هل تساءلت يومًا كيف يدّعي بعض من ينتسبون إلى التصوف أنهم يتلقون الإذن مباشرة من الله ورسوله، وأن لديهم من الأسرار والعلوم ما لم يسبق ذكرها إلا فهمًا في قلوب العارفين أو إشارة على ألسنتهم؟
وإذا كان النبي ﷺ قد أخبر أن كل ما يقرب إلى الجنة قد أُمِرنا به، وكل ما يقرب إلى النار قد نُهينا عنه، فكيف يزعم هؤلاء وجود علم في الدين لم يبلغه العلماء ولم يبينوه للأمة، وما هو الفرق الحقيقي بين المنهج النبوي والطرق الصوفية التي يروّج لها أمثال الكبيطي؟
تمهيد: دعاوى الإذن الإلهي النبوي
يعرّف الكبيطي المنهج بقوله: «المنهج هو قاعدة جامعة للإذن والسر، ومنه تنبثق الطرق وتتفرق» ص 19. قلت: قوله “الإذن والسر” يقصد به أن الله تعالى ورسوله هو الذي أعطى الإذن للكبيطي ليخرج على الناس في هذا العصر بالمنهج الذي جاء. وقد سبقت القول في مسألة نسبة دجاجلة التصوف ما جاؤوا به إلى الله ورسوله (راجع إن شئت المقال الأول من هذه السلسلة على هذا الرابط: https://n9.cl/v3swea) وحتى اليوم نجد مثلا يسري جبر “مصري” يقول بأن الله تعالى ورسوله أذنا له مباشرة من بين عدد من المشايخ بأن يشرح بعض الأسرار التي كان هؤلاء المشايخ يخافون من الكلام فيها لكيلا يساء فهمها. وقديما كان ابن عربي المعروف يقول بأن الإذن جاءه بكتابه فصوص الحكم (الكتاب المليء بالكفر والزندقة حتى قال الإمام الذهبي عنه إذا لم يكن كفرا فلا يوجد كفر في الأرض).
الفرق المزعوم بين المنهج والطريقة
والكبيطي يفرّق بين المنهج والطريقة ليرتّب على ذلك أن ما جاء به أعم وأشمل، وأنه أحق بالاتباع من الجميع، لماذا يا كبيطي؟ يجيبنا بالقول: «المشايخ المجددون وهم المشايخ المحمديون لهم مناهج تربوية وليس طرقا صوفية، لأن الطريقة تنبع من الشيخ الذي جاء بمنهج التجديد» ص 19. وسيأتي التنبيه على هذا المعنى لاحقا.
ثم يؤكد على الفرق بين المنهج والطريق بقوله: «ما يميز المنهج عن الطريق هو وجود أمور تجديدية لم يسبق ذكرها أو الحديث عنها إلا فَهماً في قلوب العارفين أو إشارة على ألسنتهم» ص 20.
رد الشبهة – هل هناك علم في الدين لم يسبق ذكره؟
قلت: إذا كانت هذه الأمور التجديدية من صميم القرآن والسنة، إذن فهي معلومة عند علماء الأمة وأئمتها، وهم ينشرونها بين الناس، إذ يحرم عليهم السكوت عن بيان ما جاء به القرآن والسنة، لأن غاية الوحي بيان ما يقرّب العبدَ إلى ربه ويدخله الجنة وما يبعّده عن النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّهُ ليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى الجنةِ إلَّا قد أَمَرْتُكُمْ بهِ، وليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى النارِ إِلَّا قد نَهَيْتُكُمْ عنهُ) [السلسلة الصحيحة. الألباني].
فإذا كان الأمر كذلك فكيف “لم يسبق ذكرها أو الحديث عنها إلا فهما في قلوب العارفين أو إشارة على ألسنتهم”، لأن هذا يعني أن هؤلاء “العارفين” خانوا أمانة العلم فلم يبلّغوا ما يجب عليهم تبليغهم للمسلمين وبيانه لهم. أو يقال: ما سكتوا عنه ولم يتكلموا به تصريحا وبيانا ليس من العلم المهم للمسلم في معرفة الله ومحبته والتقرب إليه وفهم آداب السنة وأحكام التشريع، إذن لا حرج عليهم في السكوت، ومن هنا نحن في غنى عنه، فهو من باب “علم لا ينفع وجهل لا يضر”.
وقفة حول مفهوم التجديد في الخطاب النبوي
ثم ها هنا وقفة مختصرة حول قضية التجديد. والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لِهذِه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها) [سنن أبي داود]. لكن، ما المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم ب “يجدد” أي ما هو مفهوم التجديد في الخطاب النبوي؟ جماع القول هو:
أولاً: التجديد يعني الانطلاق من القرآن والسنة، بإحياء ما جاء فيهما من الحقائق والمعطيات المتعلقة بالاعتقاد والقيم والآداب والتشريعات، أو قل بيان معالم الرؤية الكونية الإسلامية المتعلقة ب “الله، الإنسان، العالم، القيم، التاريخ، المرجعية، الأخلاق، الغاية من الوجود، المصير بعد الموت”.
ثانياً: السعي في نشر العلم الصحيح وهذه الحقائق والمعطيات استنادا إلى الكتاب والسنة، وحثّ الناس على التمسك بهما، وإذاعة براهين الوحي، والاهتمام بأكبر قضايا العصر، ومن أعظمها في عصرنا: تطبيق الشريعة التي أبعدتها الأنظمة العلمانية القائمة في بلاد المسلمين اليوم.
ثالثاً: بذل المجهود في رد شبهات المضلّين بمختلف أصنافهم وإيديولوجياتهم، سواء بدع الإسلاميين (أي المنتمين إلى الإسلام) أو زندقة الملحدين (من علمانيين وليبراليين ونسويات وقوميين وماديين)، انطلاقا من الأسس المعرفية الموضوعة في القرآن والسنة ومعطيات الواقع.
رابعاً: التجديد وصف للعمل لا امتياز يمنحه المجدد لنفسه.
فلو اقتصرنا على هذه المعالم الثلاثة، سيكون بإمكاننا تصور مفهوم التجديد المقصود في الخطاب النبوي. وكما ترى، فإن التجديد هنا هو في الحقيقة وصف للعمل والنتيجة، وليس امتيازا يمنحه المجدد لنفسه، لأن الواقع والتاريخ هو الذي يكشف المجدد الحق استنادا إلى القرآن والسنة وهدي السلف، لا أن المجدد يعلن نفسه مجددا ويجب على الجميع الصمت والإنصات إليه. لأن الأمر حين يكون كذلك، فنحن ننتقل من “تجديد الدين” إلى “اصطفاء إلهي لهذا المجدد”، وهذا ما يضفي هالة التقديس على شخصه، فيعتبر نفسه -ويعتبره أتباعه- المرجعية المعيارية العليا التي يجب محاكمة كل شيء إليها، ولا مشكلة في تجاوزه لإطار القرآن والسنة وهدي السلف، لأنه يأخذ ويتلقى من الله ورسوله، ولديه الذوق والوجدان والكشف والإلهام ووراثة السر النبوي.
ومن هنا، فليس كل تجديد مقبولا في الشرع، وإنما المقبول ما وافق قواعد القرآن والسنة وهدي السلف. ولهذا حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من دعاوى التجديد في آخر الزمان وشعارات زعمائه، فقال: (يَكونُ في آخِرِ الزَّمانِ دَجَّالونَ كَذَّابونَ، يَأتونَكُم مِنَ الأحاديثِ بما لَم تَسمَعوا أنتُم، ولا آباؤُكُم، فإيَّاكُم وإيَّاهم، لا يُضِلُّونَكُم ولا يَفتِنونَكُم) [صحيح مسلم]، فهذا تحذير نبوي للمسلم ألا ينخدع بخطاب هؤلاء الدجاجلة وما يزخرفونه من القول وما يرفعونه من الشعارات، لأن العاقبة وخيمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (دُعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ صِفهُم لَنا، قال: هُم مِن جِلدَتِنا، ويَتَكَلَّمونَ بألسِنَتِنا) [صحيح البخاري].
هل التزم الكبيطي بمعالم التجديد النبوي؟
فهل التزم الكبيطي بمعالم التجديد في الخطاب النبوي؟ أم تراه يدخل في التحذير النبوي الشديد من زعماء التجديد الإبليسي؟ لن نستنتج شيئا، بل سنرى كيف أن نصوصه تقوم بوظيفة تصنيفه، خصوصا وأنه يدّعي أنه يتلقى مباشرة من الله ورسوله: «المقصود أن إذن الشيخ وسره يكون مباشرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم» ص 21، ولهذا فإن المنهج الذي جاء به هو «إحياء لتعاليم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم توجيهاته صلى الله عليه وسلم بما يواكب العصر وبما يواكب الأمة» ص 20.
وظائف دعاوى التجديد والولاية والإذن الإلهي
والحقيقة أن دعاوى التجديد والولاية والإذن الإلهي النبوي، ليست دعاوى اعتباطية، يرسلها زعماؤها إرسالا، وإنما هي في الحقيقة تقوم بعمل وظائف من صميم النبوة، مع الحفاظ على ختم النبوة. فمدعي التجديد “البدعي/الإبليسي” لن يقول للناس: لقد جئتكم بدين جديد أو طريقة جديدة إلى الله أنا اخترعتها وابتدعتها، فهذا يكشف حقيقة مآربه، لأن الإسلام قد اكتمل، والنبوة قد خُتمت، والقرآن والسنة حاضران بين أيدي الجميع. ولهذا فإن أي مشروع تجديدي سيكون أول ما يواجهه من الأسئلة هو: من أين لك الحق في أن تضيف إلى الدين المكتمل شيئا ليس منه تدعي أنه جديد؟
هنا تكون كلمة “مجدد وتجديد” المخرج الوحيد لصاحب هذا المشروع ليقول: أنا لا أخترع شيئا جديدا بل فقط أعيد الإسلام إلى أصله لكن عن طريق الإذن المباشر من الله ورسوله، ووراثة السر المتنقل بين قلوب العارفين والأولياء.
المصدر
صفحة نورالدين قوطيط، على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
كشف الدجال الكبيطي ج6.. بين ادعاء الوساطة النبوية وهدم المرجعية المعيارية
كشف الدجال الكبيطي ج7.. بين دعوى وجوب الشيخ وادعاء الوصول إلى الله


