التعليم في الاسلام

كيف تحول التعليم الإسلامي من مشروع لبناء الإنسان الحكيم المتوازن، إلى مجرد وسيلة للحصول على شهادة ووظيفة، وأداة لتخريج إنسان متوائم مع الاحتلال والهيمنة؟.

كيف أُقصي الوقف وفُرِض النموذج الحداثي – تاريخ تفكيك التعليم الإسلامي

هل تعلم أن التعليم في الحضارة الإسلامية كان يتمتع باستقلالية مالية هائلة؟ كان العلماء لا يحتاجون إلى مال السلطان ليعيشوا ويُعلموا، وكان الطالب يختار شيخه بناءً على سمته وعلمه، لا بناءً على شهادة رسمية أو راتب حكومي. فكيف تحول هذا النموذج المزدهر إلى ما نعيشه اليوم؟

كيف تم تجفيف منابع الوقف التي كانت تضمن استدامة التعليم لقرون؟ كيف تم إلحاق المدارس والمساجد بالإدارة الاستعمارية؟ كيف تم استبدال النموذج التربوي الإسلامي (القائم على المصاحبة والتربية) بالنموذج البروسي (القائم على النظام والعسكرة)؟

البيئة الحاضنة للتعليم الإسلامي: نموذج متكامل لم نعد نعرفه

“المنظومة التعليمية في الإسلام لم تكن قائمة فقط على ثلاثية المعلم والمتعلم والمنهج، بل كانت هناك بيئة حاضنة فيها الأسرة، وفيها البعد الاقتصادي، وفيها الاستقلالية.”

لفهم عمق الأزمة التعليمية التي نعيشها اليوم، لا بد أن نعود إلى ما كانت عليه المنظومة التعليمية في أوج ازدهارها. فالتعليم الإسلامي لم يكن مجرد علاقة بين معلم وتلميذ ومنهج، بل كان نظاماً بيئياً متكاملاً له خصوصيته التي جعلته قادراً على الصمود والاستمرار لقرون.

أولاً: الاستقلالية المالية – الوقف كضمان للحرية الأكاديمية

أحد أهم خصائص التعليم الإسلامي التاريخية هي الاستقلالية المالية التي كان يتمتع بها العلماء والمعلمون. فلم يكن العالم بحاجة إلى مال السلطان أو الولاة ليعيش ويُعلم، بل كان هناك نظام الوقف الذي ضمن استدامة التعليم واستقلاليته.

كيف كان يعمل الوقف؟

كانت هناك عائلات ميسورة، ورجال أعمال، وعوام الناس يقررون أن يوقفوا جزءاً من أموالهم أو بعض مشاريعهم لخدمة العملية التربوية والتعليمية.

كان هناك “ناظر الوقف” الذي يدير هذه الأموال، وكان يُختار بناءً على الثقة والمصداقية، وليس بناءً على الولاء للسلطة.

كانت الأوقاف تغطي تكاليف المعلمين، والمدارس، والكتاتيب، والمساجد، بل وحتى نفقات الطلاب الفقراء.

ما هي نتائج هذا الاستقلال المالي؟

  • استطاع العالم أن يُعلم العلم وفقاً للأولويات التي يراها، دون أن يُعبث بخطابه.
  • كانت العلاقة بين الشيخ وتلميذه علاقة علم وسمت، وليست علاقة وظيفة وأجر.
  • لم يكن العالم بحاجة إلى التودد للسلاطين أو الحكام ليحصل على رزقه، فكان صوته حراً ناصحاً غير مكبل.

تذكر القصة المشهورة عندما وجهت أم الإمام مالك ابنها قائلة: “اذهب إلى ربيعة الرأي وخذ من سمته قبل أن تأخذ من علمه”. فهذا يدل على أن القدوة الحسنة (السمت) كانت مقدمة على العلم نفسه، وأن العالم كان يُختار ليس فقط لعلمه ولكن لخلقه وتزكيته. وهذا لم يكن ممكناً إلا في بيئة تضمن للعالم استقلاله المالي والمعنوي.

ثانياً: العلاقة بين المعلم والتلميذ – مصاحبة وإرشاد لا إلزام وقوة

النموذج التربوي الإسلامي كان يقوم على علاقة مختلفة تماماً عن النموذج الحداثي. ففي النموذج الإسلامي:

  • العلاقة كانت علاقة مجالسة ومصاحبة:

كان الطالب ينتقل بين العلماء بناءً على سمعتهم وعلمهم، وكانت العلاقة تنشأ بينه وبين شيخه على أساس المصاحبة والملازمة، وليس على أساس الإلزام والامتثال. كان الطالب يجلس إلى شيخه، ويصاحبه، ويرافقه، فيتلقى منه العلم والحكمة والسلوك في آن واحد.

  • التزكية تسبق التعليم:

وهذا مستمد من الآية القرآنية التي تصف مهمة النبي صلى الله عليه وسلم: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)[الجمعة:2]. فتأمل كيف سبقت التزكية تعليم الكتاب والحكمة، فالتزكية – تطهير النفس وتهذيبها – هي الأساس الذي يُبنى عليه التعليم.

  • دور المؤدب:

في بعض البلدان الإسلامية، كان يُطلق على المعلم اسم “المؤدب”، أي الذي يهذب السلوك والأخلاق، وليس فقط الذي ينقل المعلومات. وهذا يعكس أن الهدف من التعليم كان بناء الشخصية المتكاملة، وليس مجرد تكديس المعرفة.

“كان يستطيع العالم أن يؤدي دور التأديب، وفي نفس الوقت دور التعليم، فكانت التزكية لا تنفك عن التعليم. وهذا مصداق للآية التي يبين فيها الله عز وجل دور النبي صلى الله عليه وسلم: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، فسبق التزكية على تعليم الكتاب والحكمة”.

الحكمة – خلاصة التعليم:

الحكمة هي “أن تؤدي الشيء المطلوب في الوقت المطلوب بالطريقة الأنسب”. وهذا يدل على وجود اتزان في الشخصية، وتكامل بين الأبعاد النفسية والروحية والذهنية والمهارية. وهذا هو الهدف الأسمى للتعليم الإسلامي، أن يخرج إنساناً حكيماً، وليس مجرد إنساناً عالماً أو ماهراً.

ثالثاً: ثلاثية التفكيك – كيف تم تدمير البيئة الحاضنة؟

عندما جاء الاحتلال، اكتشف أن المنابع الأساسية التي تصنع الناس الذين يقاومونه هي: المساجد، والجامعات (في ذلك الزمان)، والكتاتيب. وهذه المؤسسات كانت متقدمة جداً بحكم تقدم الحضارة الإسلامية. لذلك، كان لا بد من تفكيكها. وقد تم التفكيك على ثلاث مستويات متكاملة:

  • المستوى الأول: التفكيك الإداري – الإلحاق بالسلطة الاستعمارية

كان الهدف هو تحويل الكتاتيب والمدارس والجامعات من مؤسسات مستقلة إلى مؤسسات تابعة للإدارة الاستعمارية.

كيف تم ذلك؟

  • تم إلحاق المدارس بوزارة المعارف (أو التعليم) التابعة للحكومة الاستعمارية.
  • تم إلحاق الأوقاف بوزارة الأوقاف أو الشؤون الدينية، بحيث أصبحت تحت سيطرة الدولة.
  • أصبح تعيين المعلمين وعزلهم بيد السلطة، وليس بيد العلماء والمجتمع المحلي.

النتيجة:

فقد العلماء والمدرسون استقلالهم، وأصبحوا موظفين حكوميين يخضعون للمساءلة الإدارية والسياسية، لا للمساءلة العلمية والأخلاقية. وهذا غير العلاقة بين المعلم والتلميذ، وحوّلها إلى علاقة سلطة وقوة، بدلاً من علاقة تربية ومصاحبة.

  • المستوى الثاني: التفكيك المالي – تجفيف منابع الوقف

بعد أن تم إلحاق الأوقاف بوزارة الأوقاف الحكومية، أصبحت الأموال التي كانت تذهب للتعليم تذهب إلى خزينة الدولة، أو تُصرَف في مشاريع أخرى.

كيف تم ذلك؟

  • تم تعيين “ناظر الوقف” من قبل الدولة، وليس من قبل الأهالي أو أهل الثقة.
  • أصبحت إدارة الوقف تخضع للروتين الحكومي والفساد الإداري.
  • تم صرف أموال الوقف في غير ما وُقِفَت له.

النتيجة:

أصبح المعلمون والعلماء لا يكادون يجدون قوت يومهم. تدنى المستوى الاجتماعي للمعلم، فلم يعد ذلك القدوة والنموذج الذي له كلمته. وفُقدت الاستقلالية المالية التي كانت تضمن حرية العلم والتعليم.

  • المستوى الثالث: التفكيك المنهجي – فرض النموذج البروسي

أما المستوى الثالث والأخطر فهو تغيير طبيعة المدرسة نفسها، وكيف ينبغي أن تكون، وما الذي تقدمه، وكيف تُدار، وكيف يُنظر إليها. وهنا تم استيراد النموذج البروسي (الألماني) الذي طوره الفيلسوف فيشته بعد هزيمة ألمانيا أمام نابليون.

رابعاً: النموذج البروسي – عسكرة التعليم!

بعد هزيمة بروسيا على يد نابليون في معركة 1806، كتب فيشته سلسلة من “خطابات للأمة الألمانية” حلل فيها أسباب الهزيمة. وخلص إلى أن السبب هو غياب الانضباط والالتزام، وأن الحل هو عسكرة المجتمع من خلال المدرسة.

ما هي ملامح النموذج البروسي؟

  • التنظيم العسكري: الطابور الصباحي، والجرس، والصفوف المنتظمة.
  • العلاقة الهرمية: علاقة إلزام وقوة بين المعلم والتلميذ، وليست علاقة مصاحبة وإرشاد.
  • التوحيد القسري: كل الطلاب يدرسون نفس المنهج، في نفس الوقت، بنفس الطريقة.
  • الهدف الأول هو المواطن المطيع: المدرسة تصنع جندياً ومواطناً منضبطاً، وليس إنساناً مفكراً أو حكيماً.

ماذا حدث عندما دخل هذا النموذج إلى العالم الإسلامي؟

تم استبدال النموذج الإسلامي (المرن، القائم على السمعة والمصاحبة) بالنموذج البروسي (الجامد، القائم على النظام والإلزام). وتم حشر الطلاب في قاعات محددة، وتقسيمهم إلى صفوف، وإلزامهم بالمناهج الموحدة، وتقييمهم بامتحانات رسمية. وهذا جعل التعليم مجرد وسيلة للحصول على شهادة ووظيفة، وليس وسيلة لبناء الإنسان الكامل.

المفارقة:

النموذج البروسي الذي فُرض على العالم الإسلامي هو نفسه النموذج الذي أسس للأنظمة التعليمية في كل من ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. أي أنه النموذج الذي يدرسه أطفالنا اليوم في كل مدارس العالم، بغض النظر عن هويتهم الثقافية أو الدينية.

خامساً: ضرب المؤسسات العتيقة – قصة الأزهر والزيتونة والقرويين

لم يكن التفكيك يقتصر على الكتاتيب والمدارس الصغيرة، بل طال أكبر وأعرق المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي.

  • قصة الأزهر:

محمد عبده حاول إصلاح الأزهر من الداخل، فأسس مجلس إدارة الأزهر وكان طرفاً فيه. لكن السلطة السياسية كانت في يد الخديوي، والخديوي كان تحت إمرة الاحتلال البريطاني. فكل محاولات الإصلاح كانت مقيدة بقيد الاستعمار.

  • قصة الزيتونة في تونس:

أنشئت المدرسة الصادقية في تونس كبديل عن جامع الزيتونة، وهدفت إلى المزاوجة بين التعليم الديني والحديث. لكنها في النهاية تحولت إلى بؤرة للنخب الفرانكفونية (المتحدثة بالفرنسية)، وكان لها دور كبير في تغريب تونس، خاصة في العهد البورقيبي.

  • قصة القرويين في المغرب:

تم إنشاء مدارس حديثة بجانب جامع القرويين، وتم تهميش التعليم العتيق لصالح التعليم العصري الذي يخرج موظفين للإدارة الفرنسية.

  • قصة دار الفنون في إيران:

نفس القصة تتكرر في إيران، حيث أنشئت دار الفنون لتخريج نخب متعلمة على النمط الغربي، لتحل محل النخب الدينية التقليدية.

  • قصة باكستان وشبه القارة الهندية:

سير أحمد خان أسس مدارس جديدة تزاوج بين التعليم الإسلامي والغربي، وكانت بداية لتهميش المدارس الدينية العتيقة.

“فتجد أنها كانت كأنها منظومة واحدة تشتغل بنفس البروسيس، بنفس طريقة العمل التي تهدف إلى تحييد المرجعيات، وشفط المنابع الاقتصادية من خلال الوقف، والإلحاق بالسلطة الإدارية، والهدف النهائي كان أن تعيد هندسة هذا الإنسان، الطالب والتلميذة نفسياً وذهنياً وسلوكياً.”

سادساً: غياب التصفية والغربلة – كيف أصبحنا نستدخل كل شيء؟

أحد أكبر المشكلات التي نتجت عن هذا التفكيك هو غياب آليات التصفية والغربلة للوافد الثقافي. في النموذج الإسلامي الأصيل، كان هناك معايير ومصفوفة ومرجعية تساعدك على أن تغربل كل ما هو وافد من الخارج، بحيث لا يصطدم بما تؤمن به من حقائق دينية تتعلق بالعقائد أو السلوك أو القيم.

لكن بعد التفكيك، أصبحنا نستدخل كل شيء دون تصفية. أصبحت المناهج الغربية تُدرس كما هي، والقيم الغربية تُستورد بكل سهولة، دون أن يكون هناك جهاز نقدي أو تصفوي. وهذا ما أدى، مع مرور الزمن، إلى “عذاب الأمة الإسلامية” التي تحتاج إلى تشخيص عميق وحلول جذرية.

المصدر

استناداً إلى حوار البودكاست على قناة السبيل: “عندما كان التعليم يصنع الأمة.. كيف نصلح المنظومة تحت هيمنة الحداثة؟” مع د. رمزي سعودي، عضو مجلس الإدارة في مجموعة سهلة العالمية للتعليم ومسؤول قسم الإحسان والاتساق.

عندما كان التعليم يصنع الأمة.. كيف نصلح المنظومة تحت هيمنة الحداثة؟ – YouTube

اقرأ أيضا

أزمة التعليم في العالم الإسلامي – التشخيص والبدائل (1-6)

التعليقات معطلة