الموت

لماذا يهرع الناس إلى الخروج بمجرد بدء تترات نهاية الفيلم، وكأنهم يتعاملون مع الموت بالآلية النفسية ذاتها: ستار يُسدل، ثم لا شيء؟ وكيف يمكن لآيتين من سورة الزمر أن تصححا هذا التصور، وتعلنان أن الموت ليس نهاية ولا خاتمة؟ وقفةٌ مع الموت الذي يتوارى عن كونه السطر الأخير في الحكاية، ليكون مجرد قلب للصفحة.

الموت في عيون البشر.. تتر النهاية حيث لا مشهد بعده

في دور العرض، ما إن تبدأ التترات التي تحوي أسماء فريق العمل في الهبوط على الشاشة السوداء، حتى يتحرك الناس بتثاقل نحو الأبواب. لقد انتهت القصة.. أُضيئت الأنوار، ولم يعد ثمة ما يستحق البقاء.

جل الخلق يتعاملون مع الموت بالآلية النفسية ذاتها. تتر النهاية… حيث لا يوجد مشهد بعده.. اللقطة الختامية واللحظة الأخيرة في رواية الحياة ثم يسدل الستار الثقيل على المسرح.. وبعدها: لا شيء. عدم محض وفراغ مطلق. ظلام دامس… تصور يفسر حرص البشر على الهروب منه وتجاهله قدر وسعهم.

آيتان من سورة الزمر تصححان التصور الخاطئ

﴿إِنَّكَ مَیِّتࣱ وَإِنَّهُم مَّیِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾[الزمر:30-31].

آيتان من سورة الزمر تصححان هذا التصور.. الموت واقع لا محالة يصيب كل مخلوق.. لكنه ليس النهاية. الآية الأولى تعلن الحقيقة التي لا مهرب منها… تطوي صفحة الحياة كما نعرفها.. والثانية تفتح الصفحة التي من أجلها كُتبت الرواية كلها.

هناك يتبين أن الموت لم يكن نهاية ولا هو خاتمة الحكاية. هو بمثابة الفاصل القصير بين فصلين؛ أحدهما ينتهي في الدنيا، والآخر يبدأ عند رب العالمين.

المشهد الأعظم.. وفاة رسول الله ﷺ

التجسيد الأعظم للآية الأولى أراه قد وقع يوم اضطربت المدينة بوفاة رسول الله ﷺ. يومها ساد المسجد صمت ثقيل، كأن المدينة نَسِيَت كيف تتنفس. وجوه مذهولة، وعيون ترفض تصديق الكارثة.

عمر بن الخطاب يقف شاهراً كلماته كما يُشهر سيفه، يقسم أن رسول الله ﷺ لم يمت. المشهد يتجاوز فكرة الإنكار المتعمد للحقيقة؛ لكنه عجز مؤقت عن احتمال عالم يخلو من أنفاس حامل الوحي.

أبو بكر الصديق يتلو آية الزمر في لحظة الفارقة

في تلك اللحظة الفارقة، شق الصديق أبو بكر ستار الصمت. مضى بخطى ثابتة إلى حجرة أم المؤمنين عائشة، كشف الثوب عن وجه صاحبه، طبع قبلة دامعة بين عينيه، وهمس بيقين: “طبت حياً وميتاً”.

ثم خرج بعدها إلى الناس. تجاوز الجدال والحزن المكلوم وتخلى عن أي محاولة لتخدير المشاعر. الوحي وحده يملك ناصية المعنى الذي يتسع لمثل هذه الفواجع. هنالك تلا آية الزمر: ﴿إِنَّكَ مَیِّتࣱ وَإِنَّهُم مَّیِّتُونَ﴾. ثم آية آل عمران: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡۚ وَمَن یَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِ فَلَن یَضُرَّ ٱللَّهَ شَیۡـࣰٔاۗ وَسَیَجۡزِی ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِینَ﴾.

لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآيات حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه، فما كان من أحد حاضراً إلا يتلوها. في تلك اللحظة أعاد القرآن ترتيب الموازين..

القانون الذي لا يعرف استثناءات

الأشخاص، مهما علت منازلهم، يرحلون. كلهم يرحلون.. لكن الرسالة تبقى. الأجساد تغيب، والحق لا يغيب. فإذا كان سيد ولد آدم قد عبر هذا الباب، فما الذي يتوهمه سائر العابرين؟ إذا كان خير الخلق ﷺ قد سرى عليه قانون الموت، فقد سقط إلى الأبد وهمُ الاستثناء عن كل من دونه.

لم تكن الآية تنعى رسول الله ﷺ بقدر ما كانت تعلن قانون الحياة كله. القانون الذي لا يعرف استثناءات، ولا يحابي مقاماً، ولا يؤخر أجلاً.

“ثم”.. حرف العطف الذي يقلب الموازين

لكن المشهد القرآني لا يكتفي بإعلان الوفاة المطلقة… الآية التالية تبدأ فوراً. لا صمت طويل.. لا فراغ، لا نهاية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾.

تأمل حرف العطف “ثُمَّ” الذي به استفتحت الآية. يبدو هادئاً في مساره اللفظي، مرعباً في حمولته المعنوية.

الموت في المنظور القرآني لا يمثل إغلاقاً للأحداث ولكنه انتقال إلى الحقيقة الكاملة على مسرح آخر. الشاشة لن تنطفئ لتعلن النهاية، وإنما ستتحول إلى معبر يفضي إلى الفصل الذي كانت القصة بأكملها تركض نحوه. الستار الذي أُسدل في الدنيا، قد ارتفع فوراً في الآخرة.

الخصومات التي ظن أصحابها أنها دُفنت في المقابر

هناك تُستدعى كل القضايا التي ظن أصحابها أنها دُفنت في المقابر. كلمات مسمومة قيلت في الخفاء.. حقوق سُلبت ولم يجد أصحابها من ينصفهم.. دموع صامتة خنقت أصحابها في عتمة الليل.. ومعتدٍ غادر الدنيا مزهواً بانتصاره. الخصومات التي سقطت من ذاكرة الناس بالتقادم، حاضرة هناك بكامل تفاصيلها في علم الخالق.

الحقيقة المطلقة بعد سقوط الأقنعة الدنيوية

الآية تجاوزت الحديث عن الجزاء المباشر ودخول الجنة أو النار، وبدأت بالخصومة. وأول ما ينكشف بعد سقوط الأقنعة الدنيوية هو الحقيقة المطلقة. حقيقة مجردة من النفوذ، والمال، والألقاب، والتصفيق. في تلك الساحة، لا يترافع المحامون، ولا يصنع الكذبة وحملة المباخر أبطالاً، ولا يملك أحد تأجيل موعد الجلسة.

المصدر

صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

القرآن والوجدان .. ظاهرة الموت والحياة

ميزان الحياة والموت

التعليقات معطلة