ما الذي يجعل نظامًا حاكمًا يبلغ من القسوة حدًّا لا نظير له، فيقتل الأولاد في المظاهرات ثم يعتقل آباءهم، ويسجن من يعطف على صغار المعتقلين ولو بلقمة، ويعتقل شيوخًا في الثمانين والتسعين ولا يرقق قلبه عليهم وهن عظمهم؟
وإذا كان الطغيان يبلغ ذروته حتى يظن صاحبه أنه لا راد له، فما هي النهاية التي يدخرها الله للظالمين؟ وكيف يمكن للمظلومين أن ينتظروا الفرج وهم يرون القسوة تزداد يومًا بعد يوم؟ وما هو واجب الأمة نحو هؤلاء المظلومين، الذين لا يملكون إلا الحروف يكتبونها والدعاء يرفعونه؟
خطايا النظام المجرم – القسوة أشدها
خطايا هذا النظام المجرم كثيرة… لكن أشدها القسوة!!
ما رأيت أقسى منه على خلق الله.. سيما الذين مكنه الله منهم.
قتل الأولاد في المظاهرات ثم اعتقل أباهم…
وسجن كل من اكتشف أنه يعطف على صغار المعتقلين ولو بلقمة!!
اعتقل شيوخًا في التسعين والثمانين والسبعين ولم يرقق قلبه عليهم وهن عظمهم أو غزو الأورام لأبدانهم!!
حرم ولا زال يحرم آلاف المعتقلين لثلاث عشر سنة من أحضان أبنائهم أو حتى مجرد السلام على زوجاتهم وآبائهم.
اعتقل أطفالًا في الخامسة عشر من عمرهم وأودعهم الأحداث لسنوات وهددهم بالاعتداء الجنسي، وشيبهم بالخوف قبل الأوان.. وهاهم اليوم على مشارف الثلاثين من أعمارهم… ولا أدري هل ستبقى لهم عقول أو نفوس سليمة بعد خروجهم أم سيحتاجون إلى سنوات لترميمها!!
مظالم لا تنتهي – الزوجات والأطفال والمرضى
يمنع سفر آلاف الزوجات والأولاد لأزواجهم وآبائهم سنوات طوالًا، فيذيب الأب شوقًا في غربته، ويقتل الأم قهرًا في وطنها!!
يعذب الزائرين لذويهم عند السجون، فيوقفهم عشر ساعات من أجل عشر دقائق من وراء الأسلاك أو الحواجز أو عبر الهواتف..
يمنع المرضى من العلاج حتى تمتلئ أجسادهم مرضًا، وزنازينهم عدوى!!
يعلق المظلومين كالذبائح في سلخانات التعذيب الليالي ذوات العدد… حتى مس عقول بعضهم الجنون.
يهدد الفتيات العفيفات بهتك العرض، وكشف السوأة دون أن يراعي استجداء المسكينة، أو خوف العفيفة.
يمنِّي الأبرياء بالإفراج والخروج بعد سنوات من الأمل ثم يعيدهم بقضايا ملفقة كانوا حين اتهامهم بها في السجون..
والأنكى أنه يحتبس المظلومين بأعداد كبيرة عند تدويرهم في غرف احتجاز ضيقة لا تطاق… حتى إن بعضهم ليتمنى الموت على قضاء يوم واحد فيها..
فضلًا عن هؤلاء الذين يخفيهم عن أهليهم منذ سنوات طويلة دون أن تعلم زوجه المسكينة وأمه المكلومة إن كان حيًا أو ميتًا!!
سراديب التعذيب – أشباح من البشر
حدثني أحد الأصدقاء نقلًا عن رجل من أقارب أحد وزراء الدكتور مرسي -رحمه الله- أنهم أخذوه إلى أحد سراديب التعذيب -لاتهامه بالشفقة على أولاد هذا الوزير المعتقل- فمروا به على أشباح من البشر، ولما رآى هزال أجسادهم، أصابه الرعب وتغشاه القهر لما علم أنهم في هذا المكان خارج حسابات البشر منذ سنوات، فلا يعلم بهم أحد، وكل ما في الأمر أنهم كانوا ضمن حظيرة بشر يدخرهم للجرائم التي كان يعد لها ضحايا جاهزين ملقّنين، ثم نسيهم بعد ذلك في أماكنهم كل هذه السنين!!
حتى الأجنة في بطون أمهاتهم
يمنع آلاف الأطفال الذين ولدوا خارج مصر من استخراج أي أوراق ثبوتية.. وكأنه يأبى إلا أن تبلغ مظالمه حتى الأجنة في بطون أمهاتهم، والأطفال الذين لا ذنب لهم، فضلًا عن حرمان آباء هؤلاء الأطفال وآبائهم كذلك من ذات الحقوق..
القسوة في كل مكان، وبعض مشاهدها لم أذكرها خوفًا على قلبي وقلوبكم من أوجاع عندنا منها الكثير…
وأخيرًا وليس آخرًا… ها هو اليوم يمنّي الكثير من المظلومين بالخروج ضمن قانون أعده هو ورجاله بأنفسهم، ثم لما تهيأ المساكين نفسيًا للخروج جمع مجلسه وجوقته الذين يسمونهم خطأ مجلس الشعب، وأجل التنفيذ سنة أخرى.. وكأن سنوات السجن الماضية لم تُشبع نهمه للظلم!!
هذا الطاغية سادي المزاج، دموي الحياة، انتقامي الطبع… فلم يسلم منه عدو ولا صديق، واسألوا الذين استعملهم حتى من أصحابه ثم أذلّهم، وربما سجنهم كذلك!!
وكل يوم يمر في حكمه يزداد الظلم كثافة، والوطن توجعًا وآلامًا…
ووالله ما أرى إلا أن الله سبحانه وتعالى يدخر له شر نهاية…
لأني ما رأيت أقسى منه قلبًا، ولا أجرأ منه على الله ولا على خلقه..
ويقيني أنه ليس بعد التمام إلا النقصان.. وأن العلو والعتو والطغيان كلما وصل صاحبهم إلى النهايات فقد أوشك على النهايات!!
تمامًا كما قال الشاعر:
كالسيل يركض نحو السهل مكتدحًا
حتى إذا جاءه يبطي ويعتكر
سنة التدافع – واجبنا نحو المظلومين
أما نحن فواجبنا ألا نتوقف عن نصرة هؤلاء المظلومين بدءًا من الحروف نكتبها، وانتهاءً بكل ما يعلمه الله من طاقاتنا..
لأن زوال المظالم مرتبط بسنة التدافع.. “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”
وقد ثبت أنهم يتوجعون للمنشور المكتوب، والمقطع القصير المرئي، بل وحتى بالدعاء يدعوه المقهورون على أعوانه..
ثم من واجبنا نصرة هؤلاء المقهورين في سجونه بالحديث عنهم، ونشر قضيتهم ومظالمهم، وتفقد أحوالهم وأحوال ذويهم.. فوالله ما سجن المظلومون إلا من أجلكم أنتم أيها المحررون..
الفرج قريب – وعد الله للمستضعفين
ووالله إني لأرى الفرج يلوح من قريب.. لأن الشر زهوق مهما بلغ علوه وتجبره.. ثم إن دعوات المظلومين لم تزل تتكاثف عند أبواب السماء تنتظر وعد الله لها: (لأنصرنك)
وقد ضاقت الصدور من مصر الملآى بالحزن والقهر والفقر وانتشار الرذائل وسوء الخلق، وتاقت الأفئدة إلى مصر التي يعرفها أصحابها قبل امتلائها بهذه القبائح والمظالم.. مصر الخيرات والبركات والتكافلات والتراحمات التي كان يتيه أهلها بها على الدنيا كلها..
وما أظنّ رجوعها سيتأخر… إن لم يكن من أجلنا نحن… فمن أجل هؤلاء المساكين الذين أكلت السجون أعمارهم، وأعمار زوجاتهم، وأهليهم..
(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)[القصص:]
وقد طال زمان الاستضعاف… وحان أوان التمكين.
ووالله إنه لقريب.
المصدر
صفحة خالد حمدي، على منصة ميتا بتصرف.


