زمن القراءة ~ 12 دقيقة 

ترجع أهمية اليوم الآخر، إلى أنه من أهم خصائص الميزان الإلهي القويم، وأن اعتبار ووزن الأمور به مما يميز هذا المنهج الرباني؛ ذلك بأن النظرة إلى الآخرة على أنها هي الحياة الحقيقية الأبدية لا بد أن ينعكس أثرها على كثير من الموازين ،حيث لا تستوي موازين من يؤمن بالآخرة وموازين من لا يؤمن بها، ولا تلتقيان أبدا.

الميزان الإلهي للدنيا والآخرة

يقول سید قطب – رحمه الله تعالى -: «ومن ثم لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها، ولا ينتظر ما وراءها؛ لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة، ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون، فلكل منهما میزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء یری عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال .. هذا يرى ظاهرا من الحياة الدنيا ، وذلك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن، ونوامیس شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة ، والدنيا والآخرة، والموت والحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء»1(1) انظر : في ظلال القرآن عند الآية (7) من سورة الروم ..

حقيقة الدنيا والآخرة في كتاب الله عز وجل

ورد ذكر حقيقة الدنيا والآخرة ونظرة الشرع إليهما في آيات كثيرة من القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. ورد في بعضها ذكر الدنيا والآخرة، وفي البعض الآخر ورد ذكر الدنيا مفردة أو الآخرة مفردة. وأكتفي من الآيات الواردة في ذلك بما يلي:

الآية الأولى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)  [الأنعام: 32].

 يقول الشيخ السعدي – رحمه الله تعالى – عند هذه الآية : «هذه حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة: أما حقيقة الدنيا فإنها لعب ولهو؛ لعب في الأبدان ، ولهو في القلوب؛ فالقلوب لها والهة، والنفوس لها عاشقة. والهموم فيها معلقة والاشتغال بها كلعب الصبيان.

وأما الآخرة فإنها: (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ) في ذاتها وصفاتها وبقائها ودوامها، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين من نعيم القلوب والأرواح، وكثرة السرور والأفراح، ولكنها ليست لكل أحد، وإنما هي للمتقين الذين يفعلون أوامر الله ويتركون نواهيه وزواجره. (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي: أفلا يكون لكم عقول بها تدركون أي الدارين أحق بالإيثار؟»2(2) تفسير السعدي 2/17..

الآية الثانية: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)

[يونس: 24،25].

يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – عند هذه الآية: «شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر، فتروقه بزينتها وتعجبه، فيميل إليها ويهواها اغترارا بها، حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها سلبها بغتة أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها؛ فشبهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها، فتعشب ويحسن نباتها، ویروق منظرها للناظر، فيغتر به، ويظن أنه قادر عليها مالك لها، فيأتيها أمر الله ، فتدرك نباتها الآفة بغتة ، فتصبح كأن لم يكن قبل، فيخيب ظنه، وتصبح يداه صفرا منها.

فهكذا حال الدنيا والواثق بها سواء، وهذا من أبلغ التشبيه والقياس . ولما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات والجنة سليمة منها قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ) [یونس: 30] فسماها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا. فعم بالدعوة إليها، وخص بالهداية من يشاء، فذاك عدله، وهذا فضله»3(3) أعلام الموقعين 1/203.

ويقول سيد قطب – رحمه الله تعالى – عند آية يونس أيضا: «ذلك مثل الحياة الدنيا التي لا يملك الناس إلا متاعها، حين يرضون بها، ويقفون عندها ، ولا يتطلعون منها إلى ما هو أكرم وأبقى. هذا هو الماء ينزل من السماء، وهذا هو النبات يمتصه ويختلط به فيمرع ويزدهر. ها هي ذي الأرض كأنها عروس مجلوة تتزين لعريس وتتبرج. وأهلها مزهوون بها، يظنون أنها بجهدهم ازدهرت، وبإرادتهم تزینت، وأنهم أصحاب الأمر فيها، لا يغيرها عليهم مغير، ولا ينازعهم فيها منازع وفي وسط هذا الخصب الممرع، وفي نشوة هذا الفرح الملعلع، وفي غمرة هذا الاطمئنان الواثق (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) [يونس: 24] في ومضة ، وفي جملة، وفي خطفة. وذلك مقصود في التعبير بعد الإطالة في عرض مشهد الخصب والزينة والاطمئنان . وهذه هي الدنيا التي يستغرق فيها بعض الناس، ويضيعون الآخرة من أجلها لينالوا منها بعض المتاع.

هذه هي: لا أمن فيها ولا اطمئنان، ولا ثبات فيها ولا استقرار، لا يملك الناس من أمرها شيئا إلا بمقدار. هذه هي، (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [يونس: 25]. فيا لبعد الشقة بين دار يمكن أن تطمس في لحظة، وقد أخذت زخرفها ، وازینت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها ، فإذا هي حصيد كأن لم تغن بالأمس، ودار السلام التي يدعو إليها الله، ويهدي من يشاء إلى الصراط المؤدي لها حينما تنفتح بصيرته، ويتطلع إلى دار السلام4(4) في ظلال القرآن 3/1775 ..

الآية الثالثة: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ *الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 45، 46].

يقول سید قطب – رحمه الله تعالى – عند هذه الآية: «واليقين بلقاء الله – واستعمال ظن ومشتقاتها في معنى اليقين كثير في القرآن وفي لغة العرب عامة – واليقين بالرجعة إليه وحده في كل الأمور هي مناط الصبر والاحتمال، وهو مناط التقوى والحساسية، كما أنه مناط الوزن الصحيح للقيم: قيم الدنيا وقيم الآخرة. ومتى استقام الميزان في هذه القيم بدت الدنيا كلها ثمنا قليلا ، وعرضا هزيلا؛ وبدت الآخرة على حقيقتها التي لا يتردد عاقل في اختيارها وإيثارها»5(5) في ظلال القرآن 1/69 ..

الآية الرابعة: قوله عز وجل حاكيا قول مؤمن آل فرعون لقومه: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) [غافر: 39].

الآية الخامسة: قوله سبحانه عن متاع الدنيا: (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ *مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء: 205 – 207].

الآية السادسة: قوله تعالى: (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ *  وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) [الزخرف: 33 – 35].

حقيقة الدنيا والآخرة وميزانها في الأحاديث النبوية

الحديث الأول: عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء»6(6) الترمذي في الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (1889)..

وفي رواية عند ابن ماجه عن سهل بن سعد أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي الحليفة فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها، فقال: «أترون هذه هينة على صاحبها؟ فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها قطرة أبدا»7(7) ابن ماجه (4100)، وصحه الألباني في صحيح ابن ماجه (3318)..

الحديث الثاني: عن قيس بن أبي حازم – رحمه الله تعالى – قال: سمعت مستوردا أخا بني فهر وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه . وأشار يحيى بالسبابة – في اليم، فلينظر بم ترجع»8(8) مسلم (2858)..

يقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – معلقا على هذا الحديث: «وهذا أيضا من أحسن الأمثال ؛ فإن الدنيا منقطعة فانية، ولو كانت مدتها أكثر مما هي، والآخرة أبدية لا انقطاع لها، ولا نسبة للمحصور إلى غير المحصور . بل لو فرض أن السماوات والأرض مملوءتان خردلا وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة لفني الخردل، والآخرة لا تفنى؛ فنسبة الدنيا إلى الآخرة في التمثيل كنسبة خردلة واحدة إلى ذلك الخردل»9(9) عدة الصابرين ص 281، 282..

الحديث الثالث: عن عبد الله بن مسعود قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نام على رمل ځصير، وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو أخذنا لك وطاء تجعله بينك وبين الحصير، يقيك منه؟ فقال: «ما لي وللدنيا؛ ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها»10(10) الترمذي (2378)، وابن ماجه (4109)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3317).

ويعلق الإمام ابن القيم على هذا المثال بقوله: «فتأمل حسن هذا المثال، ومطابقته للواقع سواء؛ فإنها في خضرتها كشجرة، وفي سرعة انقضائها وقبضها شيئا فشيئا كالظل، والعبد مسافر إلى ربه، والمسافر إذا رأی شجرة في يوم صائف لا يحسن به أن يبني تحتها دارا ، ولا يتخذها قرارا، بل يستظل بها بقدر الحاجة، ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق»11(11) عدة الصابرين ص 283 ..

المنهج الإلهي يحقق التعادل والتناسق في حياة الإنسان

إن وضوح الميزان الإلهي لحقيقة الدنيا والآخرة من خلال الآيات والأحاديث السابقة لا يعني الرهبنة، وترك العمل، والزهد في طيبات الحياة الدنيا وتحريمها، بل المؤمن مأمور بتناولها بالطريق الحلال، وصرفها في الحلال، وطاعة الله  من غير مخيلة ولا إسراف .

قال الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 77] يقول السعدي – رحمه الله تعالى – في تفسير هذه الآية: «أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند الله، وتصدق، ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات وتحصيل اللذات ، ولا تنس نصيبك من الدنيا أي: لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يثلم دينك ولا يضر آخرتك»12(12) تفسير السعدي عند الآية (77) من سورة القصص.

ويقول سید قطب – رحمه الله تعالى – عند هذه الآية: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) … «وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم؛ المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة ، ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة، بل يحضه على هذا ، ويكلفه إياه تكليفا، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها.

لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس، وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها ؛ فتنمو الحياة وتتجدد، وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض، ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة؛ فلا ينحرفون عن طريقها، ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها. والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم، وتقبل لعطاياه، وانتفاع بها؛ فهو طاعة من الطاعات يجزي عليها الله بالحسنی .

وهكذا يحقق هذا المنهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان، ويمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة، التي لا حرمان فيها، ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة»13(13) انظر : في ظلال القرآن عند الآية (77) من سورة القصص ..

ومن الأحاديث التي تحث على العمل: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل»14(14) مسند احمد (12981)، وقال محققو المسند: صحيح على شرط مسلم ..

وقوله صلى الله عليه وسلم: «لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره، فيتصدق به ويستغني به من الناس خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك؛ فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول»15(15) مسلم (1042)..

إصلاح الأرض ونشر التوحيد ومواجهة الباطل ثمرة الإيمان باليوم الآخر

كما لا يعني الزهد في الدنيا تركها لأهل الفساد والمجرمين ليفسدوا فيها ويصدوا عن سبيل الله عز وجل، بل المؤمن مطالب في ضوء الميزان الإلهي العدل أن يصلح في الأرض، وينشر فيها التوحيد والإيمان، ويدافع الشرك والفساد بالدعوة والجهاد؛ قال الله عز وجل: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].

وفي ذلك يقول سید قطب – رحمه الله تعالى -: «والذين يفترون على عقيدة الآخرة فيقولون: إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا، وإلى إهمال هذه الحياة، وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها، وإلى تركها للطغاة والمفسدين تطلعا إلى نعيم الآخرة.. الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة؛ فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة كما هي في التصورات الكنسية، وعقيدة الآخرة كما هي في دين الله القويم.

فالدنيا – في التصور الإسلامي – هي مزرعة الآخرة، والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه الحياة، ودفع الشر والفساد عنها، ورد الاعتداء عن سلطان الله فيها، ودفع الطواغيت، وتحقيق العدل والخير للناس جميعا؛ كل أولئك هو زاد الآخرة، وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة، ويعوضهم عما فقدوا في صراع الباطل، وما أصابهم من الأذى.

إن الناس إذا كانوا في فترات من الزمان يعيشون سلبيين، ويدعون الفساد والشر والظلم والطغيان والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا – مع ادعائهم الإسلام – فإنما هم يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف، ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف ! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين، ويستيقنون من لقاء الله في الآخرة، فما يستيقن أحد من لقاء الله في الآخرة، وهو يعي حقيقة هذا الدين، ثم يعيش في هذه الحياة سلبيا أو متخلفا أو راضيا بالشر والفساد والطغيان، إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا وهو يشعر أنه أكبر منها وأعلى، ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة، ويجاهد لترقية هذه الحياة وتسخير طاقاتها ، وهو يعرف أن هذا واجب الخلافة فيها، ويكافح الشر والفساد والظلم متحملا الأذى والتضحية حتى الشهادة، وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة.. إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا ، وأن الدنيا صغيرة زهيدة، ولكنها من نعمة الله التي يجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى»16(16) اليوم الآخر في ظلال القرآن ص6..

 من ثمرات الأخذ بالميزان الإلهي للدنيا والآخرة

1- انضباط الموازين في حياة المسلم

ما ذكر سابقا بأن الأخذ بميزان الشرع الإلهي للدنيا والآخرة ينشأ عنه سلامة التفكير وانضباط الموازين في حياة المسلم، والسلامة من الاضطراب والتناقض والحيرة.

2- الزهد في الدنيا والحذر منها والصبر على شدائدها

الزهد في الدنيا والحذر منها والصبر على شدائدها، وطمأنينة القلب وسلامته فالعبد إذا أكثر ذكر الآخرة، وكانت منه دائما على بال، ووزن جميع الأمور في ضوئها، فإن الزهد في الدنيا والحذر منها ومن فتنتها سيحلان في القلب، وحينئذ لا يكترث بزهرتها، ومن ثم لا يحزن على فواتها، ولا يمدن عينيه إلى من متعهم الله بها ليفتنهم فيها.

وهذه الثمرة يتولد عنها بدورها ثمار أخرى مباركة طيبة ؛ منها: القناعة ، وسلامة القلب من الحرص والحسد والغل والشحناء؛ لأن الذي يعيش بتفكيره في الآخرة وأنبائها العظيمة لا تهمه الدنيا الضيقة المحدودة؛ إنها في نظره کالجحر الضيق، فكيف يتنافس مع غيره أو يحسد غيره على جحر ضيق زائل وهو يعيش في هذا الأفق الواسع الرحب: أفق الآخرة والحياة الأبدية فيها؟! قال أبو الدرداء: (من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده).

كما يتولد أيضا من هذا الشعور: الراحة النفسية، والسعادة القلبية، وقوة الاحتمال والصبر على الشدائد والابتلاءات؛ ذلك للرجاء فيما عند الله من العوض والثواب، وأنه مهما جاء من شدائد الدنيا فهي منقطعة ولها أجل، فهو ينتظر الفرج ويرجو الثواب الذي لا ينقطع يوم الرجوع إلى الله ؛ قال تعالى: (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ) [النساء: 104]، وقال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].

3- التزود بالأعمال الصالحة وأنواع القربات، واجتناب المعاصي، والمبادرة بالتوبة والاستغفار

فلا يمكن أن يوجد اليقين بالآخرة، وما أعد الله فيها من النعيم لأوليائه ومن العذاب لأعدائه، ثم مع ذلك يتخلف العمل الصالح الذي يثمر رضا الله عز وجل وجنته. ولو وجد تقصير في العمل الصالح، أو جرأة على ما يسخط الله سبحانه، فإنما يدل هذا على ضعف في اليقين والبصيرة، أو ضعف في الصبر والإرادة. أما من رجا النعيم في الدار الآخرة فلا بد أن يعد لذلك عدته ؛ يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – ومما ينبغي: أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:

أحدها: محبة ما يرجوه.

الثاني: خوفه من فواته.

الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان . وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني. والرجاء شيء والأماني شيء، فكل راج خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوت»17(17) الجواب الكافي ص 57 ، 58. .

ومن أعظم الأعمال الصالحة التي ينشئها الميزان العدل للدنيا والآخرة: الدعوة إلى الله عز وجل، والجهاد في سبيله سبحانه، ومدافعة الباطل وأهله، وعدم ترك الحياة الدنيا لأهل الفساد ليصدوا عن سبيل الله  ؛ قال الله عز وجل: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) [التوبة: 44، 45].

ومن المعاصي التي يسعى المسلم المنضبط بميزان الآخرة إلى اجتنابها: ظلم العباد والاعتداء على حقوقهم؛ لأن إيمانه بفناء الدنيا وبقاء الآخرة ، والقصاص يوم القيامة يجعله يرتدع عن الظلم، ويؤدي حقوق العباد قبل أن لا یکون دينار ولا درهم؛ لأنه يخاف موازين الآخرة التي قال الله عنها: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47].

4- تقصير الأمل وحفظ الوقت

إن من أخطر الأبواب التي يدخل منها الشيطان على العبد: طول الأمل، والأماني الخادعة التي تجعل صاحبها في غفلة شديدة عن الآخرة، واغتراره بزينة الحياة الدنيا، وتضييع ساعات العمر النفيسة في اللهث وراءها، حتى يأتي الأجل الذي يقطع هذه الآمال، وتذهب النفس حسرات على ما فرطت في عمرها، وأضاعت من أوقاتها.

ولكن اليقين بالرجوع إلى الله عز وجل، ووزن الأمور بميزان الآخرة ، والتذكير الدائم بقصر الحياة الدنيا ، وأبدية الآخرة وبقائها هو العلاج النافع لطول الأمل وضياع الأوقات.

موازين البشر للدنيا والآخرة

إن إغفال الميزان الإلهي لحقيقة الدنيا والآخرة الذي سبق ذكره يجعل الإنسان يهبط في تفكيره وموازينه واهتماماته إلى مستوى البهائم. ولا يدرك ذلك إلا من رأى وسمع أحوال الغافلين عن الآخرة؛ حيث فساد الموازين، واختلال المواقف واضطرابها، وهبوط الأخلاق، ودناءة الهمة. ولا يتوقع من الغافلين عن الآخرة إلا مثل هذا؛ فهم لا يرون إلا هذه الحياة الدنيا، فهم يتنافسون وينطلقون في جميع أمورهم من هذا الجحر الضيق ؛ فإن وزنوا الناس فبميزان الدنيا يزنون، وإن اتخذوا مواقفهم وبنوا أحكامهم فهم من هذه الدنيا ينطلقون، وإن كان لديهم شيء من الأخلاق فهو بقدر ما يحقق لهم مصلحة في هذه الدنيا، فإن رأوا مصالحهم في الظلم والكذب والنفاق فهم إليه يهرعون، وإن فرحوا أو حزنوا فللدنيا ، وإن أحبوا أو أبغضوا فللدنيا ، وإن أكرموا أو أهانوا فللدنيا؛ فهم بموازين الدنيا يزنون، ومن أجلها يتحابون ويتعاونون، ويتقاتلون ويتحاسدون. وأكتفي هنا بمثالين اثنین قصهما الله علينا في كتابه، يظهر من خلالهما الفرق بين موازين البشر المادية والميزان الإلهي لحقيقة الدنيا والآخرة:

المثال الأول: قصة قارون

حيث ذكر الله لنا أن قومه انقسموا في الموقف منه إلى فئتين:

الأولى: أصحاب الموازين المادية الذين هم في غفلة عن الآخرة؛ وهم الذين قالوا: عندما خرج عليهم قارون في زينته: (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [القصص: 79].

الثانية: أهل العلم الذين وزنوا الدنيا والآخرة بالميزان الإلهي؛ حيث قالوا للفئة الأولى ناصحين لهم: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) [القصص: 80].

المثال الثاني: سحرة فرعون وقصتهم مع موسی

حيث ذكر الله لهم موقفين متضادين:

الموقف الأول: قبل إيمانهم بالله والدار الآخرة، فكانت موازينهم واهتماماتهم موازين الدنيا وزخرفها، وفكرهم فيها وحدها ؛ قال تعالى – عن حالتهم هذه -: (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [الشعراء: 42،41]؛ فهمهم قبل الإيمان المنصب والأجر، هذا كل اهتماماتهم.

الموقف الثاني: بعد وضوح الحق وإيمانهم بالله سبحانه والدار الآخرة؛ حيث كان لهم شأن آخر و میزان آخر؛ ألا وهو میزان الآخرة، والطمع في مغفرة الله والثواب الجزيل في جنات النعيم ؛ قال تعالى عن موقفهم من فرعون عندما هددهم بالقتل والصلب بعد سجودهم لله تعالى: (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) [طه: 72، 73].

الهوامش

(1) انظر : في ظلال القرآن عند الآية (7) من سورة الروم .

(2) تفسير السعدي 2/17.

(3) أعلام الموقعين 1/203

(4) في ظلال القرآن 3/1775 .

(5) في ظلال القرآن 1/69 .

(6) الترمذي في الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (1889).

(7) ابن ماجه (4100)، وصحه الألباني في صحيح ابن ماجه (3318).

(8) مسلم (2858).

(9) عدة الصابرين ص 281، 282.

(10) الترمذي (2378)، وابن ماجه (4109)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3317)

(11) عدة الصابرين ص 283 .

(12) تفسير السعدي عند الآية (77) من سورة القصص

(13) انظر : في ظلال القرآن عند الآية (77) من سورة القصص .

(14) مسند احمد (12981)، وقال محققو المسند: صحيح على شرط مسلم .

(15) مسلم (1042).

(16) اليوم الآخر في ظلال القرآن ص6.

(17) الجواب الكافي ص 57 ، 58.

اقرأ أيضا

میزان العزة والذلة بين الإسلام والجاهلية

میزان الحب والموالاة والبغض والمعاداة

خصائص الميزان الإلهي

 

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية