تصميم صور المنشورات 5 3

هل تعلم أن أقدم وثنية في تاريخ البشرية لم تكن مجرد تمثالٍ من حجرٍ يُعبد، بل كانت فلسفة كاملة في النظر إلى الكون؟ فلسفة تختزل العالم في “الأسباب” وتتناسى “المُسبِّب”..

تحت أطلال أوغاريت: حيث ولدت أقدم أسطورة زيف جماعي

تحت أطلال مدينة “أوغاريت” الكنعانية، تكمن وقائع واحدة من أقدم صور صناعة الزيف الجمعي التي حفظها التاريخ.

الكهنة يقفون أمام مذابح حجرية تفوح منها رائحة الدماء، يرفعون أيديهم نحو سماء ملبدة بالغيوم، ويهتفون لـ”بعل”.. الإله الذي صورته أساطيرهم سيداً للمطر، والبرق، والرعد، والخصوبة، والزراعة.

بل زعمت نصوصهم أنه انتصر على الإله “يم” رمز البحر، ثم هزم “موت” رمز الجفاف والقحط، ليعود المطر إلى الأرض والحياة إلى الحقول.

لقد أقنعوا الجماهير القلقة الملتفة حولهم أن قطرة الماء لن تنزل، وأن السنابل لن تشق الأرض، إلا إذا انحنت الجباه لهذا الصنم.

الخوف من الجوع، والعطش، واللهاث خلف ضمانات الدنيا، جعل أمة كاملة تسجد لصنم يرمز لرزقها المؤقت.

 الإمبراطورية الوثنية: كيف اجتاحت عبادة “بعل” الشرق القديم

لم تكن عبادة “بعل” حدثاً معزولاً، وإنما كانت امتداداً لسلسلة طويلة من الوثنيات الكبرى التي عرفها الشرق القديم.

فبعد عبادة إنليل في بلاد الرافدين، ومردوخ في بابل، ورع وآمون في مصر، جاءت عبادة “بعل” لتفرض سطوتها على بلاد الشام، وتحكم قبضتها على عقول الكنعانيين والفينيقيين.

تمددت عبادته كعدوى تنتشر انتشار النار في الهشيم، وارتفعت مذابحها في حواضر الساحل العتيقة؛ من “أوغاريت” التي خلدت تلك الأساطير في طينها المحروق، إلى صور وصيدا.

ولم يقف الزحف عند حدود الشواطئ، بل ابتلع مدناً بأكملها، حتى إن “بعلبك” استمدت هويتها وصنعت أمجادها المعمارية اللاحقة حول هياكلها الضخمة المكرسة لتقديسه الإله بعل.

 حين حمل الفينيقيون إلههم في سفنهم

وحين شق الفينيقيون عباب البحر، لم يحملوا في سفنهم بضائعهم وحدها.. لقد أخذوا إلههم معهم، وعبروا به الأمواج إلى مستعمراتهم البعيدة في قرطاج بشمال إفريقيا، ليعرش هناك تحت اسم “بعل هامون”.

بل إن هذا الهوس الوثني امتلك من الدهاء ما جعله يتسلل عبر الشقوق التاريخية إلى بعض ممالك بني إسرائيل القديمة، كما تسجل نصوصهم؛ ليزاحم عقيدة التوحيد في فترات الضعف والتيه الذي أدمنوا.

وثنية تثبت أن الإنسان في كل بقاع الأرض لديه الاستعداد لاستيراد آلهة مزيفة متى مسه الخوف من الغد.

 المواجهة: إلياس عليه السلام.. رجل واحد يفكك زيف أمة

وفي غمرات هذا الخنوع الجماعي، وتحت سماء اختنقت بدخان القرابين، يظهر رجل واحد ليفكك هذا الزيف المريض.

يتقدم النبي إلياس عليه السلام بخطى واثقة… سلاحه الوحيد في هذه المواجهة هو الإيمان الراسخ والحجة الواضحة التي تقنع العقل السليم جنباً إلى جنب مع القلب النقي.

ها هو يطلق تساؤله الخالد استنكاراً لهذا العبث البشري وإشفاقاً على قوم صدقوا تلك السفاهة:

﴿إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦۤ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدۡعُونَ بَعۡلࣰا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَـٰلِقِینَ﴾

الكلمات تنقض مباشرة على مركز العطب في عقولهم.

كيف لعقل يملك أدنى درجات الوعي أن يتجاهل توحيد الخالق المهيمن على كل ذرة في هذا الكون، ليمرغ جبهته في التراب تضرعاً لحجر أصم نحتته يد بشرية مكدودة؟

 الأزمة ليست في الحجر.. بل في الفكرة نفسها

والحق أن الكارثة كانت تتجاوز كتلة الحجر. الأزمة تكمن في الفكرة نفسها.

“بعل”! هذا الوثن هو الانعكاس المباشر لشهواتهم المكبوتة، والتجسيد الحرفي لمخاوفهم البدائية من المجهول.

لقد اختاروا طواعية تقديس “الأسباب” القريبة الملموسة، واستسلموا لعمى إرادي مريح يتجاهل “المُسبِّب” بالكلية، رغبةً منهم في الهرب من مسؤولية الإيمان بالله وما تتبعها من تكاليف، لا يمكن اختزالها في قربان لمذبح أو رشوة كاهن.

الإنسان بطبعه كائن يرتعد من المجهول.. متى تأخر المطر وتشققت الأرض عطشاً، ينكمش وعيه فوراً، ويهرع للبحث عن إله مفصل على مقاس مخاوفه.. إله يمكن رؤيته ولمسه..

“بعل” لم يكن سوى التجسيد الحرفي لتلك الرغبة البشرية الهشة في اختزال أسرار الوجود المعقدة داخل كتلة حجرية، يتوهمون أنهم يديرون غضبها ببعض الطقوس الساذجة ليأمنوا مكر الأيام.

 المعركة في ميدانهم هم: حين جاع إله المطر نفسه

ولأن أساطيرهم نصبت “بعل” سيداً للغيث والخصب، لم يكن اختيار ميدان المواجهة مصادفة.

الروايات التاريخية تقطع أن معجزة إلياس عليه السلام كانت في صميم تخصص إلههم الوهمي.

لقد دعا إلياس ربه، فحبس الله عنهم المطر سنين طويلة، حتى جفت حناجرهم، وأدركوا أن الوثن الذي توهموا أنه يتحكم في الغمام يعجز عن استنزال قطرة ماء واحدة.

هي ذات السنة الربانية لا تتبدل:

لقد تحدى موسى السحرة في عقر دارهم ودحرهم في سحرهم

وأربك عيسى أهل الطب في زمانه بمعجزات الإبراء والشفاء

وتحدى القرآن العرب في أوج فصاحتهم بكتاب معجز في بيانه ولفظه

وكذلك إلياس.. كان لا بد أن تُحسم المعركة في ميدان المطر الذي يقدسون وثناً زعموا أنه متحكم فيه.. ليتعرى هذا العجز الوثني أمام عابديه.

 نداء الجذور: الله ربكم ورب آبائكم الأولين

هنالك وجه إلياس ضربته، ليمزق هذه القوقعة الوهمية ويعيدهم إلى جذورهم المنسية: ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَاۤىِٕكُمُ ٱلۡأَوَّلِینَ﴾

هذا الـ”بعل” الذي تلتفون حوله ليس سوى طارئ سخيف في عمر الزمن، بدعة حديثة لا جذور لها.

الكون لم يبدأ البارحة حين نُحت هذا الصنم من صخور الجبل. الربوبية قديمة وممتدة.. رعاية شملت الأجداد والآباء قبل أن تولد خرافة الأصنام في عقولكم المرتجفة.. وستبقى بعد أن تُسحق هذه الحجارة وتذروها الرياح.

التخلي عن “أحسن الخالقين” من أجل وثن أبكم هو أبشع درجات السقوط العقلي. خيار عبثي يقرر فيه المرء طواعية أن يهجر رحاب الخالق المهيمن على كل ذرة في الكون، ليحشر في زاوية ضيقة، يعبد فيها مخاوفه الشخصية، ويلبسها أثواباً مقدسة ليخدر بها قلقه الدائم من الغد.

 “بعل” لم يمت: كيف تولد الأوثان من جديد كل يوم

وثنية “بعل” لم تُدفن يوماً تحت أنقاض أوغاريت. ربما تهشم التمثال الحجري القديم، لتبدأ الفكرة رحلتها الخبيثة في التناسل عبر الزمن.

كلما قدس البعض تلك الأسباب المادية، وارتعدوا رعباً على أرزاقهم، وأراقوا ماء وجوههم وكرامتهم ودينهم، متوهمين أن مفاتيح النجاة معلقة في أيدي مخلوق، فكأنما استحضروا “بعلاً” من رماده.. ونصبوا له تمثالاً خفياً في صدورهم، ومارسوا السقوط ذاته مرتدين بدلات عصرية أنيقة، ومقدمين كرامتهم كقرابين يومية بائسة.

 لعنة الاسم: من “سيد القصر العالي” إلى “سيد الذباب

لعل أكثر ما يثير التأمل في هذه المأساة التاريخية هو دلالة الاسم ذاته.

كلمة “بعل” في اللغات السامية القديمة تعني ببساطة: السيد، أو الرب.

وهكذا تولد الأوثان في كل حقبة؛ تُمنح لقباً أضخم من حقيقتها، وتُضفى عليها صفات لا تملكها، لتتسلل إلى القلوب قبل أن تنتصب فوق المعابد.

وفي حواضر كنعان، وتحديداً في مدينة “عقرون”، أطلقوا عليه لقب “بعل زبول”، أي: سيد القصر العالي. عنوان مهيب يليق في أوهامهم بإله يوزع المطر والخصب وتُراق على أعتابه الدماء.

غير أن التاريخ يمتلك طريقته الموجعة في السخرية من آلهة البشر المصنوعة.

بعد سقوط هذه الوثنية، خضع هذا الاسم المهيب لتحول دلالي كاسح في النصوص والآداب اللاحقة، حتى صار الاسم مرادفاً لأمير الشياطين وكبيرهم. بل بتغيير حرف واحد فقط، مارس العبرانيون كعادتهم أقصى درجات السخرية العقائدية ليسقط هذا الوثن المهيب من سماء التقديس إلى وحل الازدراء.

لقد استبدلوا اللام باءً، ليتحول “بعل زبول” سيد القصر العالي، إلى “بعل زبوب”.. و”زبوب” تعني الذباب باللغة العبرية.

هنالك يهوي الإله الذي خضعت له الرقاب طمعاً في الخصوبة، إلى مجرد “سيد للذباب” يحوم حول الجيف.

الاسم الذي كانت ترتجف أمامه الجباه تضرعاً، صار عنواناً للَّعنة الدائمة، والمعبود الذي عُلقت عليه آمال الحقول والسنابل، انتهى رمزاً مطلقاً للهوان والحقارة.

 الجوهر الخفي: فلسفة الأسباب مقابل المُسبِّب

لكن الأصنام قد تسقط حجارتها، وتظل الفكرة التي صنعتها حية تقاوم الموت.

“بعل” لم يكن مجرد كتلة صخرية نُحتت ثم حُطمت، ولو كان الأمر كذلك لانتهت قصته يوم تهدمت معابده.

بعل في جوهره فكرة وفلسفة كاملة في النظر إلى الكون. فلسفة تبدأ حين يتضخم “السبب” في عين الإنسان حتى يحتل المكان الذي لا يليق إلا بالمُسبِّب.

حين يظن المرء أن الرزق في قبضة السوق، وأن المطر أسير السحاب، وأن القوة حكر على الماديات، وأن النجاة منحة من المخلوق.

حين يعتقد أن الأسباب القريبة هي السيدة المتصرفة، ويتراجع حضور تدبير الله في قلبه إلى هامش المشهد.. عندها يكتمل السقوط، ويتحقق الشرك الخفي، حتى وإن لم يسجد لصنم قط.

تنهار الهياكل، وتُنسى أسماء الآلهة، وتعود الفلسفة المادية ذاتها في كل عصر بهيئة أكثر تهذيباً وأشد قابلية للتصديق. اسمه قديماً كان “بعل”.. ثم تبدلت الأسماء، وبقي الجوهر ثابتاً يختزل العالم كله في شبكة الأسباب، فتتعلق بها القلوب، وتستميت في استرضائها، غافلة عن حقيقة أن الأسباب بأسرها ليست سوى جنود مسخرة، لا تملك نفعاً ولا ضراً إلا بإذن خالقها.

 الختام: نداء إلياس لا يزال ينبض

لذلك يظل نداء إلياس عليه السلام حياً ينبض عبر الزمن.. يتجاوز كنعان ليطرق أبواب كل أرض وكل جيل، ويحاكم كل طغيان للأسباب التي تتغير أسماء أوثانها.

لكن يبقى السؤال خالداً لا يتغير أبداً: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾.

المصدر

صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .. (1) خطر الشرك

أهم مظاهر البُعد عن الاستقامة .. تبديل شرع الله الحكيم

التعليقات معطلة