كيف يمكن لجسدٍ بشريٍّ أن يتحمّل ضغطاً جويّاً يعادل عشرة آلاف كيلوغرام على كل متر مربع، دون أن يُسحق أو يتحوّل إلى مسحوق؟ وما السر الذي يبقينا أحياء نتحرك بهدوء، بينما تمرّ بجوارنا شاحنات ثقيلة تبعث في صدورنا الرعب بمجرد هديرها وكتلتها الهائلة؟ وهل هذه الظاهرة الفيزيائية مجرد معادلة صارمة، أم أنها تجلٍّ آخر من تجليات إجابة السؤال القرآني العظيم: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟ وكيف يمكن لآية نزلت لتمسح على قلب النبي ﷺ في ذروة حصار التخويف، أن تمتد مظلتها لتظلل كل إنسان وجد نفسه تحت وطأة ضغط ساحق لا يقوى عليه؟ وقفةٌ مع حقيقة كونية تتجاوز الفيزياء إلى أعماق اليقين، حيث تتساوى ضغوط الجو والأرض أمام كفاية من لا يُغلب ولا يُقهر.
شاحنة ثقيلة تمر بمحاذاتك.. إحساس بالثقل والخوف
من اعتاد السفر يعلم جيدا هذا الشعور حين تمر شاحنة نقل ثقيل بمحاذاتك.. يكفي هديرها وكتلتها الهائلة وتحرك الهواء لسرعتها ليقبض شيئا ما في صدرك.
فكرة أن هذا الوزن الهائل يمر إلى جوارك بهذا الاندفاع تشعر بثقله ويخطر ببالك دون وعي: ماذا لو سقط كل هذا الوزن عليّ؟
ضغط الجو.. أثقل من الشاحنة ولا نشعر به
العجيب… أن شيئًا أثقل من ذلك يضغط عليك الآن، في هذه اللحظة، وأنت تقرأ هذه السطور.
هي حقيقة لا نشعر بها.. أن ما يعادل وزن شاحنة ضخمة يضغط على كل متر مربع من أجسادنا في كل ثانية.
جسد الإنسان يتعرض لضغط جوي هائل يقارب عشرة آلاف كيلوجرام على المتر المربع.
المنطق المادي يقول: يجب أن تُسحق!
لو احتكمنا إلى المنطق المادي المجرد، لكان يفترض أن تُسحق أجسادنا حتى هياكلنا العظمية فوراً وتتحول إلى مسحوق ناعم.
لكن السر الذي يبقينا أحياء نتحرك بهدوء، يكمن في ذلك الضغط الداخلي لسوائل أجسادنا.. قوة خفية تدفع للخارج بالمقدار ذاته تماماً، لتخلق توازناً مذهلاً.
ومتى استقرت تلك القوة الداخلية = فقد ثقل الضغط الجوي قدرته على السحق.
تجلٍّ من تجليات “أليس الله بكاف عبده“
الحق أن الأمر حين يتدبره المؤمن لن يجده بهذا الجفاء الذي تنص عليه المعادلة الفيزيائية الصارمة.. الأمر هو ببساطة تجلٍ آخر من تجليات إجابة السؤال القرآني العظيم: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}[ الزمر:36].
الله هو الذي أودع بداخلك ذلك الضغط المعادل ليكفيك كما كفاك في كل لحظة مخاطر أخرى لا تدري عنها شيئا..
كم خطراً صُرف عنك قبل أن تعلم بوجوده
كم خطراً مرَّ بمحاذاتك ولم تشعر به أصلًا… كم سببًا للهلاك صُرف عنك قبل أن تعلم بوجوده… وكم كارثة كانت أقرب إليك من حبل الوريد، ثم انحرفت في اللحظة الأخيرة لأن الله لم يأذن لها أن تمسك بسوء.
لعل أعظم نعم الله علينا ليست في تلك الأخطار التي ندرك كوننا نجونا منها.. ربما كانت في تلك التي لم نعلم يومًا أنها كانت في طريقها إلينا، ثم ردها عنا قبل أن تراها أعيننا أو ترتجف لها قلوبنا.
نحن لا نحيا بما ندركه من أسباب الحفظ فقط ولكن بما يتولاه الله من كفاية خفية تقينا أسباب الهلاك التي لا نراها، ولا تخطر لنا على بال.
ولو كُشف لنا بعضها لعجزنا عن النوم مطمئنين. وما نعرفه من أوجه كفايته أقل بكثير مما يخفى علينا.
الآية التي نزلت لتمسح قلب النبي ﷺ
ولم تكن هذه الضغوط غريبة عن سيد الخلق ﷺ وفي هذا نزلت تلك الآية.. لقد أحاطه المشركون بحصار خانق من التخويف النفسي.. فتارة يلوحون بسطوة قريش، وتارة بالقتل أو الإخراج، وأخرى ببطش آلهتهم المزعومة.
أرادوا له أن يعيش مطارداً بالرعب قبل أن يطاردوه بالسيوف.
وفي ذروة هذا الحصار، تتنزل هذه الآية من سورة الزمر: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}.
إعادة معايرة لميزان القوة بأكمله
ليس هذا مجرد استفهام عابر ولكنها إعادة معايرة لميزان القوة بأكمله. إذا كان الخالق قد تكفل بكفايتك، فمن ذا الذي يستحق أن تخافه بعده؟
والاستفهام هنا لا ينتظر إجابة.. هو يقرر حقيقة كونية حاسمة.
الكفاية الإلهية لا تقاس بتجلياتها
لا يمكننا أصلا أن نقول “الكفاية” الإلهية هي أشبه بذلك المعادل الداخلي الذي يواجه قوى الأرض مجتمعة فليس كمثله شيء.. إنما تلك المعادلات والدوافع هي مجرد تجليات يسيرة لا يمكن وضعها في مقارنة مع الكفاية العظمى.. {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.
العبودية مفتاح الكفاية
وتأمل دقة الوصف.. {عَبْدَهُ}. إن مقام الحماية والكفاية قد ارتبط بصفة العبودية.. كلما تعمقت جذور انقيادك لخالقك = اتسعت مساحة كفايته لك، وتكسرت على جدران روحك نصال التخويف.
والعبرة، كما يقرر أهل العلم، بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالآية التي نزلت لتمسح على قلب النبي ﷺ، تمتد مظلتها لتظلل كل إنسان وجد نفسه تحت وطأة ضغط ساحق لا يقوى عليه.
كل من ضاق رزقه، أو خنقته الديون، أو حاصره المرض، أو خذله الرفاق، أو ارتعد من مستقبل مجهول = جميعهم مشمولون بهذا النداء الرباني: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.
تخويف الحياة لنا بمن دون الله
ثم يأتي التقرير التالي قبل السؤال الأخير: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}. هي ذات الحيلة التي تمارسها الحياة علينا كل يوم.. تخويف مستمر بقوى أرضية. أزمة مالية طاحنة، أو مرض مباغت أو خوف من فقد عزيز.. كلها مخاوف تُرفع في وجهك كل يوم بل كل لحظة؛ لتهتز ثقتك، وتنسى أن ثمة قوة واحدة مهيمنة على الكون بأسره بيد مالكها وحده النفع والضر.
من لم يدرك ذلك فهو في ضلال
من لم يدرك ذلك فهو في ضلال يفقد الروح توازنها، ويتركها عارية تحت سحق الضغوط: {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}. ياله من تخلٍّ.. سيترك في ضلاله بلا هدى ولا هادٍ.. يتخبط في ظلمات الفزع، مستجدياً الأمان ممن لا يملكون لأنفسهم نفعاً.
السكينة الحقيقية.. حين تدرك من تربع على عرش العبودية
بينما السكينة الحقيقية تولد في اللحظة التي تدرك فيها أن من تربع على عرش العبودية الخالصة، سقطت عن كاهله مخاوف الأرض دفعة واحدة.
كفاه ربه، فمضى يمشي وسط العواصف، والرياح العاتية لا تقوى حتى على تحريك طرف ثوب السكينة في قلبه.
وذلك الذي هُدي حقًا.. {وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ}. كأن أول منازل الهداية أن تستقر في القلب حقيقة الكفاية. فمن أيقن أن الله يكفيه، لم يساوم على مبادئه أو يلهث خلف الخلق يستجدي منهم ما بيد الخالق وحده.
الهداية ليست معرفة الطريق فقط
الهداية ليست أن تعرف الطريق فحسب ولكن أن يطمئن قلبك إلى أن السير فيه لن يضيعك.
لهذا كان الموقنون أهدأ الناس نفساً وإن لم يكونوا أقل إحساسًا بالمخاطر، ولا أقل إدراكًا لقوة ما حولهم، لكنهم كانوا دوما يرون فوق كل قوة قوة، وفوق كل سبب مُسبِّبًا، وفوق كل تدبير بشري تدبيرًا لا يغلبه تدبير.
فإذا استقر هذا المعنى في القلب، تحرر الإنسان من أعظم وطأة عرفتها البشرية… وطأة الخوف.
العزيز ذو الانتقام.. لا يترك للخوف موضعاً
لذلك تختم الآيات بهذا السؤال الذي لا يترك للخوف المرضي موضعًا يختبئ فيه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ}.
العزيز… الذي لا يُغلب، ولا يُقهر، ولا تقف في وجه إرادته قوة. وذو الانتقام… الذي لا يضيع عنده حق، ولا يفلت من قبضته مخوفٌ، ولو أمهله حينًا.
الطمأنينة ليست سذاجة والثقة بالله ليست هروباً
إذا استقر ذلك في روع المؤمن سوف يدرك أن الطمأنينة لم تكن أبدا سذاجة، وأن السكينة لم تكن غفلة، وأن الثقة بالله لم تكن هروبًا من الواقع…
نحن ننجو كل يوم من أثقالٍ لا نعلم أنها كانت في طريقها إلينا، ومن أخطارٍ لو كُشف لنا بعضها، لعجزنا عن أن نغمض أعيننا ليلةً واحدة.
لكن أقصى ما يستطيع العالم أن يفعله، أن يلوح لعبد الله بالمخاوف… أما أن يسلخه من كفاية ربه، فذلك ما لا يملكه أحد.
الخاتمة.. حين يتشرب القلب إجابة السؤال
ستظل الشاحنات تمر بمحاذاتك والضغط ينساب على كل ملليمتر في جسدك، وسيبقى ضجيج الحياة يملأ الطرقات، ولن تتوقف الأمراض، ولا الأزمات، ولا تهديدات البشر.
لكن شيئًا واحدًا سيكون قد تبدل إلى الأبد حين يتشرب قلبك هذه الآية وتستقر في نفسك إجابة السؤال: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.
حينئذ لن تنظر إلى المخاوف والضغوط بنفس العين. لقد أدركت أن الأثقال لا تسحق لمجرد أنها ثقيلة… ستسحق فقط حين يُترك الإنسان وحده تحتها.
أما من كفاه الله… فلا تحمله قوته. تحمله كفاية ربه.
والكون كله… أعجز من أن يسحق عبدًا تكفّل الله بكفايته.
المصدر
صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.


