فقه السيرة والتاريخ

دراسات في السيرة النبوية خصائص المرحلة المكية في مجال المعرفة  (4-4)

زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

للإيمان باليوم الآخر مساحته في بيان القرآن، وفي بيان رسول الله وتوجيهه ومشاعره وممارسته، مما يوجه الدعاة لقيمة الإيمان به، ولقيمة العقيدة في فهْم الواقع والحركة فيه بهذا الدين.

مساحة كبيرة للآخرة

بعد بيان قيمة العلم وطرقه ووجوب البلاغ والبيان الجزء الأول والبداية النبوية ببيان العقيدة الصحيحة وإفراد الله بحقه الخالص سبحانه الجزء الثاني ثم بيان قيمة وأثر توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات على القلوب والأخلاق والظاهر والباطن إذ إنها موجِبات توحيد الألوهية الجزء الثالث يأتي في هذا الجزء بيان قيمة الإيمان باليوم الآخر وأثره ومساحته في القرآن والسنة، وفي الممارسة النبوية وسير المتقدمين، مع التنبيه لأهمية فهْم الدعاة لهذه القضية وتقدمهم الناس في الفهم والبيان.

الإيمان بالله واليوم الآخر

أما الإيمان، فقد ركز القرآن المكي على عرض قضايا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر عرضا مفصلا ومجملا، يتناول الملائكة وأعمالهم وصفاتهم، والكتب وما فيها،  والنبيين ودعوتهم وقصصهم، ومقادير الخلق، وأحوال البرزخ، ويوم القيامة، وأحوال المنعَّمين والمعذَّبين، وكيفية البعث وحشر الناس ومحاسبتهم، بأسلوب معجز حتى لكأن الإنسان ينظر إلى يوم القيامة رأي عين:

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (الزمر:68-74).

على أن قضية الإيمان باليوم الآخر والحساب والجزاء من قضايا العقيدة الرئيسة التي جاء بها الإسلام، والتي يقوم عليها بناء العقيدة بعد توحيد الله، لما لها من أهمية في تهيئة النفوس وإعدادها للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذي تعْلم أنه مناط العوض والجزاء في اليوم الآخر.

ولأجل ذلك لم يناقش القرآن المكي قضية من القضايا بالتفصيل مثل عرضه لأمر الإيمان باليوم الآخر.

مساحة اليوم الآخر في القرآن، وفي حياة رسول الله

ولا شك أن الاهتمام الشديد بذكر اليوم الآخر في كتاب الله، وتقريره في كل موقع ومناسبة، وورود ذكره في القرآن بأسماء كثيرة.

مع العلم أنه كلما كان للمسمى شأن عظيم كلما كثرت أسماؤه يعطي الانطباع ـ ويوحي ـ بخطورة هذا الأصل في تقويم حياة الإنسان وتوجيهه لعمارة الدنيا بالعلم النافع والعمل الصالح.

ولذلك ركز النبي، صلى الله عليه وسلم، على ربط أصحابه بعقيدة اليوم الآخر، وعلّمهم بقوله وفعله كيفية الاستعداد للقاء الله عز وجل، فأثمر لهم هذا العلم واليقين بالنبأ العظيم عدة ثمرات منها: الإخلاص لله عز وجل والصدق معه، والحذر من الدنيا والزهد فيها، والصبر على شدائدها، والتزود بالأعمال الصالحة، والاستعداد للجهاد في سبيل الله، وتحمل الأذى والمشقة في سبيل ذلك. (1)

مع العلم بأن الجهاد من حيث هو قمة العمل في الإسلام وذروة سنامه، ووسيلة هذا الدين لتحقيق مهمته في الأرض وأهدافه العليا التي أراد الله عز وجل تحقيقها في عالم الإنس، يحتاج إلى عقيدة إيمانية تُعد بمثابة الوقود الذي  يمد النفوس بالصبر والصمود في معركتها مع الباطل والطغيان في واقع الحياة.

وقد كان الجيل الأول يدرك هذه الحقيقة إدراك من تعلمها وتربى عليها، ورأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يدعو إليها ويغرسها في النفوس تمهيدا للمرحلة التالية وهي مرحلة إقامة الدولة الإسلامية.

قيمة التوحيد الكبرى، في الكون وفي النفوس

وخلاصة القول أن التوحيد هو الحقيقة الكبرى في الكون؛ فالخالق تعالى واحد، والكون بسنته ونواميسه واحد، والإنسان في جوهره وغايته ووجوده واحد.

والكون بكامله يتجه الى الله عز وجل اتجاها واحدا بالعبادة والطاعة: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (آل عمران:83)، وكذلك ينبغي للإنسان أن يتجه إلى الغاية نفسها والهدف ذاته، وإلا حصل التصادم والتمزق والضياع في مسيرة حياته.

ولذلك نص القرآن المكي على قاعدة الوجود الكبرى وغاية الوجود الإنساني: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56)، وهي ترسم الإطار العام للعقيدة والدائرة الشاملة للحياة البشرية.

ولهذا لم يكن مصادفة أن يقضي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاثة  عشر عاما  يحدث الناس عن قضية العقيدة، ويعلّم أصحابه تجريد التوحيد بأنواعه السالفة الذكر، حيث رسخ في قلوبهم المعرفة الحقة بالله تعالى التي تقتضي الاستسلام التام له، والطاعة المطلقة له، وعدم التقديم بين يديه، والرضا والتسليم بقضائه.

وكان مثالا حيا للمؤمن الموحد الذي يُقتدى به في هذا الشأن.

أهمية إحاطة الدعاة بقضية التوحيد

ولأهمية العلم بالعقيدة على هذا النحو، وجب ربط المسلمين ـ وخاصة الدعاة إلى الله تعالى ـ بهذا العلم الذي يُعد من أولويات البناء في حقل العقيدة؛ لأن المفاهيم الرئيسة في العقيدة إذا لم تكن صحيحة وأصابها الانحراف، فكل ما يستند إليها سيلحق بها؛ إذ على فهمها يترتب فهم سائر الأحكام، وانطلاقا منها توزَن الأقوال والمواقف والأحداث.

فمثلا لا يمكن عرض الانحرافات الجوهرية التي تعيش اليوم بين المسلمين مما له تعلق بجوانب الاعتقاد ـ مع بيان خطرها وتأثيرها والتحذير منها ـ حتى يكون الداعية ملمّا بأركان توحيد الألوهية الثلاثة وهي: “إفراد الله بالحكم، وإفراد الله بالولاء، وإفراد الله بالنسك”.

على أن سورة الأنعام، وهي سورة مكية ويكاد موضوع التشريع يستغرقها، تستوعب هذه الأركان الثلاثة في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ (الأنعام:114)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ (الأنعام:14)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:162).

فالجاهل بـ “توحيد الحكم” وإفراد الله به؛ يكون عاجزا عن طرح قضية “الحكم بغير ما أنزل الله” و”حكمه الشرعي”، وأهمية ردّ الأمور كلها إلى شرع الله؛ لأن هذا هو مقتضى الإسلام والتسليم، وشرط الإيمان الذي لا يكون إلا به، وبذلك لا يكون مؤهلا لتعليم الأفراد وتربيتهم على الولاء لشريعة الإسلام، والحذر من تنقّصها، أو اعتقاد أفضلية غيرها، أو مساواته لها، أو جواز الحكم بغيرها، بحيث يصبح الإيمان المطلق بشريعة الله قناعة راسخة لدى المخاطبين، حتى لو فرضت عليهم النظم الوضعية الجاهلية.

ومن لا يعرف معنى “الولاء والبراء” لا يمكنه الحديث عن موالاة الكافرين والمنافقين، وحكمها وتأثيرها على النفوس، والخطر الزاحف بسببها سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو المجتمع، والتركيز على ضرورة استقلال الأمة المسلمة وتميزها، واستعلائها بإيمانها وشريعتها على الأوضاع والعقائد والنظم والمناهج الجاهلية.

ومثل هذا وذاك التركيز على توحيد النسك في البلاد والأماكن التي جهل فيها الناس معنى الألوهية، وصرفوا العبادة للشيوخ والأولياء، وقدسوا الأضرحة أكثر من تقديس المساجد. (2)

وعلى العموم؛ فإن العلم بالعقيدة فريضة على كل مسلم، فضلا عن كل “داعية”؛ لما لها من أهمية، واعتبار في معرفة المنطلقات والثوابت وتحديد الأهداف والغايات، والتمييز بين الواقع الشركي والواقع الإيماني، وتأصيل المنهج الشرعي لئلا تنحرف الدعوة عن أهدافها المرسومة.

تلك هي الخطوط الكبرى لهذه العقيدة التي ركز عليها القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عاما ووقف عندها لا يتجاوزها، وكانت غايته تقريرها في النفوس، بحيث تكون عقيدة إيجابية ثابتة مستقرة، قائمة على العلم والعمل، مبنية على الوعي والنظر والمعايشة.

………………………………………………………………

هوامش:

  1. عبد العزيز الجليل : قل هو نبأ عظيم، ص 99-113.
  2. التجديد في الإسلام، مجلة البيان، عدد 2،ص18-19.

لقراءة الدراسة كاملة على الرابط:

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية