دماء المسلمين في “الباغوز” .. لا بواكي ولا قبور


زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

توالت الأنباء من “الباغوز”.. أما المصادر الإخبارية فكانت أخبارا مقتضبة وتغطية على استحياء؛ وكل له أسبابه ومخاوفه، وأما المجازر فنبؤها عظيم والخطب فادح..

المقدمة

مع مذبحة المسجدين في “نيوزيلندا” وردود الأفعال هناك، كان التوحش يُدار في بقعة أخرى لإبادة المسلمين، فكانت مذبحة أخرى في “الباغوز” بلا إعلام ولا بواكي، بل ولا قبور.

الخبر

1) جاء على موقع “عربي 21″، بتاريخ 21/3/2019، تحت عنوان (“قسد” ترتكب مجزرة مروعة في الباغوز قبل دخولها):

“ارتكبت قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، المدعومة أمريكيا، مجزرة مروعة في الباغوز، آخر جيب متبق لتنظيم الدولة، قبل دخوله بشكل رسمي.

وأظهرت صور مئات الجثث لنساء وأطفال، مكدسة فوق بعضها، وصور أخرى لعناصر من تنظيم الدولة في مخيم الباغوز.

وفي مشاهد أخرى، ظهر طفل يجلس إلى جوار جثة امرأة ـ يُعتقد أنها والدته ـ إضافة إلى جلوس نساء عند جثث رجالهم، في سعي منهم إلى دفنهم.

وبحسب وكالة “الأناضول”، فإن مصادر محلية أبلغتها أن تلك الجثث تعود إلى عناصر من “تنظيم الدولة”، إضافة إلى مدنيين حوصروا بمنطقة المخيم في البلدة.

وأشارت المصادر إلى أن أصحاب تلك الجثث قتلوا في الهجمات الأخيرة على البلدة التي نفذتها قوات التحالف و”ي ب ك”.

وأوضحت أن جثث عناصر ” تنظيم الدولة “، التي لا يبدو عليها جروح بليغة، تثير الريبة حول قيام “ي ب ك” بإعدام جماعي لهم.

فيما تظهر جروح على أجساد المدنيين القتلى ما يدل على أنهم قتلوا في قصف جوي أو مدفعي.

كما ظهرت في الصور بعض الجثث المتفحمة، قالت المصادر إنها جراء استخدام الفوسفور المحرم دوليا من قبل قوات التحالف.

وبثت وسائل إعلام مشاهد تظهر القصف العنيف الذي استهدف مخيم الباغوز، برغم وجود آلاف المدنيين بداخله.

وفي وقت سابق الأربعاء، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقرير، إن التحالف الدولي ضد “داعش” في سوريا، قتل منذ تدخله بالبلاد أكثر من 3 آلاف مدني، بينهم أكثر من 900 طفل.

“وعادت المعارك بين الجانبين بعد رفض غالبية العناصر الأجنبية من التنظيم تسليم أنفسهم، وسط اتهامات من ناشطين لـ”قسد” بإطالة أمد المعركة”. (1موقع “عربي 21″، بتاريخ 21/3/2019، على الرابط:
“قسد” ترتكب مجزرة مروعة في الباغوز قبل دخولها
)

2) وجاء على موقع “العربي الجديد” تحت عنوان “الباغوز السورية والقضاء على “داعش”: التحالف الدولي يكرر سيناريو التوحش”

“أعلنت “قوات سورية الديمقراطية” (“قسد”)، السبت (23/3/2019)، القضاء على تنظيم “الدولة” في منطقة شرقي الفرات، عقب معركة بدأت في أواخر عام 2015، وانتهت الخميس بسحق آخر مسلح للتنظيم في مزارع قرية الباغوز، في ريف دير الزور الشرقي، فيما تؤكد مصادر محلية أن ثمن القضاء على فلول التنظيم في القرية، كان صادماً ومؤلماً، حيث تفحم مدنيون تحت وابل نيران يؤكد أن “التحالف الدولي” كرر “السيناريو المتوحش” الذي استخدمه في الرقة السورية والموصل العراقية في بقعة جغرافية ضيقة، استحال كل ما فيها إلى رماد.

وفي الطريق إلى الباغوز الذي استغرق شهوراً، خاضت مليشيا “قسد”، تحت غطاءٍ ناري كثيف من طيران “التحالف” معارك ومواجهات عسكرية مع “تنظيم الدولة” الذي استشرس بالدفاع عن معاقله الأخيرة..

وبعد بدء المعركة، واجهت هذه القوات عقبات عدة، لعل أبرزها تكدس عشرات آلاف المدنيين من مختلف الجنسيات في بقعة جغرافية ضيقة لا تتعدى الـ (1500) متر.

“والأنباء تؤكد “أن “التحالف” ارتكب عمليات إبادة جماعية، حيث لم يضع في خططه العسكرية وجود مدنيين، أغلبهم أطفال ونساء في المنطقة”. (2موقع “العربي الجديد” بتاريخ، 23/3/2019، على الرابط:
الباغوز السورية والقضاء على “داعش”: التحالف الدولي يكرر سيناريو التوحش
)

3) لكن ما توالت به الأنباء على مواقع التواصل المختلفة أن قتلى المسلمين من الشيب والشبان، والأطفال والنساء؛ بلغ ثلاثة آلاف في “الباغوز” وحدها.

بل ثمة صعوبة في دفن الجثث حيث تتولى ما تبقى من النساء دفن جثث ذويهم.

4) وجاء على موقع “الجزيرة نت” تحت عنوان (الباغوز.. لحظات ما قبل “المحرقة” وما بعدها)

“يروي أحمد (23 عاما) ـ وهو من مقاتلي قوات قسد التي شاركت في العمليات الأخيرة ضد التنظيم ـ اللحظات الأخيرة التي سبقت “المحرقة” التي تعرض لها مخيم الباغوز بمن فيه، حيث كان شاهدا على حجم الدمار والقصف.

يقول للجزيرة نت: طلبت منا حينها قيادة الفوج أن نتراجع وسيتم تبديل القوات التي شاركت في عملية اقتحام معاقل التنظيم الأخيرة (العربية) بقوات أخرى من مكافحة الإرهاب والمخابرات التابعة أيضا لـ (قسد)، من أجل تنفيذ الاتفاق وإكمال عملية التفتيش ونقل المقاتلين التابعين للتنظيم.

وبالفعل تم إبعاد معظم العناصر العربية المنضوية ضمن قسد، واستبدلوا بقوات كردية مما تسمى قوات مكافحة الإرهاب، ولم تمض ساعات حتى تعطّل الاتفاق.

فالتنظيم كان يعتقد أنه سيحصل على ممر آمن إلى البادية السورية أو العراقية إذا ما أطلق سراح المعتقلين، إلا أن طلبه رُفض من التحالف وقسد، وحينها بدأت المعركة التي أدت إلى مسح الباغوز بشكل كامل هي ومخيمها.

وكان تنظيم الدولة قد استعد منذ بداية الاتفاق لمثل هذه اللحظة، حيث نفذ هجوما خلف خطوط قوات قسد والقوات الأميركية والفرنسية المشاركة في عمليات الاقتحام والتمشيط، وتمكن من قتل أكثر من 35 عنصرا من قوات النخبة التابعة لقسد، وإصابة ومقتل عدد من قوات التحالف.

أوامر القصف

تلا ذلك إعطاء الأوامر بقصف المخيم عبر طائرات التحالف، لتتناوب عدة طائرات على القصف بالقنابل الشديدة الانفجار والقنابل الفوسفورية، وما هي إلا ساعات حتى توقفت أصوات الرصاص والقصف وحل صمت كامل على المكان.

يكمل أحمد: عبر القبضات اللاسلكية يأتي صوت باللغة العربية “ممنوع الدخول إلى المخيم إلا للقوات التي سُمح لها ومهمتها التمشيط”.. حينها كان قد حل الفجر، دخلنا ومجموعة من المقاتلين إلى المخيم.. جثث متناثرة هنا وهناك لأطفال ونساء، جرحى يسمع أنينهم بشكل واضح كل ما تلفتّ يمينا أو يسارا، سيارات محترقة، حفر صغيرة كانت للاختباء أصبحت قبورا.

المشهد لا يمكن وصفه إلا بمحرقة مثل التي كنا نشاهد عن الحرب العالمية عبر التلفاز، وعلى الفور بدأت عربات التحالف وقوات قسد الخاصة بإغلاق المكان أمام الصحفيين وأمام المقاتلين”. (3موقع “الجزيرة نت” بتاريخ 26/3/2019، على الرابط:
الباغوز.. لحظات ما قبل “المحرقة” وما بعدها
)

التعليق

1) لقد كان التوحش صادما؛ فالملقاة على الأرض مضرجة في دمائها هي أمك أو أختك؛ والطفل الصريع بجانبها والطفل التائه الباكي لا يجد أهله، أو الباكي حول جثة والدته؛ لم يواجهوا هذه المصائر إلا لكونهم مسلمين. ولأنهم يمثلون الوقوف أمام مشاريع مختلفة؛ مهما كان اختلافك معهم وانتقادك لمواقفهم.

2) ظهر للمسلمين اضطراب مفاهيم الكثير؛ فما بين “داعية..!” شامت، ينظر الى الغلو الذي يرفضه أو الأخطاء التي ينقمها؛ لكنه  لا ينظر الى ما ينبغي النظر اليه هذه اللحظة من كونهم “مسلمين” ومن أن عدوهم صليبي كافر يتحالف مع ملحد كافر صريح في كفره وإعلانه هذا وانسلاخه من الاسلام، وأن المسلمين يُبادون بواسطة “ولاء الكافرين” الذين سنتهون من قطعة من بلاد المسلمين ثم يلتفتون الى قطعة أخرى، بل الى قدمَيْ هذا الشامت..!

3) لا زال المسلمون يؤتَون منذ زمن، والى هذه اللحظة، ويتفتتون كل مرة بسبب حذّر الله تعالى منه بوضوح، وهو “ولاء الكافرين” ومظاهرتهم على المسلمين أو التآمر معهم عليهم، وقد قال تعالى ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73) والمعنى وإلا يوالي المؤمنون بعضهم بعضا، بإزاء ولاء الكافرين بعضهم بعضا؛ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.

وقد حدثت الفتنة مرارا وتكرارا منذ الأندلس، الى تركستان وآسيا الوسطى، الى القوقاز وسيبيريا والقرم، الى القدس والشام، الى المذابح المتتالية وقهر العدو للمسلمين.

ولا زال الغرب الصليبي ينفذ الى بلادنا من خلال من يواليه من المنتسبين الى الاسلام.

ولا محاباة في دين الله تعالى فمن وقع في هذا المناط تحقق فيه حكمه.

4) ومن أفحش صور الولاء، والتي تمهد للصور المقيتة التالية التي نعيشها هي “التولي بغير ولاية الاسلام” وذلك بتقديم ولاءات “القوم” و”الوطن” على ولاء الاسلام، فتصبح هذه الروابط هي البديلة عند أصحابها ويصبح الاسلام تابعا أو ينسلخون منه رأسا.

ويتبدى هذا جليا في “قومية الأكراد” وذبحهم للتيارات الاسلامية فيهم، لتخلو الساحة لشيوعييهم وملاحدتهم وقومييهم؛ ذلك التطرف القومي الذي يلغَى فيه اعتبار الاسلام ويُلغى اعتبار صبغة الله، ويلغَى فيه أثر شريعته واعتبار ما أحله وما حرمه.

إنهم يصبحون مطية ليركب العدو، وأداة لينفث بهم حقده وينفّذ بهم مخططه، ويرسم خرائط الجغرافيا وخرائط القوى كما يريد، ليراعي مصالح الصهاينة ومصالحه، ويجعلَ المسلمين قوىً مفتَتة وجزرا منفصلة ومتعادية..

كما يحلم العدو أن يصبح الاسلام عند أهله إرثا تاريخيا وماضيا يتجاوزونه. ولقد صدّق الأبالسة ظنهم على فريق من الناس؛ لكنه إملاء الله لهم؛ فثمة أمة يزرع الله فيهم غرسه ليُمضي بهم قدَره ويكبت بهم عدوه.

5) ظهر الدور الاجرامي الخياني لحكام بلاد الحرمين؛ حيث انهم جزء من التحالف الدولي الذي شارك في ابادة وحرق أهلنا وأطفالنا في الباغوز، ومع ذلك يدّعون انهم دولة التوحيد..! ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 9)

لقد ظهر للناس إجرامهم وأنهم قتلة متحالفون مع الصليبيين والصهاينة، يؤدون نفس المشروع ويقومون بالدور نفسه، هذا على امتداد عقود السنين وعلى طول جغرافيا المسلمين؛ فحسبنا الله الذي عرّاهم للناس، ولعل في هذه التعرية والوضح ما هو خير للمسلمين لئلا ينخدع بهم أحد وتظهر للناس حقائقهم وأضغانهم.

6) تبقى العبرة المتكررة للمسلمين في خطورة التفرق والتنازع، وأنه أصل الهزائم والفشل ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)

7) دروس ينبغي إدراكها:

– ينبغي أن يشعر المسلمون بالمسؤولية تجاه أفعالهم ومواقفهم، وألا يقدّم أحدهم رقبته أو رقبة طائفته لعدوه؛ فثمة كر وفر.

– كما ينبغي إدراك سنة المراحل ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار﴾َ (الفتح: 29).

– كما ينبغي القصد والعدل في العقائد والمواقف والحكم على المسلمين؛ ومن ثم عدم شدة اليد على الأمة؛ فكل تجربة تشتد فيها اليد على الأمة تنتهي بانفصال طائفة ومواجهتها للعدو وحيدة ـ حيث تنخدع في قوتها المؤقتة ـ ثم استئصالها أو تكاد، وتتعرض لما لا طاقة لها به من الفتن التي لا تتحملها فتُستأصل أو تُفتن وتدجن ويتغير خطابها.

– وإدراك سنة “المراحل” ومعرفة الكر والفر تابعة لإدراك الواقع أيضا ومعرفة خريطة قواه، والتعامل مع الواقع لا الأماني، ووضع ما يليق من الخطط والمراحل بما تصل به الى غايتك، أو بالأدق والأصح لتصل الى إقامة ما أمر الله به.. فلم يصل اليه الأولون إلا عبر مراحل مختلفة حفظتها سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خاتمة

ينبغي الاستفاد من الكبوات والإخفاقات والعثرات لتأتي بعدها الكَرّات والإقدام والنجاحات.

كما ينبغي عدم الخديعة بالانتشار السريع ولا القوة المفاجئة.

ينبغي التلاحم مع الأمة وإدخالها في الصراع وأن تحمل مسؤوليتها مع أبنائها من الصفوة والمجاهدين، والعلماء والدعاة ليصعب على العدو اقتلاع من شاء من أبنائها.

رحم الله من قتل من المسلمين وتقبلهم في الشهداء  .ورحمة ربك خير مما يجمعون.

ولنعلم أن سنن الله تعالى جادة، والأمانة كبيرة. والله تعالى غالب على أمره، ولا حول ولا قوة إلا به تعالى.

……………………………………..

هوامش:

  1. موقع “عربي 21″، بتاريخ 21/3/2019، على الرابط:
    “قسد” ترتكب مجزرة مروعة في الباغوز قبل دخولها.
  2. موقع “العربي الجديد” بتاريخ، 23/3/2019، على الرابط:
    الباغوز السورية والقضاء على “داعش”: التحالف الدولي يكرر سيناريو التوحش.
  3. موقع “الجزيرة نت” بتاريخ 26/3/2019، على الرابط:
    الباغوز.. لحظات ما قبل “المحرقة” وما بعدها

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.