة التي لا تولد إلا بعد فوات الأوان: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾[الزمر:56].

الآيات تكشف طبقات النفس البشرية طبقة بعد أخرى. هنا لا يبدأ المفرط بالاعتذار… هو يبدأ بالحسرة. سنوات طويلة مرت وهو يؤجل ويسوف ويخدر قلبه بوهم أن الوقت لا يزال متسعاً، وأن باب الرجوع سيظل مفتوحاً متى أراد. حتى إذا أُغلق الباب حقاً، وانتهى زمن الاختيار، خرجت من أعماقه الكلمة التي ظل يدفنها تحت ركام الغفلة: ﴿يَا حَسْرَتَى﴾.

تبدأ النفس رحلتها الأخيرة في البحث عن مخرج

ثم تبدأ النفس رحلتها الأخيرة في البحث عن أي مخرج، ولو كان وهمًا: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[الزمر:57]. يصرح هنا بالحرف الكئيب بعد التحسر: “لو”. حتى هناك ما زال يحاول أن ينجو من مواجهة نفسه. يتكلم وكأن الهداية لم تبلغه وكأن الآيات لم تمر به.. والنصح لم يطرق بابه. وكأن الذي أغلق نوافذ قلبه… كان شخصاً آخر.

يبلغ الندم ذروته وتتكرر “لو” من جديد

ثم يبلغ الندم ذروته وتتكرر الـ “لو” من جديد: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[الزمر:58]. تأمل كيف تغيرت الأمنيات. لم يعد كما كان في الدنيا يطلب مالاً ولا منصباً ولا عمراً طويلاً ولا لذةً من لذات الحياة. هنالك يطلب شيئاً واحداً فقط… فرصة. لحظة واحدة يعود فيها إلى النقطة التي كان يملك عندها حق الاختيار. لكن بعض الأبواب تُغلق ببساطة لأن زمن فتحها انتهى.

الجواب الذي يقطع آخر خيوط “لو

وهنا يأتي الجواب الذي يقطع آخر خيوط “لو” التي تتعلق بها النفس: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾[الزمر:59].

المشكلة لم تكن يومًا في غياب الدليل ولا في غموض الطريق ولا في قلة الرسائل. لقد جاءتك الآيات واضحة متكررة… تستوقفك في كل منعطف. لكن قلباً امتلأ بنفسه، لا يعود يرى إلا ما يريد أن يراه. لقد جاءك الحق… فأجلته. وجاءتك الموعظة… فابتسمت لها ساخراً. وجاءتك الفرصة… فقلت في ثقة باردة: غداً. ثم جاء اليوم الذي لم يعد بعده غد.

السواد على الوجوه هو العصارة الحقيقية للكبرياء المستتر

﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾[الزمر:60].

هذا السواد على الوجوه ليس مجرد طلاء خارجي. هو العصارة الحقيقية التي ظل صاحبها يخفيها لسنوات تحت أستار التسويف.. الكبر الذي منعه من الانحناء للحق في الدنيا، طفح يوم القيامة ليطلي وجهه بوضوح، بعد أن ظل مستتراً في قاع قلبه.

المجرم الحقيقي ليس “لو” بل “غداً” و “بعد حين

أكثر ما يبعث على الرهبة في هذا المقطع، أنه لا يحدثنا عن أناس لم يروا الطريق. لقد رأوه وسمعوا النداء ووقفوا غير مرة على العتبة الفاصلة بين الغفلة والعودة. لم يكن ينقصهم الدليل… ما كان ينقصهم فقط هو القرار.

لم يسقطوا لأنهم قالوا للحق: “لن أفعل”. لقد سقطوا لأنهم ظلوا يقولون له في هدوء: ليس الآن. وكلمة “الآن” لا تموت دفعة واحدة. هي تتآكل بصمت حتى تستيقظ ذات يوم، فلا تجد في اللغة ما يتبقى للمؤجل إلا حرفين.. “لو”.

إن العمر لا يضيع غالباً بانفجار واحد مدوٍّ ولكنه يتسرب من بين الأصابع في صورة تأجيلات صغيرة، لا يبدو أي واحد منها مخيفاً بمفرده حتى يأتي اليوم الذي تتجمع فيه كلها… وتتحول إلى الكلمة الكئيبة بطلة هذا السياق القرآني.. “لو”.

“لو” مجرد شاهد وفاة.. والمجرم الحقيقي هو التسويف

والحق أنها “لو” ليست البطلة. في النهاية أن “لو” لم تجرم أو تسرق أو تعتدٍ.. لقد كانت تصل دائماً بعد انتهاء الجريمة. مجرد شاهد وفاة يقف صامتاً فوق عمرٍ انتهى.

أما المجرم الحقيقي… فكان كلمات أخرى، مهذبة، لا تبدو مخيفة لأحد لكنها تستر كل تفريط.. “غداً.” و “بعد حين”. كل “لو” في الدنيا… كانت يوماً ما “غداً”. وكل “غداً” يُؤجَّل بلا توبة يحمل في داخله “لو” تنتظر ساعة ميلادها.

المصدر

صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

تملُّك مفاتيح الاستدراك – فن تحويل الندم إلى قوة

بعض مشاهد النبأ العظيم (1-2)

التعليقات معطلة