كيف يمكن لنخبٍ عربية وجماعات إسلامية وظيفية أن تركب موجة ثورات الربيع العربي بالأمس، وتختطفها، وتهتف لشعوبها الثائرة باسم الحرية والديمقراطية، ثم تقف اليوم ضد تحرر هذه الشعوب وتهتف لإيران وللحوثي وعصابته؟ وكيف تصبح عودة الحكم الكهنوتي لليمن باسم الله — كذبًا وزورًا — ذنبًا مغفورًا لدى هذه النخب، حتى وإن حرق اليمن واستباح دماء شعبه وصادر حريته وبدّل دينه؟
النخب الوظيفية: من ركوب الموجة إلى خيانتها
النخب العربية والجماعات الإسلامية الوظيفية التي ركبت بالأمس موجة ثورات الربيع العربي واختطفتها وهتفت لشعوبه الثائرة باسم الحرية والديمقراطية!
هي نفسها اليوم تقف ضد تحرر هذه الشعوب وتهتف لإيران وللحوثي وعصابته التي فعلت في اليمن وشعبه من القتل والتدمير والتهجير للملايين منذ ٢٠١٤ حتى اليوم أشد مما فعله انقلاب العسكر في مصر ٢٠١٣ ومثل أو أشد مما فعل المحتل الصهيوني في غزة!
وأشد مما فعلت داعش بالشعب السوري مع أنها أهون شرًا وأقل ضررًا من خطر الحوثي على الإسلام نفسه الذي يرى كفر الصحابة من أبي بكر فمن دونه لأنه لم يعترف بأحقية علي بالإمامة، فضلًا عن كفر الأمة وشعوبها المعاصرة التي تدين بما دان به الصحابة، ليستحل الحوثي دماءها كما استحل ذلك منها أسلافه الذين ثار الشعب اليمني وأسقطهم وأقام الجمهورية على أنقاض الإمامة الكهنوتية!
لماذا الحوثي مغفور له؟
لا لشيء إلا لأن الحوثي رفع شعار المقاومة وأطلق صواريخه على السعودية بدلًا من إسرائيل! وفتح باب المندب للسفن كلها إلا للسعودية!
لتصبح عودة الحكم الكهنوتي لليمن باسم الله — كذبًا وزورًا — ذنبًا مغفورًا لدى نخب الربيع العربي حتى وإن حرق اليمن واستباح دماء شعبه وصادر حريته وبدّل دينه كما بدّل إسماعيل الصفوي دين الشعب الإيراني بالسيف والدم!
فالأمة وشعوبها ودماؤها ودينها رخيصة لدى هذه النخب المأزومة حين يكون الطرف الآخر إيران وعصاباتها وميليشيات الحشد الشعبي في العراق وعصابات الحوثي في اليمن، فلا ترى جرائمها كما رأت جرائم داعش! ولا ترى خطرها على الشعوب وحريتها وأمنها واستقرارها كما رأت خطر داعش!
الحرية والديمقراطية: قضية ثانوية
ولتصبح الحرية والديمقراطية — التي طالما بشرت بها هذه النخب والجماعات الوظيفية الشعوب العربية الثائرة وخاضت حربًا ضروسًا ضد النظام العربي من أجلها — قضية ثانوية هامشية حين يكون المقابل هو النظام الإيراني الإجرامي وعصاباته!
التضحية بالشعوب في مسلخ محور المقاومة
ففضّحت هذه النخب بالشعوب العربية — وبالحرية التي ثارت الشعوب من أجلها في الربيع العربي — وقدمتها قربانًا في مسلخ محور المقاومة الإيراني ليستعبدها — باسم آل البيت — عبد الملك الحوثي وقيس الخزعلي وعصاباتهم الطائفية!
مع أن البغدادي وتنظيمه لم يرد أكثر من ذلك، فهو أيضًا من آل البيت، والنخب العربية يهمها جدًا إعادة الحكم إلى آل البيت! حتى وإن كانت حركات ردة سبئية باطنية ما دامت قوى مقاومة وطنية! فالمهم ألا يرفع أحد شعار الجهاد والخلافة السنية!
طمس التاريخ: التخادم مع الحملة الصليبية
ولتحاول هذه النخب طمس تاريخ هذه العصابات التي ظلت تتخادم مع الحملة الصليبية منذ ٢٠٠١ لاحتلال أفغانستان، ثم العراق ٢٠٠٣، ثم سوريا وحصار شعبها وقتله وتهجيره منذ ٢٠١٣، ثم اليمن ٢٠١٤، لتفوز في المقابل مكافأة لها على خدمة المحتل الأمريكي البريطاني بالسلطة في بغداد ٢٠٠٤ ولبنان ٢٠٠٦، حتى إذا هُزم المحتل الأمريكي الأوروبي في أفغانستان ٢٠٢١ والمحتل الروسي الإيراني في الشام ٢٠٢٤، وانهارت معه كل الترتيبات التي فرضها والأنظمة الطائفية الوظيفية التي صنعها ورعاها طوال عشرين سنة باسم محور المقاومة، فإذا النخب العربية تنحاز إليها وتقلب لشعوبها ظهر المجن، فإذا هي في خندق إسرائيل ومحورها الخليجي المدعوم من السيسي الذي كان وراء تسليم المخا وباب المندب! في مشهد سريالي هزلي يريد أن يقنع الأمة وشعوبها بأن الحوثي والحشد الشعبي أصبحوا فعلًا مقاومة إسلامية للمحتل الأمريكي لا صنائع له!
إقناع الشعوب بأن إيران خير من النظام العربي
وتريد هذه النخب إقناع الشعوب العربية بأن مشروع إيران الطائفي الإجرامي والحكم الكهنوتي الذي تسعى لتصديره وفرضه على المنطقة خير للشعوب العربية من النظام العربي الوظيفي!
الذي بدا للشعوب العربية اليوم — حين اكتوت بنار إيران وعصاباتها والنخب العربية وخياناتها — أنه كان أكثر ملائكية ورحمة بها من إيران وعصاباتها ومن النخب العربية التي خانتها وانحازت للعدو الذي استباح دماءها، لتمتد إليها فجأة يد النظام العربي لينقذها وليؤكد لها بأنه على كل ما فيه — من طغيان وإجرام واستبداد — كان جنة وبردًا وسلامًا عليها إذا ما قورن بجحيم إيران وعصاباتها!
ازدواجية المعايير: التطبيع والتفاوض
بل تريد هذه النخب المأزومة إقناع الأمة وشعوبها بأن توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل في المغرب والسودان كانت سياسة اضطرت لها الحركة الإسلامية في كلا البلدين لإكراهات الواقع والضرورة تقدر بقدرها، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب! والسياسة فن الممكن!
بينما التطبيع الذي لم توقع اتفاقياته حتى الآن في دول الخليج خيانة كبرى لا تغتفر!
وأن تفاهم إيران والحوثي مع ترامب لإغلاق هرمز وباب المندب دهاء سياسي ودليل قوة لتخضع المنطقة كلها ونفطها وغازها لقرار ترامب كما فعل في نفط فنزويلا! بينما تفاوض دول الخليج لفتحهما وفك الحصار عن دولها خيانة للأمة وشعوبها!
الخاتمة
فإذا القوم أعداء في ثياب صديق!
وذئاب في جلود ضأن!
إلى ما الخلف بينكما إلى ما
وهذه الضجة الكبرى على ما
تباغيتم كأنكم خلايا
من السرطان لا تجد الضماما
المصدر
صفحة د. حاكم المطيري على منصة X بتصرف.


