تصميم صور المنشورات 6 3

كيف يمكن لرجلٍ أن يدّعي أن “سرّاً من أسرار الله يبزغ في الأرض كل 300 سنة” دون أن يقدم دليلاً واحداً من القرآن أو السنة أو كلام السلف أو حتى كلام الصوفية أنفسهم؟ ولماذا يخترع الكبيطي دورة زمنية من عنده، ثم يركّبها على حديث التجديد الصحيح ليضفي الشرعية على دعواه؟ وقفةٌ مع الفصل الأول من “المنهج النبوي” للدجال الكبيطي، الذي يرفع فيه جرعة التخدير الذهني للمريدين، ويهدم الشريعة من أساسها بكلمة واحدة: “وارث سر الرسول”.

الفصل الأول.. كيف نشأ المنهج النبوي؟

يؤكد الدجال الكبيطي على أن مسلك الذي جاء والذي يسميه بالمنهج النبوي «ليس حديث الولادة، إنما هو سر من أسرار الله التي يبزغ نورها في الأرض كل 300 سنة قصد تجديد الدين وإحياء فسيلته». ص 9. قلت: قد تكلمت في المقال السابق على المقدمة عن نسبته لمنهجه الذي سماه تلبيسا وخداعا ب “المنهج النبوي”.

أما كلامه عن أن هذا “السر” يبزغ في الأرض كل 300 سنة قصد تجديد الدين، فهو كلام اخترعه من تلقاء نفسه. لقد سبق أن قرأت كتاب (الرعاية لحقوق الله) للحارث المحاسبي (توفي 243 هج)، وقرأت كتاب “قوت القلوب” لأبي طالب المكي (توفي 386 هج)، وقرأت كتاب (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي (توفي 505 هج)، وهذه أعمدة كتب التصوف قديماً، ولا أذكر أنه يوجد فيها شيء من هذه الدعوى. بل وبحثت عبر محركات البحث التقنية في كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي الحاتمي (توفي 638 هج) فلم أجد فيه شيئا حول هذه الدعوى، علماً أن هذا الكتاب مع كتابه الآخر (فصوص الحكم) زبدة الفكر الصوفي عند ابن عربي.

تركيب الدعوى على حديث التجديد الصحيح

وحتى عندما تحدث الصوفية المنحرفة أمثال ابن عربي الحاتمي عن الأقطاب والأولياء مثلاً، فهم يجعلون هذا مقامات يصل إليه أفذاذ المشايخ الصوفية ولا علاقة لذلك بدورة زمنية محددة. لكن الذي حدث هو أن الكبيطي ركّب هذه الدعوى الباردة منه (300 سنة) على حديث نبوي صحيح، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ يبعثُ لِهَذِهِ الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها) [سنن أبي داود]. والتجديد المقصود هنا هو إحياء السنن النبوية، ومحاربة البدع العقدية والسلوكية، وإعادة الناس إلى المنهج الأول الذي سار عليه الصحابة والسلف. فالنتيجة أن (300سنة) اختراع كبيطي، لا سند له في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السلف ولا في كلام الأئمة الذين يؤخذ عنهم الدين، ولا حتى في كلام الصوفية أنفسهم.

ادعاء البعثة الإلهية ووراثة سر الرسول

ثم يضيف الكبيطي قائلاً: «وفي هذا الزمن بعث اللهُ سرَّ التجديد في وليٍّ ووارث سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا السر أقدم من نشأة المنهج كمنهج تربوي سلوكي متكامل، بل نشأته ترجع لولادة الشيخ الحاملة روحه للسر». ص 9. قلت: هنا ادعى الكبيطي على الله سبحانه أنه في عصرنا بعث “سر التجديد”. وهذا من الكذب على الله تعالى، فمن أين له أنه سبحانه بعث في هذا العصر أحداً؟ وافرض أنه يمكن أن يقال تجوزا: “قد بعث اللهُ العالمَ الفلاني لإقامة الدين وتجديد”، فهذا يقول المراقبون من أهل العلم حين يرون هذا العالِم يجدد الدين وفق قواعد الشرع وأحكامه وضوابطه على منهاج السلف والأئمة، أما أن يقول أحد عن نفسه: “لقد بعثني الله في هذا العصر لكذا” فهذا لا يقول إلا أحد شخصين: إما نبي صادق أو شقي كاذب!

تزكية النفس.. “في ولي

ثم قوله: “في ولي”، أليست هذه تزكية صريحة من الكبيطي لنفسه؟ من يجرؤ على أن يقول: “أنا ولي الله” أو “أنا عبد صالح” إلا أحمق مغرور أو خبيث ماكر. العلماء قديما حين تحدثوا عن الاستثناء في الإيمان (أي قولك: أنا مؤمن إن شاء الله) ربطوا ذلك بعدم معرفة الخاتمة، حتى قال الصحابي ابن مسعود: «مَنْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلْيَشْهَدْ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ». (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. تأليف أبو القاسم اللالكائي، ج 5 ص 1048، دار طيبة – السعودية، الطبعة 8/ 1423-203)

“وارث سر رسول الله

ثم قوله: “وارث سر رسول الله صلى الله عليه وسلم”. هذه دعوى ادعاها لنفسه، فمن أين الدليل عليها؟ والحقيقة أن هذه الدعوى تدخل في هدف “تضخيم الشيخ” في حس المريد لكي يُحدث له تخديراً ذهنيا ونفسيا ضد أي اعتراض أو انتقاد على أي كلام يسمعه أو سلوك يراه، لأنه ترسخ في نفس المريد أن الشيخ وارث سر النبي، إذن فهو عمليا معصوم، يتلقى من الله ورسوله، إذن فكل كلامه حق، إذن فالاعتراض والانتقاد يعني الرد على الله ورسوله، وهذا يضع صاحبه على حافة الردة والخروج من الدين.

الفناء في الشيخ.. ذروة التضخيم الصوفي

وبهذا ستتطور أحوال المريد ويتنقل في المقامات إلى أن يصل إلى مقام الفناء في الشيخ، كما ذكر الكبيطي نفسه في فيديو منشور (هذا رابط: https://n9.cl/f5opta ) يقول فيه بالحرف: «حقيقة الاتصال الروحي بين المرشد ومريديه أنه يرى شيخه أينما ولّى وجهه في معارجه وحيثما ناداه. كلما ناداه شيخه إلا ووجده أمامه، فقط المريد عليه أن يوجه قلبه إلى شيخه وإلا فالشيخ بفضل هذا الإذن من سيدنا رسول الله روحه متحررة، والروح إذا تحررت لا تكون في جهة واحدة، الروح قد تكون مع ملايين المريدين دفعة واحدة، لأن الروح لها طاقة عجيبة. وهذا إذن من الله، أمر من الله، يصير الآن بأمر من الله سبحانه وتعالى. فحقيقة الاتصال الروحي بين المرشد ومريديه أنه يرى وجهه أينما ولى وجهه في معارجه وحيثما ناداه يبصره، وأينما ذكره يحضر بروحه. فباطلاعه على حقيقة المرشد يجد نفسه يعيش أحوالا من أحوال مرشده، ويعيش أحيانا بقلب مرشده، فيسمع المناجاة التي تكون في قلبه مرشده مع رسول الله يسمعها وتصل إليه فلا يظن أنها من نفسه، ولكن إذا ما فتح الله عليه يعلم بأن كل تلك التجليات إنما كانت تصله من قلبه وفيض مرشده، ويكون المرشد فاتحا لكل أبواب الروحانيات، من برازخ وسماوات وحضارات وأراض وحقائق وأسماء وصفات وكرامات ومعارج، كلها تُفتح بهذا الإذن المحمدي الذي يكون في قلب المرشد». قلت: فإذا لم يكن هذا القول زندقة، فما هي الزندقة إذن؟

وراثة السر.. كذب على رسول الله ﷺ

أما وراثة سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَن كذب على رسول الله فقد كذب على الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقبضه الله تعالى إليه إلا وقد أكمل الله تعالى الدين وأتم النعمة على عباده، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:3]، فإذا كان الله تعالى قد أكمل لنا الدين، فأي شيء إذن ورثه الكبيطي من النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان حقاً فهذا عبث لأن الحق موجود ومكتمل في القرآن والسنة، وإن كان باطلاً فالكبيطي يكذب صراحة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

النبي ﷺ بيّن كل ما يقرّب إلى الجنة ويقرّب إلى النار

وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّهُ ليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى الجنةِ إلَّا قد أَمَرْتُكُمْ بهِ، وليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى النارِ إِلَّا قد نَهَيْتُكُمْ عنهُ». فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن لنا كل ما يقرّبنا إلى الجنة، وبيّن لنا كل ما يقرّبنا إلى النار، فأي شيء إذن ورثه الكبيطي من النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان حقا فهذا عبث لأن ما يقرّبنا إلى الجنة أو النار موجود ومكتمل، وإن كان باطلا فالكبيطي يكذب صراحة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الصحابي علي بن أبي طالب رضي الله عنه يُسأل: «أخَصَّكُم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بشَيءٍ؟ فقال: ما خَصَّنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بشَيءٍ لَم يَعُمَّ به النَّاسَ كافَّةً، إلَّا ما كان في قِرابِ سَيفي هذا، قال: فأخرَجَ صَحيفةً مَكتوبٌ فيها: لَعَنَ اللهُ مَن ذَبَحَ لغَيرِ اللهِ، ولَعَنَ اللهُ مَن سَرَقَ مَنارَ الأرضِ، ولَعَنَ اللهُ مَن لَعَنَ والِدَه، ولَعَنَ اللهُ مَن آوى مُحدِثًا». [صحيح مسلم]، فهؤلاء الصحابة وهم أولياء الله حقا، لم يرثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القرآن والسنة، ثم يأتي دعي دجال بعد 15 قرنا ليكذب أمام الوجود كله: أنا وارث سر الرسول!

هدم الشريعة وإلغاء جهود الأمة

ثم، بالإضافة لما قلنا، فإن فكرة وراثة سر رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يدّعيها الدجال الكبيطي، تهدم الشريعة من أساسها، وتشطب جهود الصحابة والتابعين وآلاف الأئمة والعلماء عبر التاريخ في ضبط القرآن والسنة، وضبط قواعد الفهم، وبيان الأحكام والآداب، تشطب كل هذه الجهود بكلمة واحدة: “وارث سر الرسول”، لأنه إذا كان الكبيطي يأتي بجديد غير ما هو موجود كتب أئمة الإسلام ونقلة القرآن والسنة وتراجمة الأحكام الشرعية والآداب النبوية إذن ما فائدة الإبقاء على هذه المدونات والكتب؟ وما فائدة أن يتعب طلبة العلم في التحصيل والدرس؟ يكفي أن ينضموا إلى قافلة الشيخ وارث السر لتتفجر العلوم والمعارف في قلوبهم. وهذا ما صرح به الكبيطي نفسه في فيديو منشور على هذا الرابط ( https://n9.cl/ps7l5 ) قال فيه بالحرف: «من يبحث عن سيدنا رسول الله خارج القلوب الوارثة لسره فإنه يبحث عن السراب. فمن أراد أن يبحث عن رسول الله فليبحث عنه في صدور الوارثين للسر». معنى هذا الكلام: دعوا العلماء جانبا فلن تجدوا عندهم رسول الله، وإنما تعالوا إليّ لتجدوه.

“الانتشار والازدهار” ليس دليلاً على الصواب

ثم زاد الكبيطي جرعة تخدير أخرى للمريدين بأن «كل مَن صاحبه أو رافقه أو تبعه وجد التيسير والخير والفتح قبل أن يصدع بدعوته وتنضج رسالته». ص 9، فهذا لا يتعلق فقط بعد إعلان مشيخته الذي كان 2016 [بحسب قوله]، بل حتى قبل ذلك! ثم الاستدلال على صحة هذا الكلام وعلى المنهج الذي جاء به بقوله: «أن المنهج ينضج بسرعة ويخطو خطوات سريعة نحو الأمام، وفي السنة الواحدة يحقق الكثير من الإنجازات التي تحتاج إلى سنوات، وكله من إذن الله ورعاية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» ص 10. وهذا كلام بارد يعلم الكبيطي أن القطيع وراءه تخدّرت عقولهم لهذا يلقي إليهم بمثل هذا الهراء. فالانتشار والازدهار ليس معيارا عند العقلاء على صحة الفكرة أو المذهب أو عدم صحتهما. هذا إبليس في كل عصر تنتشر دعوته أكثر من العصر الذي سبق، لهذا فأتباعه بالمليارات. بل هذا نبي الله نوح عليه السلام، وهو من أولي العزم الكبار، بقي يدعو إلى الله تعالى 950 سنة، ثم في النهاية ماذا كانت الحصيلة؟ قليلة جدا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:40]، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض الأنبياء يأتون يوم القيامة وليس في أمتهم إلا الفرد وبضعة أفراد والعدد القليل جدا، فقال: «عُرِضَت عليَّ الأُمَمُ، فرَأيتُ النَّبيَّ ومعهُ الرُّهَيطُ، والنَّبيَّ ومعهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ، والنَّبيَّ ليس معهُ أحَدٌ» (صحيح مسلم).

المصدر

صفحة نورالدين قوطيط، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

الدجال الكبيطي في “المنهج النبوي”.. من ادعاء العصمة إلى إلغاء البرهان

تضخم الشيخ في الفكر الصوفي.. من مرشد إلى قطب مقدس

سر التلقي المباشر.. لماذا يحرص دجاجلة الصوفية على نسبة طرقهم إلى الله ورسوله؟

التعليقات معطلة