الحرم المكي

كيف يمكن لأمريكا والغرب أن يخططا لإشعال حرب دينية إقليمية، يستنفر فيها السواد الأعظم من المسلمين السنة باسم الدفاع عن الحرمات والمقدسات، بينما الخطر الحقيقي هو إيران وحلفاؤها الذين يُراد ضربهم بنا وضربنا بهم لحساب التحالف الصهيوصليبي؟ ولماذا يكفي لإشعال تلك الحرب استدراج إيران أو بعض وكلائها للقيام بخطوة تهدد بالاقتراب من حمى الحرمين الشريفين؟

سيناريو صدام إقليمي مذهبي

في كتابي الصادر عام 1437 هـ 2016م بعنوان (حتى لا يستباح الحرم) كتبتُ السطور التالية إبراءً للذمة ونُصحًا للأمة، ففي صفحة 240 وما بعدها؛ قلت ما يلي:

( هناك سيناريو صدام إقليمي مذهبي، بعضه واقع وبعضه متوقع، وتطورات الأحداث في المنطقة منذ غزو أمريكا لأفغانستان ثم غزوها للعراق؛ تستبعِد احتمال أن ترتكب أمريكا مرة أخرى حماقة التدخل العسكري المباشر بجنودها في الشرق الأوسط اختيارًا وطوعًا، ولكن مسارعة الإيرانيين في اختصار المراحل نحو إنجاز مشروعاتهم المناقضة لمصالح الغرب في كل من العراق والشام واليمن ودول الخليج؛ لا تمهل الأمريكيين وحلفاءهم ليلاحقوا القفزات الإيرانية الجامحة لوضع أيديها على المستطاع من إمكانات ومقدرات المنطقة، للانطلاق في مشروعها بنقلات نوعية إلى الأمام، لتحتل موقعًا متقدمًا في عالم ما بعد القطبية الواحدة.

سيناريو إسقاط الاتحاد السوفييتي

وهنا يبرز سيناريو إسقاط الاتحاد السوفييتي، بمعنى تعمد أمريكا والغرب النفخ في إشعال أوار حرب دينية إقليمية، يستنفر فيها السواد الأعظم من المسلمين السُّنَّة في المنطقة والعالم باسم الدفاع عن الحُرمات والمقدسات، التي يجب حقًا على المسلمين في كل الأحوال صدّ الخطر عنها، والخطر هنا جاهز ومعلوم، وهو إيران وحلفاؤها الذين يُراد ضربهم بنا وضربنا بهم لحساب التحالف الصهيوصليبي.

إيران وحلفاؤها لا يمكن التشكيك في عداوتهم وخطورتهم

وإيران وحلفاؤها لا يمكن التشكيك في عداوتهم وخطورتهم وأطماعهم.. عندما يُنادَى بمواجهتهم، خاصة بعد أن أستعلنوا بمخططاتهم المستهدِفة لأقدس المقدسات وأكبر الثروات، مع خطوات أثبتها الواقع تستهدف -سياسيًّا- هدم دول في المنطقة وإنشاء بدائل موالية للمشروع الإيراني بدلاً من الأمريكي، وتستهدف – استراتيجيًّا – الهيمنة على أهم الأجواء والممرات المائية التي تتحكم في تسيير الصراعات الدولية وتيسير التجارة العالمية، وتستهدف- اقتصاديًّا- الاستيلاء على أكثر منابع النفط ومواضع الثروات المائية والمعدنية.. وتستهدف دينيًّا _ وهو الأهم _ الوصول إلى زعامة دينية وقيادة مزعومة مذهبية، لفرض الإرادة الشيعية على الأمة الإسلامية من خلال السيطرة على المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة!

استدراج إيران للاقتراب من حمى الحرمين

ولإشعال عود الثقاب لإلهاب تلك الحرب الإقليمية الطائفية؛ يكفي أن نتصور استدراج إيران كي تقوم هي _ أو بعض وكلائها_ في فورة أحداث بخطوةٍ ما؛ من شأنها أن تهدد بالاقتراب من حِمى الحرمين الشريفين، وهي خطوة لا نستبعد فعلاً توافر نوايا الشيعة تجاهها، وتواطؤ الغرب وعملائه على تمهيد الطريق لها..

ماذا سيحدث حينها؟

لا شك أن كل المسلمين الصادقين في العالم سيسارعون – وهم محقُّون – في بذل الغالي والنفيس لفداء أقدس المقدسات، وخوض حرب الفريضة المفروضة للدفاع عنها ضد عدو سيحشد الإعلام العالمي ما في وسعه وفوق ما في وسعه لتضخيم خطره والتهويل من قوته.

استنفار الأمة لخوض حرب الغرب ضد إيران بالنيابة

عند ذلك سوف تستنفر الأمة بشعوبها، من رجالها وشبابها وعوامها وعلمائها، وبعض حكوماتها، بمؤسساتها السياسية والعسكرية والدينية والإعلامية لخوض (حرب الغرب) ضد إيران بالنيابة..! ولِتُكرر أمريكا وحلفاؤها الانتصار على عدوهم بأرواحنا ودمائنا وأموالنا ومستقبل أجيالنا..! كما حدث في حرب الروس في أفغانستان.

هل يفعلونها؟ وهل نتورط فيها؟

لا نتحدث هنا عن أوهام أو أحلام؛ فوسائل الإعلام ومراكز التفكير وخبراء الاستراتيجية في وقتنا الراهن يكثرون الأحاديث والتحليلات عن احتمالات وسيناريوهات (الحرب الإقليمية الطائفية) التي تُساق إليها المنطقة، لكن السيناريو المذكور هنا بالذات – فيما نعلم – لا يتحدث عنه أحد، مع أنه في عالم الإمكان بمكان.

اتفاق لوزان.. إلهاء لإيران والبلدان السنية

الواضح والراجح أنهم سيحاربون إيران، ولكن كيف والفريقان يتظاهران بالسلام والوئام بعد اتفاق «لوزان» بشأن البرنامج النووي الإيراني مع الدول الست الكبرى..؟ إن هذا الاتفاق الذي أُبرم في شهر يوليو 2015م، والذي رُفعت بموجبه العقوبات الاقتصادية عن إيران بشرط التزامها ببنوده.. هذا الاتفاق _ في نظري _ ليس إلا إلهاء لإيران والبلدان السنية المحيطة بها للانهماك في الاستعداد لحرب دمار ينهك فيها كل منهما الآخر، حيث يمكن بعدها – لو استدعى الأمر – أن تتدخل أمريكا أو الكيان الصهيوني عسكريًّا للإجهاز على ما تبقى من طموح المشروع الإمبراطوري الفارسي وطموحه النووي! ) انتهى النقل.

العامل المستجد بعد عشر سنوات.. دخول الصين

والآن أقول:

بعد عشر سنوات من الكلام السابق؛ هناك عامل مهم مستجَد في أمر الصراع بين قوتي الفرس والروم المعاصرتين؛ وهو دخول الصين على خط التفاعلات العالمية والتوازنات الإقليمية، وعزمها على إنزال أمريكا من كرسي التفرد بالإدارة الدولية.

انضمام إيران إلى التكتل الشرقي الجديد

خاصة بعد أن انضمت إيران إلى تكتلها الشرقي الجديد الذي يشمل روسيا وبلوروسيا وكوريا الشمالية، وهو ما يجعل حلف طهران مًعْبَرًا للنفوذ الصيني المتزايد في الإقليم العربي.

هذا ما دفع الحلف الصهيوصليبي لاتخاذ طوفان الأقصى ذريعة

وهذا _ في تقديري _ ما دفع الحلف الصهيوصليبي لأن يتخذ من عملية (طوفان الأقصى) ذريعة جاهزة لتنفيذ مخطط مبرم لتوجيه ضربات قاصمة لإيران وأذرعها.

أمريكا عزمت على توريط البلدان الخليجية

وها هي أمريكا قد عزمت هي وحليفتها الصهيو.نية على توريط البلدان الخليجية في تلك الحرب المذهبية التي يظهر جليًا أن إيران وحلفاءها قد أعدوا لها، بينما استنام النظام العربي وتخاذل _ كالعادة _ مستهينًا بالأخطار حتى تتفاقم، وشاغلًا الشعوب عنها حتى تتعاظم وتستعصي على المواجهة، وهذا ما يعيشه اليوم السواد الأعظم من الأمة، وهم أهل السنة..!

ما لن يتغير أو يتأخر

قد تتواصل الأحداث وفق هذه الاحتمالات المتوقعة.. وقد تتأجل أو تأخذ مسارًا آخر..

إلا أن ما لن يتغير أو يتأخر؛ هو سنن الله الكونية، وأحكامه القدرية في المكر بالماكرين بعد الإملاء للظالمين، وإحباط مسعى المفسدين والانتقام للمستضعفين، وجعل العاقبة للمتقين، ولو بعد حين.

المصدر

صفحة د. عبدالعزيز كامل، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

حتى لا يُستباح الحرم.. التحذير من المشروع الشيعي لاحتلال مكة والمدينة

التعليقات معطلة