شيوخ السلطان

هل تساءلت يوما لماذا يتغير حكم الشرع على الفعل الواحد بتغير فاعله؟ فإن صدر من الموالي سمي حكمة ومصلحة، وإن صدر من المخالف سمي فتنة وخيانة!

وإذا كان الله قد أخذ الميثاق على أهل العلم أن يبينوا ولا يكتموا، فكيف يستدرج العلماء حتى يصبحوا أدوات لتسويغ الباطل، ويصير العلم تابعا للقوة بعد أن كان حاكما عليها وميزانا لها؟

استقلال العلماء ضمانة للدين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

أخي العالم والداعية اللبيب!

اعلم – عصمنا الله وإياك من فتنة الدين والدنيا – أن استقلال العلماء في العلم والفتوى والموقف ليس ترفا فكريا، ولا شأنا شخصيا يخص العالم وحده؛ بل هو من أعظم ضمانات حراسة الدين، وصيانة الفتوى، وحفظ ثقة الناس بالعلم وأهله.

فإذا فقد العالم استقلاله، أو ارتهن بيانه لإرادة من يملك تقريبه أو إقصاءه، ونفعه أو الإضرار به؛ لم يعد الخلل مقصورا عليه، بل تجاوزه إلى الدعوة والأمة كلها؛ فالتيس الحق بالمصلحة الخاصة، واختلطت الفتوى بالتبرير، والنصيحة بالدعاية، وصار العلم تابعا للقوة بعد أن كان حاكما عليها وميزانا لها.

وقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم أن يبينوا ولا يكتموا؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].

وأمر بالقيام بالقسط ولو على النفس والأقربين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].

فالعالم في ميزان الشرع شاهد لله لا شاهد للحاكم، ولا للجماعة، ولا لنفسه.

ومتى تبدلت وجهة الشهادة؛ دخل الخلل إلى العلم من أقدس أبوابه.

من هو شيخ السلطان؟

ليس شيخ السلطان كل عالم تولى منصبا رسميا، أو عمل في مؤسسة حكومية، أو انتسب إلى جماعة أو رابطة أو جمعية؛ فقد يكون في هذه المواقع علماء صادقون، ينفع الله بهم، ويصدعون بالحق بحسب علمهم واستطاعتهم، ويقللون من الشرور ما لا يقدر عليه غيرهم.

كما أن العالم لا يوصف بهذا الوصف لمجرد خطإ اجتهادي، أو ترجيح قول مرجوح عند غيره، أو سكوت له فيه تأويل معتبر ومصلحة راجحة.

وإنما شيخ السلطان – بالمعنى المذموم – هو من جعل إرادة سلطة بشرية، أو مصلحة جهة، أو حظ نفسه؛ حاكمة على الدليل الشرعي؛ فتعمد تحريف البيان، أو كتمان ما وجب بيانه، أو انتقاء الأقوال والتأويلات لتسويغ النتيجة المطلوبة سلفا، ثم ألبس ذلك كله لباس الشرع.

وعلى هذا، فالسلطان الذي يستدرج العالم ليس صورة واحدة؛ بل له في واقع الدعوة ثلاث صور كبرى: سلطان الحاكم والدولة، وسلطان الجماعة والحزب، وسلطان المال والمصلحة والمكانة.

سلطان الحاكم والدولة

وهو السلطان الأظهر في أذهان الناس؛ إذ يملك المنصب والراتب والتقريب والإبعاد، وقد يطلب من العالم أن يطوع الفتوى لمصلحة السياسة القائمة، أو أن ينتقي من النصوص ما يثبت نفوذ الحاكم، ويكتم ما يلزمه بالعدل والنصيحة والمحاسبة.

ومن صور الانحراف في هذا الباب: تحويل الطاعة في المعروف إلى طاعة مطلقة، وجعل النصيحة الشرعية خروجا، وتسويغ المظالم بتأويلات متكلفة، وتغيير الحكم على الفعل الواحد بحسب فاعله؛ فإن صدر من الموالي سمي حكمة ومصلحة، وإن صدر من المخالف سمي فتنة وخيانة!

ولذلك عظم الشرع شأن الكلمة العادلة أمام السلطان الجائر؛ فقال النبي ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو حديث حسن بمجموع طرقه]. وليس المقصود مجرد رفع الصوت؛ بل صدق البيان مع العلم والعدل والحكمة والاستطاعة.

ومع ذلك، فالعدل يوجب ألا نرمي كل عالم يعمل ضمن مؤسسات الدولة، أو يتولى منصبا رسميا؛ بأنه شيخ سلطان؛ فمجرد القرب من السلطة ليس إدانة ولا تزكية، وإنما العبرة باستقلال المنهج ومرجعية القول: أيتبع الدليل ولو خالف رغبة السلطة، أم يتلقى النتيجة المطلوبة منها أولا، ثم يفتش لها عن مستند شرعي يبررها؟

سلطان الجماعة والحزب والمؤسسة

وهذا سلطان أخفى من الأول؛ لأنه يأتي غالبا في ثوب مصلحة الدعوة ووحدة الصف وحماية المشروع.

وقد يظن العالم أنه بتنازله الجزئي يخدم الدين، وهو في الحقيقة ينقل مرجعية الفتوى من الوحي إلى مصلحة التنظيم.

فتجد بعض المنتسبين إلى جماعة أو حزب أو رابطة؛ يسكت عن خطأ جماعته الذي ينكره على غيرها، ويحسن من حلفائها ما يقبحه من خصومها، وتتبدل عنده الأوصاف الشرعية بتبدل التحالفات.

وقد يطالب العالم بتأجيل بيان واجب، أو تجزئة فتوى، أو إسقاط قيد مؤثر، أو مهاجمة الناصحين؛ لئلا تتضرر صورة الجماعة أو قيادتها.

وفتنة هذا السلطان شديدة؛ لأن الجماعة قد تتحول من وسيلة لخدمة الدين إلى ميزان يعرف به الحق والباطل؛ فيوالى على مصلحتها، ويعادى عليها، ويجعل نقدها نقدا للدين نفسه.

وهذا انقلاب في ترتيب المقاصد؛ فالجماعة للدين، وليس الدين للجماعة.

والآية المحكمة في هذا الباب قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.

فجماعة المسلم وحزبه ومؤسسته من جملة أنفسكم التي لا يجوز أن يمنع حبها من العدل؛ كما لا يجوز أن يحمل بغض الخصوم على الظلم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

سلطان المال والمصلحة والمكانة والشهرة

وهذا أخفى السلاطين وأشدها التصاقا بالنفس؛ لأن العالم قد يهاجم سلطان الحاكم وسلطان الجماعة، ثم يكون أسيرا لسلطان المال، أو المنصب، أو المركز الاجتماعي، أو عدد المتابعين وتصفيق الجمهور!

فتراه يقتطع من الفتوى ما يحفظ مصالحه، أو يتتبع الرخص والشواذ ليصل إلى نتيجة ترضي الممول أو الجمهور، أو يتكلم بالمرجوح لا لأن الدليل قاده إليه؛ بل لأن المصلحة سبقت بحثه.

وربما سكت حين يجب البيان، أو تكلم حين تكون الحكمة في التريث، ثم حارب من يجهر بالحق؛ لأن وجود العالم المستقل يكشف تنازلاته ويحرجه أمام الناس.

وقد حذر النبي ﷺ من عبودية المصلحة؛ بقوله: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة…» [البخاري: 2887]. فالعبودية هنا ليست سجودا للمال؛ بل أن يصير رضا الإنسان وسخطه، وإقدامه وإحجامه؛ تابعا لما يعطى ويمنع.

وفي عصر المنصات قد يكون الجمهور سلطانا لا يقل ضغطه عن سلطان الدولة؛ فيخشى الداعية خسارة المتابعين أكثر من خشيته خطأ الفتوى، ويقول ما يرضي أنصاره، لا ما يقتضيه الدليل.

وحينئذ قد يبدو في ظاهره ثائرا على السلطان، وهو في باطنه خاضع لسلطان آخر.

ليس الفساد بدرجة واحدة

سلطان الدولة غالبا أوسع نفوذا، وأقدر على الإكراه، وأعظم أثرا في حياة الناس؛ ولذلك قد يكون توظيف الفتوى لخدمته أشد ضررا وأعم فسادا.

غير أنه لا يصح جعل الحكم آليا؛ فميزان الإثم والفساد يتعلق بمقدار ما حرف من الحق، وعلم المتكلم وقصده واستطاعته، وحجم الأثر المترتب على قوله.

فقد يكون عالم رسمي مكرها يختار الصمت ولا يقول الباطل؛ بينما يحرف عالم حزبي أو مشهور أصلا شرعيا عن علم واختيار.

وليس اسم السلطان هو الذي يحدد الجريمة؛ بل حقيقة الخضوع له وأثره في أمانة البيان.

كيف يقع استدراج العلماء؟

الاستدراج لا يبدأ – في الغالب – بطلب بيع الدين كله؛ بل يبدأ بخطوات صغيرة محسوبة:

1- التقريب والإغراء:

بمنصب، أو راتب، أو منبر، أو حماية، أو شهرة، أو فتح خزائن المال لمشروعاته باسم خدمة الدعوة، أو إعطائه شيكا مفتوحا لتمويلها، أو إغداق الثناء عليه ووصفه بالعقل والاتزان والعدل والإنصاف؛ حتى يطمئن إليهم، ويرى قربهم تقديرا لفضله واعترافا بمكانته، ثم يبدأ طلب المقابل منه تدريجيا.

2- اختبار التنازل الصغير:

لا يطلب منه ابتداء تغيير موقفه كله؛ بل حذف جملة مؤثرة، أو تأخير بيان واجب بغير مقتضى شرعي، أو تليين حكم حتى يفرغ من مضمونه، أو استعمال لفظ موهم، أو السكوت عن واقعة بعينها، أو استثناء شخص أو جهة من حكم عام؛ فإذا استجاب لهذا التنازل اليسير؛ علم المستدرجون قابلية لما هو أكبر منه.

3- صناعة التأويل المريح:

بعد التنازل يبدأ العالم في البحث عن غطاء شرعي ونفسي يسكن به ضميره؛ فيسمي الضعف حكمة، والكتمان مصلحة، والتراجع مرحلية، ومجاملة السلطان مداراة، والمحافظة على المنصب خدمة للدعوة؛ من غير تحرير للمناط، ولا موازنة منضبطة بين المصالح والمفاسد؛ حتى يتحول التأويل الاستثنائي إلى منهج دائم لتسويغ التنازلات.

4- الاعتياد وفقدان الحساسية:

تتكرر التنازلات الصغيرة حتى يضعف إنكار القلب، ويبهت صوت الضمير؛ فيصبح ما كان يستنكره بالأمس مخالفة شرعية أمرا إداريا عاديا اليوم، ثم يتحول السكوت المؤقت إلى سلوك دائم، والتنازل الاستثنائي إلى سياسة مستقرة؛ حتى لا يعود العالم يشعر بمقدار ما ابتعد عن موقفه الأول.

5- الانتقال من الصمت إلى التبرير:

لا يكتفي المستدرج بكتمان الحق أو السكوت عن الخطأ، بل يتحول تدريجيا إلى مدافع عنه؛ فيلوي النصوص لتسويغه، ويهاجم من يبينه، ويتهم الناصح بقلة الفقه، أو إثارة الفتنة، أو الإضرار بالدعوة، أو خدمة الخصوم؛ حماية لموقعه وللصورة التي صنعها عن نفسه.. وعند هذه المرحلة لا يبقى مستدرجا فحسب؛ بل يصبح أداة لاستدراج غيره وتزيين التنازل لهم.

وهنا تصدق الكلمة البصيرة التي كتبها الأستاذ سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 73]. إذ قال: (وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات؛ فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم).

ثم بين أن أصحاب السلطان لا يطلبون – في الغالب – إسقاط الدعوة كلها دفعة واحدة، وإنما يبدؤون بتعديلات صغيرة تبدو هيئة؛ فإذا قبل صاحب الدعوة التنازل الأول؛ سقط جانب من حصانته النفسية، وأغرى ذلك بمزيد من المساومة.. كما بين أن التنازل عن شيء من ثوابت الدعوة طمعا في كسب أصحاب السلطان لنصرتها هزيمة روحية تبدأ من داخل النفس، قبل أن تظهر آثارها في الأقوال والمواقف.. إلخ.

وهذا المعنى؛ إنما يستقيم في التنازل عن الثوابت الشرعية والأحكام القطعية، أو في تحريف الحكم وكتمان الحق إرضاء لأصحاب السلطان. وهذا اللون من التنازل هو أخطر ما وسم به علماء السلاطين عبر التاريخ؛ إذ لم تكن آفتهم في مجرد القرب من السلطان؛ بل في تسخير العلم لتسويغ إرادته، وتطويع الفتوى لمصالحه، ومنح تصرفاته غطاء شرعيا، ولو خالفت الحق والعدل.

أما المسائل الاجتهادية، والوسائل المتغيرة، وترتيب الأولويات، وعقود الصلح، والموازنات المعتبرة بين المصالح والمفاسد؛ فلا تعد في ذاتها بيعا للدعوة، ولا تنازلا مذموما؛ بل هي من أبواب السياسة الشرعية المرعية وفق فقه الواقع والمآلات؛ متى انضبطت بأصول الشرع، وصدرت عن اجتهاد صادق لا عن ضغط أو هوى.

فالميزان ليس مجرد وجود التنازل؛ بل محله ودافعه وضابطه: أهو تنازل عن ثابت شرعي لإرضاء ذي سلطان، أم تصرف اجتهادي في وسيلة أو مصلحة متغيرة لتحقيق مقصد مشروع؟

فلا يجوز أن تستعمل حرارة العبارة لإلغاء الفقه والموازنات، كما لا يجوز أن يستعمل الفقه وفقه المآلات ستارا لتذويب الثوابت والتنازل عن القطعيات.

بين الثبات المشروع والمزايدة الممنوعة

إن الحديث عن استقلال العلماء باب عدل وإصلاح؛ لا باب تشهير، ولا ميدان مزايدات وامتحان للسرائر؛ فالعدل واجب مع من ننتقده، كما هو واجب مع من نوافقه.

ولذلك لا بد من التفريق بين أمور قد تختلط على بعض المتحمسين:

ليس كل صمت كتمانا؛ فقد يسكت العالم لعجز حقيقي، أو لعدم اكتمال تصوره للمسألة، أو خوف مفسدة راجحة، أو انتظار وقت وطريقة أصلح للبيان. أما إذا تعين عليه البيان، وأمن المفسدة الأعظم؛ لم يجز له كتمان الحق رعاية لمنصب أو مصلحة.

وليس كل تأخير للبيان خيانة؛ فقد يقتضي التثبت والتروي تأخيره؛ لكن التأخير المصلحي المؤقت لا يجوز أن يتحول إلى صمت دائم يميت القضية ويضيع الحق.

وليس كل تلطف مداهنة؛ فالحكمة والرفق وحسن الخطاب والمداراة المشروعة من هدي النبوة. والمداراة بذل شيء من الدنيا لصيانة الدين وتحقيق المصلحة. أما المداهنة؛ فهي ترك شيء من الدين طلبا لمصلحة دنيوية.

وليس كل قول مرجوح خيانة؛ فقد يترجح القول عند العالم بحسب اجتهاده ودليله، أو يعمل بقول فقهي معتبر لمصلحة أو ضرورة منضبطة. وإنما المذموم أن تحدد النتيجة المطلوبة سلفا، ثم يفتش في الأقوال والرخص عما يبررها، ولو كان شاذا أو مخالفا للدليل.

وليس كل تفاوض تنازلا عن الحق؛ فالتفاوض والصلح في الوسائل والحقوق والمصالح المتغيرة من أبواب السياسة الشرعية المرعية. أما تبديل الحرام حلالا، والباطل حقا، والظلم عدلا؛ إرضاء لذي سلطان، فلا تسوغه مصلحة، ولا يغير حقيقته اسم الحكمة أو فقه المآلات.

وليس كل عالم قريب من السلطان شيخ سلطان؛ فقد يعمل العالم في مؤسسة رسمية، ويقوم فيها بواجب الإصلاح والنصيحة، ويبقى مستقلا في علمه وفتواه؛ فالعبرة ليست بالمكان والمنصب، بل بمدى خضوع الفتوى لإرادة السلطان.

وليس كل مخالف لنا شيخ سلطان؛ فهذا وصف خطير لا يثبت بالظنون، ولا بموقف جزئي، ولا بمجرد مخالفته لاجتهادنا؛ ولا يجوز أن يتحول إلى سلاح لإسقاط العلماء أو الطعن في نياتهم.

وقد يسع العالم عند العجز أن يصمت عن حق لا يستطيع بيانه، وقد يجب عليه الصمت إذا ترتب على كلامه ضرر أعظم محقق؛ لكن لا يحل له أن ينطق بالباطل، أو يصنع فتوى مضللة، أو يمنح الخطأ غطاء شرعيا.

فالصمت عند العجز شيء، وكتمان الحق طمعا أو خوفا شيء آخر، أما تسويغ الباطل باسم الدين فخيانة لأمانة العلم؛ وبين هذه المراتب فروق عظيمة لا يطمسها الإنصاف، ولا تتجاهلها الحكمة.

علامات اختلال الاستقلال العلمي

لا يحكم على السرائر والنيات؛ فذلك إلى الله تعالى، ولكن يمكن تقويم المسار العلمي من خلال قرائن ظاهرة ومتكررة؛ تكشف عن مقدار استقلال العالم واتساقه مع أصوله. ومن أبرزها:

1- ازدواجية الأحكام:

تغير الحكم أو الوصف الشرعي بتغير علاقة الجهة بالفاعل، مع بقاء الواقعة وحيثياتها واحدة؛ فما يعد مصلحة وحكمة من الحليف، يصبح خيانة وفتنة إذا صدر من الخصم.

2- الانتقائية في الاستدلال:

إظهار بعض النصوص والأقوال التي تخدم النتيجة المطلوبة، وإخفاء ما يقيدها، أو يخصصها، أو يكشف ضعف طريقة الاستدلال بها.

3- الرخص للمتنفذين والتشديد على الضعفاء:

التوسع في المخارج والتأويلات لأصحاب المال والسلطان، مع التشديد على من لا نفوذ له ولا حماية.

4- رفض المراجعة العلمية:

الهروب من مناقشة الدليل، وتحويل الحوار من تحرير المسألة إلى الطعن في الناقد، أو تخوينه، أو اتهامه بإثارة الفتنة وخدمة الخصوم.

5- غياب الشفافية وتضارب المصالح:

عدم الإفصاح عن الصلات الوظيفية، أو المالية، أو التنظيمية بالجهة التي تتعلق بها الفتوى؛ مع احتمال تأثير تلك الصلات في الحكم، أو توقيته، أو طريقة عرضه.

6- تحول العالم من ناصح إلى مدافع:

انتقاله من تقويم الجهة ونصحها إلى تبرير مواقفها في كل حال، والدفاع عنها قبل استكمال النظر في الوقائع والأدلة.

7- ارتباط الفتوى بحاجة السلطان:

ظهور الفتوى عند حاجة الجهة إليها، واختفاؤها عند انتفاء تلك الحاجة؛ مع السكوت عن وقائع مماثلة لا تخدم المصلحة السياسية أو التنظيمية.

8- تبدل المواقف بلا مراجعة علمية:

الانتقال من قول إلى ضده بتغير التحالفات والمواقع؛ من غير بيان دليل جديد، أو اعتراف بالخطأ، أو تفسير علمي مقنع لسبب التغير.

وهذه قرائن تستدعي السؤال والمراجعة، وليست كل واحدة منها – بمفردها – دليلا قاطعا على فساد النية أو الارتهان؛ فقد يكون لبعضها تفسير علمي أو عذر معتبر.

وإنما تقوى دلالتها باجتماعها، وتكررها، وغياب التفسير العلمي المقنع لها.

فالقلوب إلى الله أما الأقوال والمواقف؛ فتوزن بالعلم والعدل والاتساق والتثبت؛ من غير تقديس يحجب الخطأ، ولا خصومة تحمل على الظلم.

آثار ارتهان العلماء على الدين والدعوة

حين يخضع العالم لسلطان الحاكم، أو الجماعة، أو المال والمصلحة؛ لا يبقى أثر الارتهان محصورا في شخصه وفتواه؛ بل يمتد إلى الدين والدعوة والمجتمع، فتضيع أمور عظيمة:

1- سقوط هيبة الفتوى:

لأن الناس يرون الحكم الشرعي يتلون بتلون المصالح والعلاقات، ويتغير بتغير الحلفاء والخصوم؛ فتفقد الفتوى مكانتها بوصفها بيانا عن شرع الله وتتحول في أنظارهم إلى موقف سياسي أو تنظيمي.

2- تشويه الوعي الديني:

إذ يختلط على الناس ما هو من حكم الشرع بما هو من رغبات السلطان أو مصالح الجماعة؛ فلا يعودون يميزون بين الدين المنزل والتبرير المصنوع.

3- اضطراب مسار الدعوة:

لأن النصوص الشرعية تتحول إلى أدوات في الصراع؛ يستدل بها على الخصوم، ويغض الطرف عنها مع الحلفاء؛ بدل أن تكون حاكمة على الجميع.

4- تخبط العامة والشباب:

فينتقل بعضهم من التقديس الأعمى للعلماء إلى إسقاطهم جميعا، وينشأ عن ذلك أحد طرفين مذمومين: غلو يبرر كل ما يصدر عن العالم، أو جفاء يطعن في العلم وأهله ولا يعرف لهم قدرا.

5- محاصرة العلماء المستقلين:

لأن ثباتهم واتساقهم يكشفان تناقض الخطاب المسخر للسلطة أو الجماعة أو المصلحة؛ فيهمشون، أو تشوه سمعتهم، أو يتهمون بإثارة الفتنة والإضرار بوحدة الصف.

6- تقديس الجماعات والأشخاص:

فتتحول الجماعة من وسيلة لخدمة الدين إلى غاية يدافع عنها، ويصبح الولاء للقيادة أو التنظيم مقدما على الولاء للحق، وينظر إلى نقد الخطأ كأنه عدوان على الدعوة نفسها.

7- منح الظلم غطاء شرعيا:

فالظلم إذا صدر مجردا أمكن للناس معرفته وإنكاره؛ أما إذا زينه صاحب علم، وألبسه ثوب المصلحة والطاعة والحكمة؛ كان أشد فتنة وأبعد أثرا.

8- فقدان العلم وظيفته المرجعية:

فيغدو العلم تابعا للقوة بعد أن كان ميزانا لها، وتصبح الفتوى خادمة للقرار بعد أن كان الواجب أن يكون القرار منضبطا بحكم الشرع.

وهكذا لا يضيع الحق على يد شيخ الحاكم وحده؛ بل قد يضيع كذلك على يد شيخ الجماعة وشيخ المصلحة والذات.

وليس الخطر في تعدد أسماء السلاطين، وإنما في اجتماعها على إخضاع العلم وتوجيه الفتوى.

وربما اجتمعت السلاطين الثلاثة في شخص واحد؛ فيطلب رضا الدولة، ويحفظ موقعه التنظيمي، ويرعى شهرته ومصالحه المالية في وقت واحد؛ فيصبح موقفه محكوما بمثلث السلطة والتنظيم والذات ولا يبقى للدليل في قراره؛ إلا ما تسمح به هذه المصالح.

وإذا ارتهن العالم؛ ضاع بعض الحق.

وإذا ارتهنت المؤسسة؛ ضاعت مرجعية العلم.

وإذا كثر العلماء المرتهنون؛ فقدت الأمة ثقتها بمن يدلها على الحق عند اختلاط السبل.

كيف تصان حرية العالم واستقلاله؟

استقلال العلماء لا يحمى بالمواعظ وحدها، ولا يتحقق بمجرد الادعاء؛ بل يحتاج إلى بناء إيماني وعلمي ومالي ومؤسسي؛ يحول دون استفراد الحاكم، أو الجماعة، أو الممول، أو الجمهور بتوجيه العالم وفتواه.

ومن أهم معالم هذا البناء:

1- تصحيح النية وتجديد العهد مع الله:

فالعالم شاهد لله قبل أن يكون موظفا في مؤسسة، أو عضوا في جماعة، أو صاحب جمهور! وأول من يحتاج إلى محاسبته ومراقبة دوافعه هو نفسه؛ ليميز بين نصرة الحق وحماية الحظوظ الشخصية.

2- الرسوخ العلمي والمنهجي:

فضعف التأصيل يجعل العالم أسرع تأثرا بالضغوط والشعارات. أما الراسخ في معرفة الأدلة ومقاصد الشريعة ومناهج الاستدلال وفقه الواقع والمآلات؛ فيكون أقدر على التمييز بين المصلحة الحقيقية والتبرير المصنوع.

3- استقلال مورد العيش ما أمكن:

فإن الحاجة المالية غير المنضبطة باب واسع للضغط والاستدراج. وليس المقصود تحريم الراتب أو الأجرة، وإنما ألا يصبح رزق العالم كله بيد جهة تستطيع أن تشتري صمته أو تغير موقفه بالمنع والعطاء.

4- إنشاء أوقاف علمية مستقلة:

تمول العلماء والبحوث ومجامع الفتوى بعيدا عن تدخل الحاكم، أو الحزب، أو الممول الفرد؛ حتى يبقى القرار العلمي مستقلا عن تقلبات السياسة ومصالح الداعمين.

5- تنويع مصادر تمويل المؤسسات وإعلانها:

حتى لا ينفرد ممول واحد بتوجيه الفتوى أو البحث أو القرار؛ فتعدد والشفافية والمحاسبة تقلل من احتمالات السيطرة والاستدراج.

6- الإفصاح عن تضارب المصالح:

فيبين العالم صلته المالية، أو الوظيفية، أو التنظيمية بالجهة التي تتعلق بها فتواه؛ لأن معرفة هذه الصلة ضرورية لتقويم استقلال الفتوى، ولا سيما في القضايا العامة.

7- تفعيل الاجتهاد والفتوى الجماعية المستقلة:

خصوصا في النوازل الكبرى التي تختلط فيها المصالح السياسية والاقتصادية؛ لأن اجتماع علماء مستقلين متنوعي الخبرات يقلل من أثر الضغوط الفردي والانحياز الخفي.

8- حماية حق المخالفة داخل الجماعات والمؤسسات:

فلا يعاقب العالم، ولا يقصى، ولا يحرم من حقوقه؛ لأنه خالف قرارا سياسيا أو تنظيميا بدليل معتبر فالمؤسسة التي لا تتسع للنقد العلمي تتحول مع الزمن إلى أداة توجيه لا منبر علم.

9- نشر أدلة الفتاوى الكبرى وإخضاعها للمراجعة:

حتى يكون سلطان البرهان فوق سلطان الأشخاص، ويتمكن أهل الاختصاص من مناقشة الفتوى وتقويمها؛ بدل الاكتفاء بمكانة صاحبها أو منصبه.

10- قبول النقد والتراجع إلى الحق:

فالتراجع عن الخطأ رفعة وأمانة، وليس سقوطا في الهيبة. أما الإصرار على الخطأ حماية للمكانة أو خوفا من شماتة الخصوم؛ فهو لون من عبودية الذات.

11- توعية الجمهور بمنهج التلقي:

فلا يقدس عالما، ولا يرد قوله لمجرد مخالفته له، ولا يسقطه بسبب خطإ واحد؛ بل يزن الأقوال بالدليل والعدل والاتساق، ويحفظ للعالم فضله من غير عصمة، ويناقش خطأه من غير تطاول.

12- التضامن مع العلماء المستقلين:

بحمايتهم معنويا ومؤسسيا، ونشر علمهم، وتوفير موارد كريمة لهم؛ لأن ترك العالم الصادق وحيدا أمام الضغوط يسهل إسكاته أو إقصاءه، ويبعث رسالة تخويف إلى غيره.

فحرية العالم لا تعني أن يقول ما يشاء؛ بل أن يستطيع قول ما يقتضيه الدليل بعلم وعدل وحكمة؛ من غير أن يشتري أحد صمته، أو يفرض عليه نتيجة مسبقة، أو يجعل رزقه ومكانته ثمنا للتنازل عن أمانة العلم.

المصدر

مركز الشهود الحضاري للدراسات الشرعية والمستقلية، الشيخ عبد الله الأثري، بتصرف.

اقرأ أيضا

دعاة لبسوا ثوب السلفية زورا وبهتانا

التوظيف السياسي للمداخلة وانحراف الميزان الشرعي

التعليقات معطلة