كيف يمكن لرأي حداثي يزعم أنه “أكثر رقياً” من فهم الصحابة والتابعين للقرآن أن يمرّ دون نقد؟ وكيف يُقدّم لنا البعض تأويلاً جديداً لكلمة {وَاضْرِبُوهُنَّ}؟ وماذا يعني أن نتهم أئمة الصحابة والتابعين والفقهاء على مدار 1400 عام بأنهم أخطأوا في فهم كلمة عربية واضحة، ثم يأتي من يصحّح لهم في منشور ركيك من بضع أسطر؟
الرأي الحداثي في تفسير “واضربوهن”.. جدار صمت بدل الضرب الجسدي
ينتشر هذه الأيام مقال يزعم أنّنا فهمنا معنى قوله تعالى: {وَاضْرِبُوهُنَّ} بطريقة خاطئة غير معقولة ولا تتلاءم مع رُقيّ الإسلام الذي يستحيل أن يسمح بضرب النساء بالمعنى الجسدي. وزعم صاحبه أنّ ضرب الزوجة الناشز معناه المفارقة والمباعدة والانفصال والتجاهل ووضع “جدار صمت”.
الرأي مردود عند العلمانيين وتورط فيه بعض الدعاة
وفي الواقع هو لم يأتِ بشيء من عنده، فهذا الرأي الحداثي ردّده بعض العلمانيين ومنكري السنّة، وتورّط فيه مع الأسف بعض الدعاة، وهو متأثّر كما يبدو بالحرج من الدلالة الشرعية تحت ضغط القيم الغربية.
طبقات الجهل الستة التي بني عليها هذا التأويل
فإنّ الله عزّ وجلّ يسّر القرآن كما أخبر، فهل يُعقل أن يعبّر عن هذا الأمر بهذه الكلمة التي تنصرف إلى الضرب الجسدي، ثم يفهمها أئمة الصحابة والتابعين وأهل العربية كذلك، ولا يدرك مرماها سوى بضعة أشخاص في القرن العشرين؟! ويلزم من ذلك نسبة ضعف التعبير والتعسير إلى القرآن، وقد كان سبحانه قادرا على قول “باعدوهنّ” لو كان هذا هو المعنى المراد.
جهله بالعربية (وبالقرآن أيضًا)
فإنّ الضرب في العربية: “إيقاع شيء على شيء” كما قال الراغب الأصفهاني، ثم يتغير معناه بحسب الصيغة والتركيب النحوي والسياق الاستعمالي.
تفنيد استدلاله بآيات الضرب الأخرى
وقد استدلّ صاحب هذا التحريف بقوله تعالى عن موسى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا}، مع أنّ المعنى الاستعمالي هنا بمعنى “الجعل” و”الاتخاذ”، أي: اتخذ طريقا. ولا يستقيم أن يكون “باعدْ” أو “فرّق”، وأما “التفريق” فهو ناتج بعد الضرب وليس هو معنى “الضرب”، كما في قوله تعالى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}، فالضرب هنا هو المعروف بدلالة العصا، وأما المباعدة فقد نبّه إليها الانفلاق والفِرق.
وكذلك في قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا}، وليس معنى اضرب هنا “فرّق” أو “باعد”، بل أن يهوي بعصاه على الحجر كما حدث مع البحر.
استدلاله بـ”ضربًا في الأرض” ساقط نحويًا
واستدلّ بقوله تعالى: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ}، فاستنبط منه المباعدة والهجر البشري، مع أنّه في سياق مختلف يتعلّق بالسفر، وليس في توجيه فعل الضرب لإنسان! وإنّما ذُكر الضرب في السفر لأنّ المسافر يضرب الأرض برجليه فاستعير له، وفي هذا يقول ابن فارس: “الضاد والراء والباء أصل واحد، ثم يستعار ويحمل عليه، من ذلك: ضربتَ ضربًا، إذا أوقعتَ بغيرك ضربا، ويُستعار منه ويُشبّه به: الضربُ في الأرض تجارةً وغيرها من السفر… ويقولون إنّ الإسراع إلى السير أيضا ضرب”. بل حتى هذا المعنى الاستعمالي للضرب في الأرض جاء بصيغة مختلفة عن آية {واضربوهن}، فالصيغة هنا: {ضربًا في} وليس “ضرب الأرض”، فالاستدلال ساقط من هذا الباب النحوي أيضا.
استدلاله بـ”فضُرب بينهم” مختلف نحويًا وسياقيًا
واستدلّ بقوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ} وقال إنّها بمعنى “فُصِلَ”. وهنا أيضًا السياق ليس سياق توجيه فعل الضرب لإنسان، والبنية النحوية مختلفة تماما: فلم يقل: فضُربوا، بل قال: {فضُربَ بينهم}، ثم زاد الباء فقال {بسور} ولم يقل “ضُرب سورٌ”، فتأمّل الاختلاف النحوي والسياقي ومع ذلك يستشهد بها!
والأمر نفسه ينطبق على استدلالات أخرى كضرب الأمثال وغيرها، فسياقها مختلف تمامًا، والسياق في الكلام العربي يحدّد الدلالة.
تجاهل آيات الضرب الواقع على البشر
ثم إنّه تجاهل آيات واضحة في معنى الضرب وأحرى بالاستشهاد لكونها تتعلّق بالضرب الواقع على البشر، كقوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}، أي ضَرْب القتيل بقطعة من البقرة المذبوحة، فهنا الضرب بمعنى وقوع شيء على شيء.
وكقوله تعالى في الضرب بالسيف: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.
وكقوله تعالى عن فعل الملائكة بالكفار: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}.
والطريف أنّ هذا المحرّف انتقى من بين 58 مرّة ذُكر فيها “الضرب” آياتٍ قليلة لم تسعفه كما رأينا؛ فمعناها الاستعمالي في أمر آخر لا علاقة له بالضرب المقصود في آية النساء، وأعرَض عن الآياتِ الأَحرى بالاستشهاد، التي تتناول الضرب الموجّه إلى بشر.
السياق الاستعمالي في آية النساء يؤسس لتدرّج منطقي
وحين نقرأ الكلمة في سياقها الاستعمالي: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} نجدها تؤسس لتدرّج منطقي: فحين تخرج المرأة عن طاعة زوجها الواجبة بالمعروف أو تستخفّ بحقوقه فإنّه يبدأ بوعظها بالكلام والتذكير بالله تعالى، فإنْ لم ينفع ذلك فهناك درجة أكبر وهي الإعراض عن الفراش لِما له من أثر أشدّ، فإن كان هذا كله لا ينفع، هنا يبيح كتاب الله التدخّل الجسدي غير المؤذي للبدن تأديبًا.
وهو تدرّج تشريعي من الأخفّ إلى الأشدّ؛ فالحالة السهلة تؤثّر فيها الموعظة، والحالة الأكثر إيغالًا في النشوز قد ينفع فيها الهجر في الفراش، ثم قد تحتاج إنْ لم ينفع هذا ولا ذاك إلى تدخّل جسدي لا يؤذي البدنَ ولكنّه يشير إلى أنّ الأمر قد بلغ مبلغًا كبيرا جدّا لتنبيهها، وهي حالة مؤسفة لا ينبغي أن يصل إليها الزوجان.
جهله بالإنسان وصحّته النفسية
فقد جهل هؤلاء أنّ ما يقترحونه من تأويل الضرب بالابتعاد وإقامة “جدار صمت” يفتح الباب إلى الإخلال بالصحّة النفسية للأسرة، وإلى استسهال هذا الأمر بما أنّهم “اكتشفوا” أنّه توجيه شرعي كريم وليس ضربًا جسديّا! فهناك أثر سيّء للتجاهل المستمر لأحد الزوجين وللصمت التامّ بينهما في نفسية الأطفال، فهؤلاء القائلون بالصمت أو التجاهل أو الانفصال لا يزِنون كلامهم، ولا يدركون مقدار المخاطر النفسية المحتملة التي يفتحونها حين يعبثون بتأويل القرآن!
جهله بالشريعة وحقوقها
فقوله يتعارض مع منظومة من الحقوق الشرعية التي تجعل الزوج مسؤولًا عن النفقة والرعاية والحقوق الزوجية، فضلا عمّا يجدر به من تفقّد أحوال أهله وعياله، وهذه تستوجب كلامًا وتواصلًا مع زوجه، هذا مع حُرمة هجران المسلم لقوله عليه الصلاة والسلام: “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال” (صحيح مسلم)، فقد يدخل في الهجر المنهي عنه إذا جاوز “جدار الصمت” ثلاث ليالٍ، وهذا في عموم المسلمين، فكيف بزوجه التي تسكن معه؟!
فقه الأئمة في الهجر والضرب
وانظر إلى فقه أئمّتنا في هذا فقد قال الشافعي: “والهجرة في المضجع تكون بغير هجرة كلام، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجاوز بالهجرة في الكلام ثلاثًا”.
وهذا العابث الذي يتّهم العلماء ضمنيّا بالبعد عن العقلانية والرقيّ ويذمّ الأفهام المحدودة الموروثة يقول لنا اضربوا “جدار الصمت”، ففرَّ إلى المحظور بجهله!
جهله بأصول الفقه
فإنّ القرائن قد تصرف الأمر إلى الإباحة كما في هذه الحالة، وقد صرفت السنّةُ الأمرَ بالضرب إلى الإذن المقيَّد لا الإلزام، مع الندب إلى الترك فهو الأفضل، ففي الحديث: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قطّ بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا” (صحيح مسلم)، وقال عليه الصلاة والسلام: “لا تضربوا إماءَ الله”، ورخّص في ذلك حين راجعه عمر في حالات النساء اللاتي “ذئرنَ” على أزواجهن (أي نشزنَ واجترأنَ)، ثم قال عن الضاربين حين شكتْ نساءٌ كثيرٌ إلى أزواجه: “ليس أولئك خياركم” (سنن أبي داود).
الآية رخصة علاجية أخيرة وتركها أولى
ولذلك قال الشافعي: “وفي قوله: “لن يضرب خياركم” دلالة على أن ضربهنّ مباح لا فرض أن يُضربن، ونختار له من ذلك ما اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم”. وقال ابن العربي المالكي: “فأباح وندب إلى الترك”. فالآية لا توجب الضرب، بل تجعله رخصةً علاجية أخيرة مقيّدة بكونه غير مؤذٍ، ولا يُنتقل إليه إذا نجع الوعظ أو الهجر، ولا يجوز إذا غلب ضررُه أو انتفتْ فائدتُه. ومن ثم فاختيار عدم الضرب هو الأَولى والأقرب إلى الهَدي النبوي، ولا نحتاج إلى نقل لفظ “الضرب” عن معناه الجسدي لأن المباح يجوز تركه أصلًا.
جهله بالسنّة والآثار
فهو أنّ “الضرب” تحديدًا قد جاء في السنّة وعلى ألسنة الصحابة والتابعين بالمعنى الجسدي، وصاحب المقال يستدل بالأحاديث فهو كما يبدو يؤمن بالسنّة، فلأي شيء تجاهَل ما جاء في خطبة الوداع في تفسير الآية بوضوح؟ فقد قال عليه الصلاة والسلام فيها:
“ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هنّ عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلّا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهنّ ضربًا غير مُبَرِّح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا” (سنن الترمذي). وفي رواية في صحيح مسلم: “ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح”.
والحديث بيانٌ للآية وموافق لألفاظها، وفيه إضافة “غير مبرِّح” التي توضّح أنّ المقصود هو الضرب الجسدي، فالتبريح من الشدّة، أي ضربًا غير شديد.
إجماع الصحابة والتابعين على المعنى الجسدي
كما ذهب جمعٌ من الصحابة والتابعين إلى أن المقصود بالضرب (مع كونه غير مبرّح) هو الضرب الجسدي، منهم: ابن عبّاس، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، ومِقسم، وعامر الشعبي، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة بن دعامة وغيرهم. وذكر بعضهم أنّه “بالسواك ونحوه” كما روي عن ابن عبّاس، وقال بعضهم “غير شائن” أو “غير مؤثّر”.
خطورة الأمر.. الطعن في نقل أئمة الدين
بل قال بهذا المعنى أئمة المفسّرين والفقهاء قبل اجتياح الحداثة، لم يُعرف عن أحدهم خلاف ذلك، أي أنّه كان المعنى المستقرّ في عصر النبوّة وعصر الصحابة والتابعين وتابعيهم واستقرّ طوال القرون التالية، حتى جاءنا قبل سنوات من يقول: جميعهم أخطأوا، لم يفهموا هذه الكلمة العربية الواضحة كما سأريكم بمنشور ركيك من أسطر قليلة!
القضية تتعدى الضرب إلى هدم الثقة بالدين
هل أدركتم خطورة الأمر؟
إنّ القضية أبعد من مسألة الضرب التي لم يفهمها هؤلاء العابثون، وتصل إلى الطعن في نقل عامة أئمة الدين من الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، فهم في زعمهم لم يكونوا أهلًا لنقل معاني القرآن الكريم، فإذا ضممتَ ذلك إلى مسائل أخرى كالرجم وأمثالها مما ينكره هؤلاء، تدرك أننا أمام فتح بابٍ لهدم الثقة بمنظومة نقل الدين وفهمه عبر التشكيك بأئمتها وقدرتهم على فهم آيات واضحة، فهمَها هؤلاء المعاصرون الجاهلين بالعربية بسهولة ودلّلوا عليها بالآيات!
لو قالوا إن الأحكام تتطور لكانوا أكثر اتساقاً
ولو قال هؤلاء كعلمانيين كُثر: إنّ فهم الدين يجب أن يتطوّر، وإنّ أحكامًا كانت سائدة في العصور السابقة لا يمكن أن تنطبق على عصرنا هذا؛ لكانوا على غيّهم أكثر اتّساقًا مع أنفسهم، ولكان شأنهم شأن الطاعن في صلاحية كتاب الله عزّ وجلّ، وسيكون النقاش معهم مختلفًا. ولكنّهم يصرّون على أنّ الإشكالية في فهم الآية ابتداءً، أي أننا ظللنا لأكثر من ألف وأربعمائة عام منذ عصر الصحابة على فهم خاطئ لها، فكيف يوثق بهؤلاء الأئمة الذين يجهلون فهم آيات واضحة ويذهبون إلى تفسير يطعن برُقيّ الإسلام وأخلاقه السمحة؟!
هذه هي نتيجة مثل هذه التأويلات الفاسدة المتهافتة.
المصدر
صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
قوانين الأسرة في القرآن (1): وليس الذكر كالأنثى


