قراءة في معنى التأسي الحقيقي برسول الله ﷺ
هل تساءلت يوما لماذا نعرف كيف كان النبي ﷺ ينام ويأكل ويبتسم، بينما لا نعرف كيف أقام دولة وكيف صنع أمة وكيف نقل الإسلام من الاستضعاف إلى التمكين؟
وإذا كان كل مسلم يحب رسول الله ﷺ ويصلي عليه ويبكي عند ذكر سيرته، فلماذا اخترنا من حياته ما يريحنا وتركنا ما يكلفنا، فنتأسى به في أخلاقه وعبادته ولا نتأسى به في مشروعه وطريقته في التغيير وصراعه مع الباطل؟
الكارثة – تحويل السيرة من مشروع تغيير إلى ذكريات تروى
كلنا نعرف كيف كان الرسول ﷺ ينام، وكيف كان يأكل، وكيف كان يبتسم.
لكن كم منا يعرف كيف أقام دولة؟ كم منا يعرف كيف صنع أمة؟ كم منا يعرف كيف نقل الإسلام من الاستضعاف إلى التمكين؟
هنا تبدأ القصة، وهنا أول الطريق لمن أراد أن يتأسى برسول الله ﷺ.
لا شك أن كل مسلم يحب رسول الله ﷺ، ولا شك أن مئات الملايين يرفعون أصواتهم بالصلاة عليه ويبكون عند ذكر سيرته، ويغضبون إذا مس مقامه الشريف ﷺ. لكن هل نحن فعلا نتبع رسول الله ﷺ أم أننا اخترنا من حياته ما يريحنا وتركنا ما يكلفنا؟
نتأسى به في مظهره وأخلاقه وعبادته، لكن هل نتأسى به في مشروعه وطريقته في التغيير وصراعه مع الباطل؟
لقد نجح أعداء هذه الأمة في تحويل سيرة الرسول ﷺ من مشروع تغيير يقود الحياة إلى ذكريات تروى وقصص تحكى وعواطف تستثار. وهنا تكمن كارثة أن يسرق منا منهاج نبينا وفهمنا الصحيح لسيرته.
الآية التي تحدد معنى التأسي
إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل رسول الله ﷺ مجرد رجل صالح نقتدي ببعض أخلاقه ونترك منهجه في التغيير، بل قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21].
هذه الآية هي أمر للمسلمين أن يجعلوا رسول الله ﷺ ميزانا عمليا في حياتهم، وأن ينظروا إلى أفعاله التشريعية وأن يفقهوها بفهم شرعي منضبط.
فالمشكلة ليست في حب الرسول ﷺ، فالأمة كلها تحبه حتى الفاسق فيها، لكن المشكلة هي أي رسول نريد أن نتبع؟ هل نريد رسولا منزوعا عن تفاصيل حياتنا، رسولا بلا دولة بلا حكم بلا صراع مع الكفر بلا حمل دعوة بلا إقامة سلطان الإسلام؟ أم نريد رسول الله ﷺ كما أرسله الله رحمة للعالمين، حاملا لدعوة تهدم الجاهلية وتبني أمة وتقيم دولة وتغير وجه التاريخ؟
لماذا حاربته قريش؟
فلو كان رسول الله ﷺ مجرد واعظ يعلم الأخلاق لما حاربته قريش.
ولو كان مجرد عابدا يصلي في زاوية المسجد لما أوذي وطورد وحوصر.
ولو كان دينه مجرد عبادات فردية لما ارتعدت منه عروش الفرس والروم.
إذا ما الذي كانوا يخافونه من محمد ﷺ؟ وما الذي غاب عنا من سيرته؟
لقد كان رسول الله ﷺ في مكة لا يكتفي بتربية الأفراد، بل كان يصارع أفكار قريش ويهاجم عقائدها الباطلة، ويكشف فساد أنظمتها وموازينها، ويتلو القرآن في وجه الطغيان، ويجمع الرجال حول مبدأ لا يساوم ولا يركع.
وكان يطلب النصرة التي تجعل للإسلام سلطانا، عرض نفسه على كل قبائل العرب وطلب منهم أن يمنعوه حتى يبلغ دعوة ربه.
هذه الأفعال ليست تفصيلا تاريخيا عابرا، وليست مواقف ظرفية تنتهي بانتهاء مكة، بل هي أحكام شرعية بين لنا فيها الرسول ﷺ طريقه الانتقال بالدعوة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن حمل الرسالة في المجتمع إلى إقامة الدولة التي تطبق الإسلام وتحمله إلى العالم.
التأسي الانتقائي – أخطر ما أصاب الأمة
إن التأسي برسول الله ﷺ لا يعني أن نأخذ من حياته ما يوافق الواقع ثم نترك ما يصادم هذا الواقع.
نتأسى به في الصدق والأمانة ثم نترك منهجه في رفض حكم الجاهلية.
نتأسى به في رحمته ثم ننسى أنه أقام دولة وحكما وقضاء وجيشا وسياسة خارجية.
نتأسى به في عبادته ثم نقصي الإسلام عن الاقتصاد والتعليم والإعلام والعلاقات الدولية.
فالرسول ﷺ يا أحبابي جاء بدين كامل، جاء بعقيدة ينبثق عنها نظام يعالج مشاكل الإنسان كلها.
لذلك كان التأسي الحقيقي به يقتضي أن نأخذ الإسلام كله: عقيدة، شريعة، عبادة، سياسة، أخلاقا، دولة، وجهادا.
الفصل بين الرسول الداعية والرسول القائد
ومن أخطر ما أصاب الأمة اليوم أن مفهوم التأسي ضيق حتى صار في السنن الفردية، بينما غيبت السنة السياسية للرسول ﷺ.
وساهم في ذلك كثير من دعاة المسلمين الذين صاروا يحدثون الناس عن طريقة نومه ﷺ وطعامه، وهذا خير لا ينكر، لكنهم يصمتون عن طريقته في إقامة الحكم بالإسلام.
يذكرون رحمته بالناس ولا يذكرون صراعه مع أنظمة الكفر.
يذكرون عفوه ولا يذكرون أنه لم يساوم على سيادة الإسلام.
يذكرون زهده ولا يذكرون أنه كان رئيس دولة يقود أمة ويبعث الرسائل إلى الملوك ويدير شؤون المجتمع بأحكام الوحي.
هذا الفصل بين الرسول الداعية والرسول القائد، وبين الرسول العابد والرسول السياسي، وبين الرسول في المسجد والرسول في الدولة. وهو من آثار الفكر العلماني الذي يريد إسلاما بلا سلطان، ورسولا بلا مشروع، وسيرة بلا تكليف.
المسلم الواعي ومعنى التأسي
أما المسلم الواعي فإنه حين يسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7] يدرك أن المسألة ليست انتقاء ولا ذوقا، إنها التزام.
يأخذ من رسول الله ﷺ ما جاء به من أحكام، ويتأسى به فيما طلب منه التأسي به، ويفهم أفعاله على ضوء القرائن الشرعية لا على ضوء هوى الواقع وضغط الأنظمة.
ولذلك فإن الحديث عن التأسي ليس حديثا فقهيا مجردا، بل هو حديث نهضوي سياسي مصيري، لأن الأمة التي لا تعرف كيف تتأسى بنبيها ستبقى تتخبط بين مناهج الغرب ودساتير البشر وحدود سايكس-بيكو ورايات الوطنية الضيقة وحكام لا يحكمون بما أنزل الله.
طريق التغيير الحقيقي
التأسي برسول الله ﷺ يعني أن ندرك أن طريق التغيير ليس طريق الترقيع، وليس طريق المشاركة في أنظمة الجاهلية، وليس طريق استجداء الغرب، بل هو طريق حمل الدعوة كما حملها رسول الله ﷺ.
لقد بدأ الإسلام غريبا في مكة، لكن رسول الله ﷺ لم يطبع مع هذه الغربة، بل عمل لتغيير المجتمع وإيجاد الرأي العام على الإسلام والوصول إلى القوة التي تقيم حكم الله.
فلما قامت الدولة في المدينة لم تكن حادثا عفويا، بل ثمرة طريقة شرعية سار عليها الرسول ﷺ خطوة خطوة.
فهل نتأسى به في هذا؟ بأن نحمل الإسلام كما حمله، ونعمل لعودة الحكم بما أنزل الله على منهاج النبوة؟
حينئذ يكون قولنا “رسول الله قدوتنا” قولا صادقا لا شعارا فارغا.
فمن أحب رسول الله ﷺ حقا صار على طريقه، لا على الطريق الذي رسمه المستعمر، ولا على الذي شرعه الحكام، ولا الذي زينه الواقع الفاسد.
المصدر
سائد مرعي “الوجه الغائب من سيرة الرسول ﷺ” محاضرة مفرغة بتصرف.
اقرأ أيضا
الأسوة الحسنة في رسول الله صلي الله عليه وسلم أصلها في الجهاد


