نعيم الآخرة

لماذا يشعر الإنسان بعد تحقيق أعنف أحلامه بفراغ بارد يتسلل إلى صدره، وكأن الجائزة لم تكن بالروعة التي تخيلها؟ وما سر هذه الدائرة المفرغة التي تجعله يركض خلف هدف، ثم يرفع الراية نحو هدف آخر، دون أن يجد السكينة التي وعد بها نفسه؟ وكيف يمكن للدماغ البشري أن يكون مبرمجاً ليجد متعته القصوى في الترقب لا في الامتلاك، وللنفس أن تتكيف مع أعظم النعم حتى تبهت وتفقد دهشتها؟ وهل هناك وصول حقيقي لا يعقبه فراغ، ولا يذبل أثره بالاعتياد، ولا يبهت بريقه مع تقادم الزمن؟

وهم الوصول.. الفخ الإدراكي الذي يوقع البشر في دائرة مفرغة

للعقل البشري فخ كئيب يُعرف في علم النفس بـ “وهم الوصول” (Arrival Fallacy) هذا المصطلح يعبر عن مغالطة إدراكية قاسية، قوامها الاعتقاد الجازم بأن بلوغ هدف ما أفنيت جزءاً من عمرك في السعي إليه = سيمنحك أخيراً السكينة الكاملة، والرضا الذي لا يعقبه نقص.

من ثم تركض لسنوات… تحرق أعصابك، وتستنزف أيامك، وتؤجل راحتك إلى ذلك اليوم الموعود الذي تصل فيه إلى هدفك وحين تعبر خط النهاية أخيراً، وتتلاشى سكرة الانتصار الأولى = يزحف فراغ بارد متسللاً إلى صدرك في هدوء لتكتشف تدريجياً أن الجائزة لم تكن بالروعة التي تخيلتها، وأن الوعد الذي رسمته الدنيا في خيالك كان أكبر بكثير من قدرتها على الوفاء به.

الدماغ مبرمج ليجد متعته القصوى في الترقب لا في الامتلاك

جسدك نفسه يشارك في هذه الحالة ويؤسس دون أن تشعر لهذا الوهم. الدماغ البشري مبرمج ليجد متعته القصوى في الترقب، لا في الامتلاك… كلما اقتربت من الهدف، تصاعد منسوب الدوبامين حتى يبلغ ذروته قبيل الوصول… فإذا لامست النهاية.. هبط المنسوب فجأة، وكأن النفس قد فقدت للتو ما كانت تطارده بشغف.

ثم يتدخل فخ آخر يسميه العلماء “التكيف اللذّي” (Hedonic Adaptation)  وخلاصته أن ما كان بالأمس حلماً مستحيلاً يغدو بعد الوصول أمراً اعتيادياً باهتاً لا يثير في الروح أي دهشة. يتآكل الانبهار بسرعة، وتُرفع الراية مجدداً نحو قمة أخرى، ليبدأ سباق جديد في دائرة مفرغة لا تنتهي.

استحالة منح إنسان في الدنيا وصولاً كاملاً

لهذا يمكنك بناء على هذه التصورات أن تقترب من الجزم باستحالة منح إنسان في الدنيا وصولاً كاملاً. كل محطة تبلغها سوف تفتح أمامك طريقاً آخر وهدفاً آخر.. ومزيداً من الدوبامين! كل أمنية تتحقق ستلد أمنية أشد إلحاحاً وكل نهاية، تحمل في أحشائها بداية قلق جديد.

حقيقة الوصول.. وصول لا يعترف به علم النفس

لكن سورة الزمر تحدثك عن حالة أخرى مختلفة.. حالة يحلو لي أن أسميها باصطلاح هو نقيض الحالة السابقة. أسميها؛ “حقيقة الوصول”. هو وصول لا تعترف به قواميس علم النفس، لأنه ببساطة ليس من طبيعة هذا العالم. وهو لا يحدث في هذا العالم… وصول لا يعقبه فراغ، ولا يذبل أثره بالاعتياد، ولا يبهت بريقه مع تقادم الزمن. وصول تنكسر عنده قوانين النفس التي لازمت الإنسان منذ هبوطه الأول على هذه الأرض.

التنهيدة الأخيرة التي لا يعقبها حزن ولا خوف

زفرة ارتياح وتنهيدة تختلف عن كل تنهيدة أطلقها في حياته كلها.. والمرء يطلق في رحلته تنهيدات لا تُحصى. تنهيدة بعد نجاة أو تنهيدة بعد فقد. تنهيدة يخرج معها تعب سنوات وتنهيدة انتظار طال حتى حسب صاحبها أن قلبه قد شاخ قبل جسده.

الغريب أن كل تنهيدات الدنيا، مهما حملت من راحة هي مؤقتة ما يلبث القلب بعدها أن يلتفت إلى خوف جديد، أو نقص جديد، أو انتظار جديد.

أما سورة الزمر… فتحدثك عن تنهيدة لا تشبه شيئاً عرفته الأرض: (وَقَالُوا۟ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَیۡثُ نَشَاۤءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَـٰمِلِینَ)[الزمر:74].

أشعر بها كزفرة ارتياح أخيرة… إذا خرجت من الصدر، لم يعد بعدها حزن، ولم يبق بعدها خوف، ولم تنتظر النفس بعدها شيئاً أبداً.

الركض خلف لحظة “انتهى” منذ خرج آدم من الجنة

منذ أن خرج نبي الله آدم من الجنة، والبشرية تركض لاهثة خلف تلك اللحظة وإن اختلفت واجهاتها. قد نظن أننا نبحث عن الثروة، أو المنصب، أو المسكن الفاخر، أو الشهرة، بينما نحن في الحقيقة نبحث عن لحظة نقف فيها لنقول بثقة: “انتهى… لا كرب بعد اليوم”.

المشكلة أن كل لحظة نطقنا فيها شيئاً شبيهاً كان يجاورها شيء من النقص.. ربما قلناها بعد نجاة لكننا ننسى أو نتناسى أن ثمة بلاء جديد قد يأتي.. قد ننطقها بعد رزق لكن في قرارة أنفسنا نخشى زواله.. وربما نزفر بها بعد فرحة يترقب القلب بعدها تقلبات الحياة.

أما هناك.. فتخرج الكلمة للمرة الأولى خالية من شوائب الخوف، نقية من كل ترقب.. لا يعقبها فقد، ولا يجاورها قلق.

الحمد لله في موضعين من القرآن

الحمد لله.. في موضعين من القرآن ذُكرت هذه الزفرة:

في فاطر: (وَقَالُوا۟ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِیۤ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورࣱ شَكُورࣱ * ٱلَّذِیۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا یَمَسُّنَا فِیهَا نَصَبࣱ وَلَا یَمَسُّنَا فِیهَا لُغُوبࣱ)[فاطر:34-35].

وفي الزمر: (وَقَالُوا۟ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَیۡثُ نَشَاۤءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَـٰمِلِینَ)[الزمر:74].

الكلمة الأولى.. الحمد لله الذي صدقنا وعده

أحب دوماً أن أتخيل هذه اللحظة وأستشعر تلك التنهيدة.. قلوب أنهكها قلق الغد.. أرواح ارتجفت في ساحات الحشر.. وأجساد قاومت بشراسة جاذبية السقوط في مستنقع الفتن؛ تقف الآن جميعاً على عتبات الأبدية الدافئة. والكلمة الأولى للشفاه المرتجفة بالنشوة، ليست استعراضاً لمشقة الطريق، ولا تفاخراً بكثرة الطاعات.. إنها فقط: “الحمد لله”.

الأعجب؛ أنهم لم يقولوا: الحمد لله الذي أدخلنا الجنة، أو أنقذنا من النار، أو أعطانا ما لا عين رأت. إن أول ما فاضت به قلوبهم كان شيئاً أعمق: “ٱلَّذِی صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ”.

الإيمان بالغيب يستحيل إلى عين يقين

كأن أعظم نعيم في تلك اللحظة أن الغيب الذي آمنوا به في الدنيا كله قد انكشف. ذلك الوعد الذي قرؤوه مئات المرات في المصاحف، وتمسكوا به حين كذب الناس وسخر المستهزئون واشتدت الغربة = صار حقيقة ماثلة أمام أعينهم.

كل آية عن الجنة.. أصبحت مكاناً سيسكنونه. كل وعد آمنوا به.. صار مشهداً حياً بين أيديهم. وكل سجدة أطالوها في العتمة.. وجدوا أثرها محفوظاً ينتظرهم.

الإيمان بالغيب لم يعد تصديقاً علمياً واعتقاداً خبرياً.. لقد استحال إلى عين يقين.. وليس الخبر كالمعاينة.

سحق قانون الندرة.. “نتبوأ من الجنة حيث نشاء

ثم يمضي المشهد إلى عبارة، لو تأملها القلب لاستغنى بها عمراً: “وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَیۡثُ نَشَاۤءُۖ”.

انتهت وإلى الأبد كل صور المزاحمة التي نغصت الحياة الأرضية. لا حدود تُرسم بالأسلاك الشائكة، ولا أبواب تُغلق في وجوه الطامحين، ولا خوف من أن يسبقك أحدهم إلى مرادك، ولا قلق من سلب نعمة اعتدت عليها.

سحق قانون الندرة الذي حكم حياة الإنسان

لقد عاش الإنسان عمره أسير عالم تحكمه “الندرة”.. الوقت محدود.. القوة محدودة.. الأرزاق محدودة. لتلك المحدودية يظل الإنسان يتدافع متوحشاً منذ يولد وحتى يموت.

أما هناك.. فقد سُحق قانون الندرة: “نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَیۡثُ نَشَاۤءُۖ”.

حيث نشاء.. راحة لا تستوعبها قواميس اللغة. لا أحد يزاحمك.. ولا أحد يمنعك.. ولا أحد يهددك. ماتت كلمة “لو”، وتوارت “ليت”، وانتهت “ربما”. الإرادة ذاتها أصبحت نعمة؛ تشتهي فتجد، وتريد فيكون.

انكسار قاعدة “التكيف اللذّي” التي حكمت النفس

لقد خرج من دنيا تعلمه أن لكل أمنية ثمناً، وأن كل امتلاك يهدده الفقد، ليدخل عالماً لا خوف فيه بعد الامتلاك، ولا زمن ينقضي ليأخذ من الأشياء بهجتها.

هناك تنكسر القاعدة التي حكمت النفس منذ خُلقت. لا مكان هناك لـ “التكيف اللذّي” الذي يبهت النعم ويفقدك الدهشة في الدنيا يبهت باعتياد النفس.. نعيم الجنة فقد صممه الخالق العليم بخفايا الأنفس = يتجدد فلا يُمَل، ويزداد فلا يَفتُر، ويفاجئ القلب في كل نبضة بما يفوق الخيال.

“فنعم أجر العاملين”.. كل تعب لم يتبخر

“فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَـٰمِلِینَ”. يالها من خاتمة.. لم يقل “الصالحين” أو “المؤمنين” إنهم من “ٱلۡعَـٰمِلِینَ”. كأن الآية تربط هذا المشهد الختامي المريح بكل لحظة تعب سبقت العبور.

سجدتك التي قاومت بها الكسل، دمعتك المخبوءة.. غضبك المكتوم.. غربتك الموحشة.. ورفضك للمعصية في الخلوات.. شيء من ذلك لم يتبخر.. لقد كان يُسجل بدقة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.

سنوات المعاناة كانت مجرد ممر قصير

إن أهل الجنة لا يشعرون فقط بجمال المكان وإنما يرون مكابدتهم الدنيوية تتجسد أمامهم نعيماً مضاعفاً. يكتشفون أن سنوات المعاناة لم تكن سوى ممراً قصيراً، وأن الصبر الذي أثقل كاهلهم كان أقصر من أن يُسمى انتظاراً.

المصدر

صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

لله درّهمْ.. إنّهمْ مقرّبون

رسالة إليك.. أنت المقصود بها

التعليقات معطلة