الكبيطي

كيف يمكن لرجلٍ أن يدّعي أن “وجود الشيخ في مبدأ التصوف أمر واجب”، وأنه لولا ذلك “لما وصل الكل إلى الله” ؟ وكيف يجرؤ الكبيطي على أن يجعل حاجة الناس إلى الشيخ مثل حاجتهم إلى النبي، ويخترع بذلك بدعةً لم تعرفها الأمة في قرونها الأولى؟ وما معنى قوله إن التصوف “ليس مذهباً وليس ديناً وليس معتقداً، إنما هو منهج سلوكي”؟ وقفةٌ مع الفصل الثالث من “المنهج النبوي”، حيث يمارس الكبيطي دجلاً كبيراً عبر ترسانة من المغالطات والتلبيسات، ويدعو المريدين إلى “الفناء في الشيخ” بدلاً من الفناء عن الأهواء والبقاء بالسنة.

الفصل الثالث.. ما علاقة المنهج النبوي بالتصوف؟

التصوف في بدايته اختيار شخصي لا طريق إلزامي

قال الكبيطي: «طرق التربية تسمى بالطرق الصوفية، لأنها تسلك بالمريد مسلك التصفية لبلوغ حقيقة المعرفة بالله تعالى وبسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الإحسان الذي يعتبر مقاما في الإسلام» ص 14. قلت: نعم التصوف في بدايته انطلق على أساس الزهد والتخفف من الدنيا، والتفرغ لكثرة العبادة والاشتغال بالآخرة. وقد كان هذا الأمر مجرد اختيار شخصي، ولم يدّع الأوائل الذين اختاروا هذا المسلك أنه لا يمكن معرفة الله تعالى والوصول إليه إلا به، كيف؟ وقد هناك مئات من الأئمة الذين هم أعمدة الإسلام وعلومه وهم أولياء الله حقا بعد الصحابة ومع ذلك لم يسلكوا هذا المسلك! لكن الذي حدث بعد ذلك، هو أن التصوف بدأت تدركه سنة الانحراف، فلم يزل يخط خطواته في نفق الانحرافات والبدع إلى أن وصلنا إلى التصوف الفلسفي أو قل تصوف ظاهره التزكية والسلوك وباطنه التردية والمروق!

وها هنا أصل مكين لا تغفل عنه، وهو أن مقام الإحسان لا يمكن بلوغه والتحقق فيه إلا باتباع القرآن والسنة وهدي السلف، وبقدر ما مع المؤمن من هذا الاتباع ظاهرا وباطنا يكون رسوخه في مقام الإحسان. فمن حاول الارتقاء إليه بدون هذا الاتباع والالتزام ظاهرا وباطنا حقيقة لا ادعاء، فهو يركض وراء السراب! ولهذا فالقضية ليست في «ليس كل مسلم مستعد (كذا) لأن يتربى ويصفي باطنه كي تصفو سريرته» ص 14، بل في كون التصفية والتربية يجب أن تكون خاضعة لمعايير الشرع وضوابط الوحي وهدي السنة النبوية، وإلا فالتصفية والتزكية ليست مقصودة في نفسها، ففي كل الاتجاهات المنحرفة والأديان الباطلة هناك دعاوى التصفية والتربية وتزكية النفس، ومع ذلك هم في ضلال وعلى باطل. وإذا كان الإحسان هو معرفة الله تعالى حقا، وعبادته حقا، فكيف يمكن هذا دون اتباع صادق والتزام صحيح بتعاليم مرجعية الوحي ومعايير السنة؟!

التصوف بين كونه مذهباً وادعاءً أنه ليس كذلك

التصوف مذهب سلوكي اختياري وليس ديناً جديداً

يقول الكبيطي: «التصوف ليس مذهبا وليس دينا وليس معتقدا، إنما هو منهج سلوكي يربي النفس ويزكيها ويطهرها، وله شروطه ومبادئه وأسسه» ص 14. قلت: هذا تخليط بارد، فالتصوف بما أنه اختيار سلوك طريقة معينة في التزكية والتربية بالزهد والانصراف عن الدنيا والإقبال بكنه الهمة على الآخرة فهو إذن مذهب اختاره صاحبه لاعتقاده أن هذا الطريق هو الموصل إلى الله تعالى والموصل إلى مقام الإحسان، كما قد يختار غيره طريقة أخرى.

ثم، مهما وقع المتصوف في الابتداع السلوكي وحدد نظاما معينا متجاوزا لإطار السنة وهدي السلف، فهو بالضرورة يكون قد اخترع دينا جديدا لنفسه، لأن الدين في معناه العام طريقة معينة في السلوك وفق ضوابط محددة منبثقة عن الإطار العقدي الذي يتبناه صاحبه، وهذا ما تراه مثلا في ابتداع الصوفية المنحرفة واختراعها أذكارا بكيفية معينة وأعداد محددة ليست في السنة ولم يعرفها السلف. ولهذا كان أئمة السلف يقولون عن الإرجاء: «دين تحبه الملوك» لأن المرجئة اخترعوا طريقة جديدة في الإيمان لا تعرفها السنة ولا هدي الوحي ولم يكن عليها الصحابة.

العلاقة بين الاعتقاد والسلوك في التصفية والتربية

والشيء نفسه بالنسبة للاعتقاد، فالصوفي مهما لم يلتزم بالقرآن والسنة في الاعتقاد وما كان عليه السلف فهو عمليا اخترع اعتقادا جديدا، أي وقع في البدع الاعتقادية كما وقع في البدع السلوكية. وأكثر من هذا، هناك صلة وثيقة بين الاعتقاد والسلوك في التصفية والتربية، فمن وقع في البدع الاعتقادية لابد أن يؤثر ذلك في التصفية والتربية، ولهذا كان الصوفية الأوائل يشددون على وجوب التقيد بالقرآن والسنة. وبسبب الانحرافات العقدية لاحقا وقع الانحراف في مسلك التصوف إلى أن نصل إلى غلاة الصوفية فنجد عقيدة الاتحاد والحلول، وعقيدة ختم الأولياء، والقول بأن الصوفي يعرج روحه إلى السماء ويطالع اللوح المحفوظ، ويعلم الغيب، ويسخر الكون!

إذا علمت هذا، علمت سر تشديد السلف والأئمة على اتباع السنة، لأن هذا الاتباع يأتي بالضرورة بالتصفية والتربية والتزكية والقرب من الله تعالى.

قصة ابن مسعود مع المبتدعة.. درس في خطورة البدع تحت مسمى التزكية

ابن مسعود يوبخ قوماً يذكرون الله بعدد معين

ولهذا لما دخل الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه مسجدا فوجد قوما مجتمعين ولهم زعيم يأمرهم بالذكر بعدد معين، قال لهم: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟» قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حصًا نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ، وَالتَّهْلِيلَ، وَالتَّسْبِيحَ، قَالَ: «وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ»، قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: «وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ، مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ» (سنن الدارمي، وله روايات بصيغ أخرى لها نفس المعنى). قلت: فانظر كيف أن ابن مسعود لم يهتم هنا بالتصفية والتربية والتزكية والتقرب إلى الله، بل اهتم بضرورة التزام السنة وهدي الصحابة في فعل هذه التصفية والتربية والتزكية والتقرب إلى الله تعالى، لأن التزكية بلا اتباع للسنة ضلالة ومعصية، فكيف يتقرّب العبد إلى ربه بما هو ضلالة ومعصية؟! وماذا لو رأى ابن مسعود ما أحدث الصوفية المنحرفة واختراعاتها المختلفة بدعوى التصفية والتربية وتزكية النفس!!

قهر النفس بين الشرع وبدعة الصوفية

الشرع جاء بتهذيب النفس وضبطها لا بقهرها وتعذيبها

قال الكبيطي: «التصوف يركز على تزكية النفس من خلال قهرها وعدم الالتفات إليها بالتعظيم والتبجيل، فيربط العبد وجوده بمن يوصله إلى الله، فيركز عليه ولا يركز على نفسه، لأن الانشغال بالنفس حجاب لا يمكن من الوصول إلى الله، فيحتاج العبد بطبيعته الإنسانية من يتجاوز به حجاب النظر للنفس إلى النظر إلى الله، وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرشد أمته عبر الأولياء والمرشدين التابعين» ص 15.

قلت: هذا الكلام فيه تخليط كثير، وابتداع عظيم. قضية أن تزكية النفس بقهرها وعدم الالتفات إليها، كلام غير صحيح في ميزان الشرع، فالشرع جاء بتهذيب النفس وضبط غرائزها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لنفسك عليك حقا»، ولهذا جاء التشريع بكل ما يشبع شهوات النفس لكن بانضباط وتوازن، مثل غريزة الجنس أتاح لها الزواج، وغريزة المال أتاح لها التجارة مثلا، وغريزة الجمال أتاح لها اللباس الحسن والسكن الحسن، وغريزة التقدير والاحترام أتاح لها واجب معاملة المسلم معاملة حسنة. وقس على هذا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قد يأكل الطعام الطيب، والحلوى اللذيذة، وقد يلبس اللباس الفاخر، وكان الصحابة يعملون في تجاراتهم وأموالهم، وكانوا يتزوجون كثيرا، وغير ذلك. فليس مراد الشرع قهر النفس وتعذيبها وإنما ضبطها وتهذيبها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن نذر أن يمشي إلى بيت الله: «إنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عن تَعذيبِ هذا نَفسَه» (صحيح البخاري). ونهى عن الوصال في الصوم، ونهى عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام، وقال صلى الله عليه وسلم للذين قالوا “أنا أصوم لا أفطر// أنا أقوم لا أنام// أنا لا أتزوج” قال لهم: «أما واللهِ إنِّي لَأخشاكُم للهِ وأتقاكُم له، لَكِنِّي أصومُ وأُفطِرُ، وأُصَلِّي وأرقُدُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي» (صحيح البخاري)، وغير هذا من الدلائل التي تبرهن على أن مراد الشرع ليس قهر النفس بل تهذيبها وضبطها بميزان العدل، بلا إفراط ولا تفريط.

الفناء في الشيخ.. بدعة تضليلية تحجب عن الله

الفناء في الشيخ حجاب عن الله ومخالفة لمقصد الشرع

وقول الكبيطي: “فيربط العبدُ وجودَه بمن يوصله إلى الله، فيركز عليه ولا يركز على نفسه” هذه دعوة صريحة من زعيم الطريقة الكبيطية للمريد ليجتهد للوصول إلى مقام “الفناء في الشيخ”، بدليل آخر الفقرة. وهذا ضلال مبين وتلاعب من الشيطان، فالمسلم مأمور بشيئين: “الفناء عن اتباع الأهواء” و “البقاء باتباع السنة” وبقدر تحقيقه لهذين يكون قربه من الله تعالى، وتحقيقه للغاية من وجوده أي العبودية لله وحده لا شريك له. ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم نفسه من “الفناء فيه” بـ “الغلو في تعظيمه وإجلاله”، فقال: «يا أيُّها الناسُ، لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ قَدْرِي؛ فإنَّ اللهَ اتَّخذَني عبدًا قَبلَ أنْ يَتَّخِذَني نبيًّا» (السلسلة الصحيحة للألباني). لأن مقام العبودية أعلى المقامات وأشرفها، ولهذا في حدث الإسراء والمعراج لم يتكلم الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه نبيا بل بوصفه عبدا، فقال: ﴿سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِ﴾ [الإسراء 1]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه» (صحيح البخاري) والإطراء هو الغلو والإفراط في المدح والتعظيم.

وأيضا نهى الله تعالى نفسه عن “الفناء في النبي” من خلال بيان وظيفته صلى الله عليه وسلم ومهمته التي بُعث بها، وأنها فقط التبليغ والبيان، فقال: ﴿يَـٰۤأَیُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَۖ﴾ [المائدة 67]، وقال: ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَـٰغُۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ﴾ [المائدة 99]، وقال: ﴿وَأَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّیۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَـٰغُ ٱلۡمُبِینُ﴾ [التغابن 12]. ولهذا لم يحدث الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم إلا في العصور التي بدأت تنتشر فيها الطرق الصوفية البدعية، تحت شعار “محبة النبي”!

وجوب الشيخ.. بدعة لم يعرفها السلف

أين في القرآن أو السنة وجوب الشيخ؟

قال الكبيطي: «وجود الشيخ في مبدأ التصوف أمر واجب، فلو لم يكن وجود الشيخ ضروريا لوصل الكل إلى الله …. لذلك بعث الله الرسل والأنبياء وجعل من بينهم الأولياء» ص 15. قلت: أين في القرآن أو السنة أو كلام السلف والأئمة وجوب الشيخ؟ لن تجد حرفا يدل على ذلك، وإنما هذا بدعة ابتدعها الصوفية المنحرفة، فجعلوا حاجة الناس إلى الشيخ مثل حاجتهم إلى النبي! وشيء لا يعرفه القرآن ولا السنة ولا السلف والأئمة اعلم أنه ضلال مبين!

وقوله: “فلو لم يكن وجود الشيخ ضروريا لوصل الكل إلى الله”، فانظر إلى هذا الجهل الكبير، بل التألي على الله، فالله تعالى أرسل عبده محمدا صلى الله عليه وسلم ليبلّغ الأمة القرآن والسنة، وهما ديوان التعريف بالمعبود وبالعبادة وبثمرة العبادة بعد الموت، فجاء الكبيطي ليقول: لا، بل الشيخ واجب وإلا لن يصل أحد إلى الله ولن يعرفه حق المعرفة؟ ففي الحقيقة الكبيطي نصّب نفسه في مقام يتجاوز مقام الأنبياء عليهم السلام، فنبينا صلى الله عليه وسلم لم يشترط على أحد ممن جاءه للإسلام أن يلازمه ويبقى معه، فقد كان الناس يأتون يعلنون الإسلام ثم يرجعون إلى بلادهم.

ملايين المسلمين عبر التاريخ في الحجاب؟!

كما أن قول الكبيطي يعني أن ملايين المسلمين عبر التاريخ وفيهم أئمة وعلماء وصالحون فضلا عن عوام المسلمين، لم يصلوا إلى الله ولم يعرفوه، لأنهم كانوا في الحجاب بسبب عدم انضمامهم إلى شيخ صوفي!! فأي كذب هذا الذي يمارسه الكبيطي على الله ورسوله! وأي خداع يمارسه الكبيطي على المريدين والأتباع السذج!

لكن، مع قول الكبيطي: “عبر الأولياء والمرشدين التابعين” يمكن أن نفهم الغاية من هذه المقدمات.. الكبيطي بعبارة أخرى يقول: أنا ولي من أولياء الله ومرشد منصّب من الله ورسوله، لهذا مَن جاء وبايعني شيخا له يصل إلى الله وإلا سيبقى في الحجاب وظلمة النفس كحال ملايين المسلمين عبر التاريخ!! خصوصا والكبيطي كما رأينا في مقالات سابقة يؤكد على أنه مبعوث من الله ورسوله لهداية الخلق وتجديد الطريقة!!

المصدر

صفحة نورالدين قوطيط، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

كشف الدجال الكبيطي ج6.. بين ادعاء الوساطة النبوية وهدم المرجعية المعيارية

كشف الدجال الكبيطي.. حين يدّعي وراثة السر ويُسقط جهود الأمة

الدجال الكبيطي في “المنهج النبوي”.. من ادعاء العصمة إلى إلغاء البرهان

التعليقات معطلة